|
|
|
دفاتر الأيام |
زائرتي ليلةَ الأوسكار
توفيق وصفي |
|
 |
|
أطبَقَت زائرةُ اللّيل على جسدي المُقشَعر، ولفّت بعباءتها روحي المضطربة، وأخذت تعبثُ بي دون حياء، بعد أن ترفقت بي نهاراً، ساقتني كأبلهٍ يترنح يغرق بعرقه البارد إلى حشود تتدافع لبلوغ السجادة الحمراء، التي أحاط بها حشد آخر من حاملي كاميراتٍ لا تكف عن الوميض، وهي تهمس لي: غُذَّ الخطى، كي تجد موطئ قدم لك بين المهووسين بزبائن الأوسكار! أطعتُها كعبد، هرولتُ فتعثَّرْت، وهكذا تخلَّفْتُ عن الزحام.. ألفيت نفسي في سيارة إسعاف، أحدهم يخز إبهامي، وأصوات رسائل لاسلكية غير مفهومة، التقطت منها أنني في الطريق إلى المستشفى.. هناك، همس لي أحدهم بلكنة غير أصليّة: سَمَّموك، أُهرب قبل أن يقتلوك! وضع في فمي قرصا زهريا، لأجد نفسي بملابسي الداخلية أمام كافتيريا المستشفى حائرا، أنقذتني عينا العامل الشرق أوسطيتين، بادرته من دون تفكير بالقول: السلام عليكم! بشّ لي، ورد: "وأليكم" السلام، أأنت مسلم! هززت رأسي، ثم قال: وأنا كذلك، كردي إيراني، صدقته لأن ملامحه قريبة من ملامح زميلي القديم حسين البدري.. جذبني إلى الداخل، منحني سروالا وقميصا وصندلا، وجرابا صغيرا، ثم قادني إلى باب خلفي، وهمس لي: اذهب إلى الحافلة المتجهة إلى غزة، سينفعك ما في الجراب!
كان الغبار يشي بوجهتي الحتمية، أجل، تلك هي الطريق، حثثت الخطى كمن يتسلق جبلا، كابدت العرق الذي أحسسته يغسل أمعائي، مستمدا طاقتي من الذعر من البقاء وحيدا في متاهة بين أميركا وغزة، تعثّر أحدهم أمامي، دون أن يتوقف لالتقاط كيس سقط منه، فالتقطته كي أعيده إليه لاحقا، بيدَ أنه مضى غير آبه بندائي الباهت.. انتعشْتُ حين رأيت زميلي حامد جاد، إذن لست وحدي، كان هنا مثلي، وها هو عائد إلى البلاد، طمأنني عندما ابتسم لي قائلا: ظننتك قد بقيت هناك، ثم سألني: هل أحضرت جواز سفرك؟ هززت رأسي بالنفي وأنا أجر نفسي جرا، قال: فتش في الجراب! لم أكد أفعل حتى بلغنا الطابور، الذي كان يحجزه عن الحافلة سطرٌ من العسكر بقبعات الكاوبوي ونظارات سوداء، كحرس الحدود الأميركيين، وفي اللحظة الحاسمة مددت يدي داخل الجراب فأخرجتها بجواز سفر بلا ملامح، لا جنسية على الإطلاق، لا أختام ولا حتى صورة لي، "لكنه ماشي"، كما قال العسكري بلكنة فرانكو أرابية، بمجرد أن رأى غلافه، قبل أن يفتح البوابة لي، من دون تفتيش، وبعد قليل كنت في الحافلة.. فتحت كيس الرجل الذي لم يُسمَح له بالعبور، فوجدت فيه رزمة بأوراق من فئة المائة دولار، لم أعدّها، وأعدتها بهدوء إلى جرابي، هامسا لنفسي "بوكيت موني" رباني، سأشتري به لصغيرتي جميلة ما فاتني شراؤه، على حافة السجادة الحمراء!
لم ترحل الزائرة، لعلها لم تكتف، قلَبتني على جانبي الأيسر، لأجد ثلاثة على سريري يتكئون على جسدي الممدد، لا أعرف منهم إلا بائع خضار متجولا، قلما أشتري منه، يرتدي معطفا كذلك الذي كان يرتديه عبد الفتاح القصري ورياض القصبجي في أدوار الفتوات والمخبرين في أفلام إسماعيل ياسين.. قال البائع: أنا القاضي بينك وبين هؤلاء، أحرَقْتَ مالَ أبيهم وعليك أن تعوضهم! طلبت بلسان ثقيل التوضيح، فقال أحدهم: نسي أبونا رأس ماله فوق السيفون، بعد أن قضى حاجته، ثم أتيت مشعلا سيجارتك لتفعل ما فعل، ووضعتها فوق كيس ماله سهوا، لكنها أحرقته! سألت بكسل: كل شيء احترق؟ رد القاضي: لم تنجُ ورقةٌ من نار سيجارتك، لكنها لم تفن، بقيت منها قصاصات! ضحكتُ بنعاس وإعياء شديدين مردفا باهتمام مصطنع: إذن بقي شيء؟ قال القاضي بالبلدي: "الشهادة لله ظلّ من كل ورقة شقفة"! كدت أختنق لاختلاط دموعي من الضحك المبحوح بعرقي، بالكاد قلت: سأشتري القصاصات الناجية بقيمة ما احترق منها! جحظت عيون الثلاثة وهم يتبادلون النظرات، ولم أعد أرى فيها إلا وهج النار التي لم أقصد إضرامها، فوق سيفون عام!
tawfiqwasfi@yahoo.com
|
|
|
تاريخ نشر المقال
10 آذار 2010 |
|
|