|
|
|
آراء |
"الاستنزاف" يعيد أولوية الـمصالحة الفلسطينية
د. خالد الحروب ــ كامبردج |
|
 |
|
بعد خيبة الأمل الكبيرة في إدارة أوباما وتلاشي الآمال في تبنيها سياسة جديدة إزاء القضية الفلسطينية والتعنت الإسرائيلي، نعود إلى الـمربع الأول: أولوية الداخل الفلسطيني. وبعد تجربة الانقسام الـمرير والفئوية الطاحنة التي صدعت الجبهة الفلسطينية وأضاعت أربع سنوات غالية من النضال الفلسطيني يقف الجميع، وفي مقدمتهم "فتح" و"حماس"، أمام الأولوية التي أريد الالتفاف حولها، وهي مرة أخرى ترتيب البيت الداخلي. ما كان يجب أن يُستنزف الجهد الفلسطيني طيلة تلك السنوات وبمحصلة نهائية تحت الصفر حتى يصل الجميع إلى النتيجة البديهية وهي أنه من دون حد أدنى من التوافق الوطني فإن الجهود الـمتضاربة تنهي بعضها بعضاً.
الاستنزاف والتعب صار على ما يبدو القاسم الوحدوي الأهم عند قيادات الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو الذي سيدفع ويجب أن يدفع هذه القيادات إلى إيلاء جهود الـمصالحة أولوية قصوى. منذ تاريخ الانقسام الـمشؤوم في حزيران 2007 وحتى الآن يمكن الزعم بأن الـمصالحة لـم تكن أولوية الطرفين. السياسات الفتحاوية كانت تسير في اتجاه الـمحافظة على السيطرة على الضفة الغربية حتى لا يتكرر فيها ما تكرر في قطاع غزة، والسياسات الحمساوية كانت تسير في اتجاه بناء سيطرة مطبقة على القطاع لا تسمح بعودة الأمور إلى ما كانت علية قبل سيطرة حماس. مع قدوم أوباما إلى الحكم عمّ تفاؤل كبير في أوساط السلطة في رام الله بأن تغييراً جدياً يحدث في واشنطن قد يقود إلى تغيير وقائع أساسية في الصراع مع إسرائيل، وينعكس على طبيعة العلاقات الداخلية، ويقوي من خيار التسوية ويضعف حماس. التوتر الذي ساد والخشية من تكرار سيناريو غزة دفع بالضفة الغربية إلى أوحال الحل الأمني الذي أفرز حالة مُحبطة عمادها القمع الأمني الذي لا يتورع عن أية ممارسة بدعوى الحفاظ على الأمن.
في الـمقابل، كانت "حماس" تغوص أكثر في شبكة علاقاتها الإقليمية الإيرانية ــ السورية للاحتماء من ما قد يكون عاصفة سياسية دولية وإقليمية جديدة قد تطيح بموقفها وسيطرتها على القطاع. وترافق ذلك مع قمع أمني مواز نافست فيه "حماس" ما تقوم به "فتح" في الضفة. قبل أوباما كانت حرب غزة قد أعادت، وبوحشيتها الـمذهلة، ترتيب الأوراق، فأثخنت "حماس" بالجراح رغم أنها عززت من سيطرتها الإجمالية. لكن أهم نتيجة أفرزتها تلك الحرب هي دفع "منطق الـمقاومة" من ثابت لا يتغير إلى مربع "منطق السياسة" الذي ثابته الأساسي التغير والتبدل. أوقفت "حماس" وبقية الفصائل إطلاق الصواريخ انطلاقاً من "تقدير الـمصلحة السياسية". وهذا تغيير إيجابي جوهره أن العقل السياسي هو الذي يجب أن يقود الـمقاومة وليس العكس. إذا تضخمت الـمقاومة أو العسكرة على حساب العقل السياسي فإن ذلك لا يقود إلاّ إلى الكوارث ــ وتجارب التاريخ القديم والحديث حبلى بالشواهد.
حصيلة السنوات العجاف ثمن باهظ دفعته القضية الفلسطينية، وفسحة زمنية إضافية مُنحت لإسرائيل لتواصل توحشها الاستيطاني والاحتلالي والادعائي للعالـم بأن الفلسطينيين هم من يعيق السلام، وأن انقسامهم يعني استحالة التقدم. الـمهم الآن أن ثمة أملاً أن وعياً جديداً قد تطور على أساس الـمعطيات الاستنزافية البشعة على الأرض: تراجع أوباما، غياب أوروبا، استمرار التفكك العربي، بروز ملف إيران النووي كقضية أهم من القضية الفلسطينية. بعد الدورة الكاملة ربما يستيقظ العقل الفلسطيني السياسي على أولوية الـمصالحة، حيث الجهد الحقيقي يجب أن يُصب.
منطق الاستنزاف الذي ربما يدفع إلى الـمصالحة تبدّى بوضوح في التصريحات الإيجابية التي رافقت زيارة نبيل شعث إلى قطاع غزة وهي خطوة بالغة الأهمية والحيوية ومبادرة كسرت الجمود وقطعت مسافة كبيرة إلى الأمام. وإذا صح أن هناك لجنة مشتركة تم تشكيلها عقب اجتماع شعث وهنية في غزة، وإذا صحت التصريحات الـمتعددة التي تشير إلى قرب استئناف جهود الـمصالحة في القاهرة أو غيرها فمن حقنا أن نتفاءل. ليست هناك أوهام هنا تقلل من العقبات التي لا تزال في الطريق، لكن يبدو أن هناك قناعة متزايدة بأنه لا بد من مواجهة هذه العقبات وعدم خداع النفس بمحاولة تفاديها.
على خلفية هذه الافتراضات من الـمطلوب من مصر أن تبادر إلى دعوة جديدة وأن تقوم بتحرك إضافي، وأن تتجاوز الـموقف غير العملي الذي أعلنته بشأن "الورقة الـمصرية" ورفض أي تعديل عليها. فهذه الورقة الهدف منها تحقيق الـمصالحة وفق الحد الأدنى من التوافق، وليس الفرض الفوقي، وهي في نهاية الـمطاف ليست مُنزلة ومن حق "فتح" أو "حماس" وكل الفصائل مواصلة تحسينها للوصول إلى صيغة مقبولة تشكل أرضية انطلاق معقولة. معظم الـمتابعين لتفاصيل وحيثيات جهود الـمصالحة والبنود الـمتفق والـمُختلف عليها يقولون إن مسافات كبيرة قُطعت وإن إمكانيات الوصول إلى قواسم مشتركة تزايدت. وفي الوقت نفسه على حماس أن لا تعتقد أن "الورقة الـمصرية" هي نهاية العالـم وأن تنازلها عن هذا التحفظ أو ذاك معناه كارثة وطنية. الكارثة الحقيقية هي في استمرار الانقسام وفي ظله استمرار التوحش الإسرائيلي والاستيطان وتهويد القدس. كم هو الجهد العملي والواقعي والفكري والذهني والسياسي الذي تبذله "حماس" و"فتح" ضد الاستيطان وتهويد القدس إذا ما قارناه بالجهد الـمبذول للـمحافظة على الـمصالح الفئوية والسيطرة الخاصة بهذا أو ذاك؟ ليس هناك معنى عملي كبير للتصلب في الألفاظ والرطانة في حين أن الواقع يتدهور بشكل مذهل. على الورق يستطيع أي كان أن يكتب نصوصاً تهزم كل الأعداء... وتُفرحهم في الوقت نفسه لأنها لا تتعدى الورق. الأهم من النصوص والشعارات هو ما يحدث على الأرض. أي جهد يوقف بناء مستوطنة، أو تهويد بيت في حي سلوان أهم من مليون كلـمة تؤكد هذا الشعار أو ذاك.
Email: khaled.hroub@yahoo.com
|
|
|
تاريخ نشر المقال
08 شباط 2010 |
|
|