|
|
|
أطراف النهار |
|
عراق وعروبة؛ ميكرو وماكرو؟ |
|
 |
|
ستحمل نتائج انتخابات المحافظات في العراق نصف جواب على سؤال محطة CNN: "أمة أم وهم"؛ وأما نصف الجواب الآخر عن السؤال فينتظر امتحان علاقة الحكومة المركزية بمجالس المحافظات من جهة، وعلاقتها بحكومة إقليم كردستان من الجهة الثانية.
بتشخيص أدق، ستكون دولة العراق الجديدة محصّلة فدرالية المحافظات الـ (15) المشاركة في التصويت (عدا محافظة التأميم)، وكونفدرالية عراقية عربية - كردية.
هذه، إذاً، ديمقراطية عربية أبعد مدى من "لبننة" ديمقراطية طوائفية - مذهبية، فهي ديمقراطية وطنية - قومية - دينية - مذهبية.
بهذا المعنى، فإن العراق الجديد هو المختبر الصغير (ميكرو) والعالم العربي هو خط التجميع الجديد، المختبر الكبير (ماكرو)، أي خط الانتاج.
أعرف أن هذا تبسيط للتعقيد العراقي الذي يبز التعقيد اللبناني، بدليل أن قوى 14 آذار اللبنانية ليست طوبة دينية - مذهبية متجانسة، كما ليست في العراق "طوبة" مذهبية سنية وأخرى شيعية، وحتى الحديث عن "مدماك" كردي في العراق الجديد، ليس دقيقاً.
سنعرف، مع ما تلفظه صناديق انتخابات المحافظات العراقية، هل هيمن كبار الملالي وصغارهم على الصوت الشيعي العراقي؟ وهل هيمن كبار شيوخ القبائل السنية على الصوت السني؟ أم أن المدنيين - العلمانيين - الوطنيين العراقيين الديمقراطيين سيكونون خيط الفجر الحقيقي لعراق ديمقراطي حقيقي.
لم يكن العراق السالف، القومي العروبي المركزي، غافلاً تماماً عن التنوع العراقي: قومياً، دينياً، ومذهبياً.. لكنه وضع "جبيرة" العروبة على الموضع الغلط من كسور عظام العلاقة القومية العربية - الكردية، وقام بعملية غير موفقة لانزلاق المفاصل المذهبية السنية - الشيعية.
عروبة الشعار لا تنفع، ولو كانت الجبيرة ذات وصفة انشائية جميلة: عراق متآخٍ بأقلياته القومية والدينية والمذهبية. لماذا؟ لأن الاستبداد هو وصفة القمع لا علاجاً للمرض الذي صار داءً.
على كثرة الشعارات التي مهّدت لديمقراطية جديدة للقوميات والطوائف والمذاهب، استوقفني واحد يقول بالعامية العراقية: "عراقي منّي وبيَّة"، فهل أن فدرالية - كونفدرالية عراقية جديدة ستصنع من دماء الحروب القومية والاقليمية والمذهبية العراقية نوعاً من الخل (دود الخل منّه وفيه)، أم ستتركها الأطراف الاقليمية (إيران، تركيا وسورية) تصنع "نبيذاً" ديمقراطياً صافياً؟
تركيا القومية - المركزية، سواء أكانت كمالية - أتاتوركية، أم إسلامية - علمانية، تنتظر علاقة جديدة بين بغداد المركزية وإقليم كردستان. إيران البارعة حدّ اللّؤم في توظيف المذهبية في خدمة الدعوة الإسلامية، وهذه وتلك في خدمة القومية الفارسية، لا يسرّها تحالف عروبي - عراقي جديد بين السنة والشيعة، أو علاقة صحية - ديمقراطية بين القوميتين العربية والكردية. لديها عربها ولديها أكرادها أيضاً.
نود أن ننظر بعين متفائلة إلى أن فدرالية - كونفدرالية عراقية، ستضع ميزاناً عادلاً بين ديمقراطية المشاركة الوطنية - القومية - المذهبية، وديمقراطية المحاصصة الوطنية - القومية - المذهبية.
هذا التفاؤل الهشّ منوط، هذه المرّة، بخارطة محافظات الجنوب العراقي، ذات الأغلبية المذهبية الشيعية. أي، هل ستشجع إيران خيار الاقليم الجنوبي - الشيعي، أم ستحترس لأن الإيرانيين العرب في عربستان / خوزستان سيطالبون بالمثل، كما سيطالب أكراد إيران بإقليم كردي ضمن الفدرالية الإيرانية، علماً أن إيران مختبر متنوّع وأكبر من العراق، الذي هو مختبر أكبر من لبنان، وأكثر تنوعاً!
لماذا تحدثت عن مصغّر ومكبّر (ميكرو عراقي وماكرو عربي). انظر إلى السودان، حيث أقرّت الخرطوم بحق جنوب السودان بالتصويت، بعد سنوات قليلة، على خياري الكونفدرالية أو الانفصال.
كما يمكن الإشارة الى المشاكل الثقافية - اللغوية في دول معينة في المغرب العربي، وحتى إلى أساس الخلاف الوطني الفلسطيني بين مشروعي الكيانية الوطنية والأممية الاسلامية. أما إسرائيل، فيلزمها 15سنة بلا حروب مع الجيران، أو دولة وطنية فلسطينية - ديمقراطية، حتى يبدأ التشقّق القومي - المذهبي فيها. إما دولة جميع رعاياها، أو دولة يهودية ذات علاقة ديمقراطية مع الأقلية القومية الفلسطينية فيها، وهي لا تقل ديموغرافياً عن الأقلية السوداء في أميركا.
في الطب القديم إن كل علّة معروفة السبب مرجوة الشفاء.. وفي الطب السياسي كذلك، وإلاّ فالعلّة ليست في الديمقراطية، بل في أهليّة الشعوب لها.
حـسـن الـبطـل
h_albatal@yahoo.com
|
| حسن البطل |
|
تاريخ نشر المقال
01 شباط 2009 |
|
|