2859
يكون الجو غائماً جزئياً إلى غائم، وباردا نسبيا حيث يطرأ انخفاض آخر على درجات الحرارة؛ لتصبح أدنى من معدلها السنوي بحدود 5 درجات، ويتوقع سقوط زخات متفرقة من المطر فوق معظم المناطق، والرياح شمالية غربية إلى جنوبية غربية، معتدلة السرعة تنشط أحياناً.
البيعالشراءالعملة
3.7413.735دولار/شيكل
5.2835.260دينار/شيكل
4.7614.753يورو/شيكل
0.7100.708دولار/دينار
1.2731.273يورو/دولار
 
أرسل لصديق نسخة طباعة اضف للمفضلة تكبير الخط تصغير الخط عودة
دفاتر الأيام
مسلسلات رمضان:“سيرة الدم والنار”
عادل الأسطة

في رمضان تذكرت (شمعون بيريس). لم أتذكره لأنه في نحافته وصلعته يشبه أبي، ما دفعني ذات نهار لأن أكتب مقالاً أتساءل فيه إن كان (شمعون) عمي، وإنما تذكرته لأنه ألف كتاباً عنوانه “شرق أوسط جديد”، كتاباً لم أقرأه وإنما قرأت عنه، كتاباً لم أمتلكه، فأكثر كتب السياسيين عابرة وكتب موضة، وربما لم أشتره لأن ما أقرأه عن عمي (شمعون) لا يسر، فهو ذو حظ متعثر لا يثبت على رأي، وقاد حزبه إلى الخراب، فلم يفلح أن يكون رئيس وزراء مؤثراً يشار إليه بالبنان، نعم، لم أشتره لما سبق ـ وقد أكون عاثر الرأي والحظ ـ لا لأنني لم أملك النقود. لماذا اشتريت كتاب (بنيامين نتنياهو) “مكان تحت الشمس” ولم أشتر كتاب (بيريس) “شرق أوسط جديد”؟ ربما لأن عمي (شمعون) سيئ الحظ! ربما!.
في رمضان تذكرت عنوان كتاب (بيريس) وندمت لأنني لا أملك نسخة منه. لماذا؟ ببساطة لأنني أردت أن أعرف تصور المؤلف للشرق الأوسط الجديد، ولأعرف إن كانت نبوءة المتصور تحققت، فأعمامنا وأبناء أعمامنا يتخيلون، وقد تصيب تخيلاتهم وقد تخيب، وليس عبثاً أن الطائفة السامرية في نابلس ما زالت تفتتح مكاتب لقراءة المستقبل. هل ننسى كتاب الجد الأكبر (ثيودور هرتسل) “أرض قديمة ـ جديدة: إن أردتم فإنها ليست خرافة”. زار (هرتسل) فلسطين فخاب ظنه لأنه رآها أرضاً خربة أفسدها العرب منذ تملكوها، ولكنه لم ييأس فترك المجال لمخيلته، وهكذا تصور فلسطين الخربة بعد عشرين عاماً من سيطرة الصهيونية عليها: أشجار يوكالبتوس وقطارات كهربائية ورشيد بك العربي يقول: أنتم اليهود من أحضرتم الحضارة إلى هذه البلاد.
في رمضان ندمت إذ لن ألجأ إلى مقارنة الصورة التي رسمها عمي (شمعون) للشرق الأوسط بالصورة التي رأيتها في المسلسلات التي عرضتها غير فضائية. حقاً إن الصورة لا تبرز صورة مستقبلية ـ أعني أن المسلسلات لم تتناول فلسطين بعد اتفاقات (أوسلو) وحرب 2006 و2008، وإنما تناولت فلسطين قبل العام 1948، ما يعني أنها أتت على الماضي، وبالتالي فإن المقارنة غير ممكنة، إلا أنني أقول إن زمن العرض مهم أيضاً، حتى لو كان زمن الحدث زمناً ماضياً، فلو كانت الأحوال على ما يرام بين العرب ودولة إسرائيل، هل كان من الممكن عرض المسلسلات التي تأتي على “سيرة الدم والنار”؟
في رمضان شاهدت أربعة مسلسلات هي “نور مريم” و”في حضرة الغياب” و”الغالبون” و”بوابة القدس: الطريق إلى باب الواد”. شاهدت الأول لأخرج عن “سيرة الدم والنار” ولو قليلاً. مسلسل مصري فيه مبالغات كثيرة، فيه وعظ واضح وإرشاد أوضح: اتقوا ربكم ولا تأكلوا أموال اليتامى، فتصابوا بسرطان المعدة. لا تدافعوا عن اللصوص وتجار المخدرات فتخسروا بناتكم. سيروا على الطريق المستقيم، وحافظوا على نقائكم ومبادئكم فلا تخسروا الدنيا والآخرة وأبناءكم أيضاً. ولم يكن ما سبق هو ما حثني على متابعة المسلسل، إذ لو كنت أعرف هذا مقدماً لما شاهدته. ما دفعني إلى مشاهدة المسلسل هو دور الصحافة في كشف الفساد، بل أهمية المدونة. كأن المسلسل كتب قبل ربيع العام العربي، فقد لوحقت الصحافية لأنها هاجمت نظام التوريث في مصر.
وسأشاهد “في حضرة الغياب” لأنه لا بد من مشاهدته، فأنا من متابعي محمود درويش في حياته وفي مماته. هل يعقل ألاّ أشاهد مسلسلاً عن حياته، وقد أبديت رأيي في المسلسل في غير مقال، وآتي عليه هنا، لأنه في جانب منه عرض لـ”سيرة الدم والنار”. حلقات عديدة أظهرت لنا ما جرى في العام 1948، عام النكبة، وأرتنا الدم الفلسطيني البريء، الذي ذهب هدراً وظلماً. مشاهد لم ينسها الشاعر، ولم ينس ما نجم عنها من آثار، فحضرت في أشعاره: في “لماذا تركت الحصان وحيداً؟” وفي “في حضرة الغياب”. ما زال اللاجئون لاجئين، وازدادت أوضاعهم سوءاً، فعن أي شرق أوسط جديد تحدث عمي (شمعون).
هل اختلف مسلسل “بوابة القدس: الطريق إلى باب الواد” عن “في حضرة الغياب” في هذا الجانب؟ لئن بدا منظر الدم جزئياً في الثاني، فإنه كان شبه كلي في الأول، وانتهى أيضاً، بالدم والدمار وتفجير حيفا وطرد أهلها. هل اختلف المسلسل عن مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي كتبه وليد سيف” هل اختلف المسلسل عن مسلسل “أنا القدس” الذي كتبه باسل الخطيب وتليد الخطيب؟
في العام 1997 أنجزت في “الأيام” وفي “البلاد” سلسلة مقالات عن أدب السلم، أدب (أوسلو)، ورأيت أنه أدب خيبة. يا للمفارقة! في زمن السلم كتب أدباؤنا نصوصاً عبرت عن خيبتهم مما أُلنا إليه:
“التفتنا إلى دورنا في الشريط الملون،/ لكننا لم نجد نجمة للشمال ولا خيمة/ للجنوب. ولم نتعرف على صوتنا أبداً. / لم يكن دمنا يتكلم في الميكروفونات في/ ذلك اليوم، يوم اتكأنا على لغة/ بعثرت قلبها عندما غيرت دربها”.
ربما اختلف مسلسل “الطريق إلى باب الواد” في جانب واحد هو التركيز على دور الأردن وبطولته في الدفاع عن فلسطين والحيلولة دون ضياعها، وهذا ليس بمستغرب لأمر بسيط: إن المسلسل إنتاج أردني يرمي إلى إبراز وجه مشرق للأردن. هنا لا نغفل زمن كتابة المسلسل وما هي عليه العلاقة، الآن، بين النظام الأردني والسلطة الوطنية الفلسطينية، فلو أنجز مسلسل يأتي على هذه العلاقة في العام 1970 وما تلاه، لما عرضه التلفاز الفلسطيني، لو كان هناك، يومها تلفاز فلسطيني.
ربما يجدر أن يشير المرء إلى الفارق بين هذا المسلسل ومسلسل “أنا القدس”، وقد عرضه التلفاز الفلسطيني، والآن يعرضه تلفاز حزب الله فضائية “المنار”. إن اختلاف الموقع يؤدي أحياناً إلى اختلاف الموقف، وسيلحظ مشاهد المسلسلين هذا واضحاً. إن ما بدا دفاعاً عن الأردن بشعبه ونظامه في “الطريق إلى باب الواد” يبدو دفاعاً عن بعض الأردنيين في “أنا القدس”، لأنه في المقابل، يدين رموزاً أردنية لو اتخذت مواقف أخرى أشار إليها الأردني التل لتغير سير المعارك.
“كل يدير القرص إلى جهته” يقول مثلنا الشعبي، وربما يوضح لنا هذا الخلاف في المسلسلين.
هناك شيء لافت في المسلسلات هذه جميعاً منها صورة الإنجليز، فهذه تكاد تتشابه. يقف أكثر الإنجليز إلى جانب الحركة الصهيونية، وقليلون لهم وجهة نظر مغايرة. وينبثق من هذه الصورة فكرة أخرى: دور اليهوديات في التأثير على الضباط الإنجليز، ويحيلنا هذا إلى صورة المرأة اليهودية في الأدب العربي بعامة والأدب الفلسطيني بخاصة، بخاصة صورتها في أدبيات المنفى: البغي اللعوب التي توظف جسدها لخدمة أهداف الصهيونية. شولاميت وراحيل واستير وشوشانة ينمن في حضن الضابط الإنجليزي، ليصرف النظر عن الهجرات غير الشرعية وعن تهريب السلاح. برزت هذه الصورة في رواية توفيق فياض “وادي الحوادث” (1993)، وبرزت في مسلسل “الشتات”، والطريف أن الإسرائيليين لم يدحضوها، فقبل أعوام أنجزت رسالة ماجستير في جامعة حيفا عن دور المضيفات زمن الانتداب في خدمة قيام الدولة. هكذا يركز “الطريق على باب الواد” على هذه اللازمة، وإن بدت بعض الفتيات مشمئزات مما يقمن به، لكنهن، في النهاية، ينصعن لأوامر قادتهن ويذهبن للقيام بالأدوار المرسومة لهن.
في رمضان سأشاهد مسلسل “الغالبون” الذي أخرجه أيضاً، باسل الخطيب، فخرج مسلسل “أنا القدس”. عرضت فضائية “المنار”، فضائية حزب الله، المسلسل في وقت متأخر، ما فوّت عليّ بعض الحلقات، وستجري الفضائية بعض المقابلات مع بعض الممثلين ومع المخرج، وستمدح المسلسل مديحاً كبيراً.
أعود إلى مقولة الموقع والموقف. باسل الخطيب هو ابن الشاعر الفلسطيني المعارض يوسف الخطيب، وقد بدا في أشعاره، وفي روايته الوحيدة التي صدرت في 50 قرن العشرين، معارضاً للنظام الأردني، وهذا ما انعكس بدوره في مسلسل “أنا القدس”، حيث لوحق الفلسطيني في الضفة بعد العام 1948. وباسل الخطيب يقيم في دمشق، ودمشق ترى نفسها رائدة دول الممانعة، ولها صلات حميمة بحزب الله، والأخير يرى نفسه رأس حربة المقاومة في المنطقة، وقد خاض مقاومة عنيفة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وهذا ما يأتي عليه المسلسل. إنه يعرض أمامنا صورة المقاومين الجدد الأشداء الذين خلفوا المقاومة الفلسطينية، وشكلوا تنظيماً جديداً يبدو في المسلسل صلباً يصعب اختراقه، ويبدي أفراده مقاومة شبه نادرة. ولا أدري إن كان هناك جزء ثان للمسلسل سيعرض في العام القادم يعرض لنا ما جرى في العام 2000 وفي العام 2006، وإن قال باسل الخطيب وبعض الممثلين، في لقائهم مع فضائية المنار، إن هذا ممكن.
لا يعرض كاتب السيناريو، في ضوء ما شاهدت من حلقات، إذ فاتني بعضها، صورة المرأة اليهودية اللعوب التي توظف جسدها لنيل اعترافات من المناضلين، لكنه يبرزها أحياناً امرأة تعشق المسؤول عن زوجها وتتخلى عن الأخير، كما تبرز اليهودي شخصاً يمكن أن يصرف النظر عن قضايا مهمة تمس أمن الدولة مقابل المال. كأن ما روي عن اليهودي عبر التاريخ من أنه عبد للمال ما زال يروى: المال، المال، المال.
وأعود إلى عمي (شمعون) وشرق أوسطه الجديد. ترى ماذا يقول وهو يشاهد ما شاهدت أم أنه لا يكترث لهذه المسلسلات؟ تخيل (هرتسل) فلسطين بعد قيام دولة اليهود على أرضها جنة: قطارات كهربائية، وشجر يوكالبتوس وتعايش بين اليهود وسكانها، وكانت النتيجة أن تشرد شعبها وما زال يقيم في المنافي في مخيمات رأينا صورتها في برنامج ماهر الشلبي “أرزة وزيتونة”، وتخيل عمي (شمعون) الشرق الأوسط شرقاً جديداً، فحدثت حربان 2006 و2009. المستوطنات تزداد والعنصرية تكبر، ومسلسلات رمضان تأتي على “سيرة الدم والنار”، وما زال اللاجئون لاجئين، وكل رمضان وأنا وعمي (شمعون) بخير!.

تاريخ نشر المقال 18 أيلول 2011

تعليقات القراء

أضف تعليقك على الموضوع

 

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
 

 

 

    

 

 

 

most read
 إسم المستخدم

كلمة السر

   

تصميم وتطوير شركة الخبراء لهندسة البرمجيات
الحقوق محفوظة لمؤسسة الأيام© 2009