تحطيم التماثيل في فضاءات العالم العربيّ العامة

2015-10-20

3 من 3

تنشر الأيام على ثلاث حلقات دراسة الشاعر والأكاديمي العراقي د.شاكر لعيبي الهامة حول ظاهرة تحطيم التماثيل في العالم العربي، الدراسة الكاملة ستظهر في العدد العاشر من فصلية  «أوراق فلسطينية» التي تصدر عن مؤسسة ياسر عرفات.


شاكر لعيبي


إذا استثنينا عامدين تفجير تمثال أبي تمام الذي قامت به داعش في الموصل شهر حزيران- جوان عام 2014، وهو من أعمال الفنان نداء كاظم، ويقع في منطقة باب الطوب وسط المدينة، وتفجير تمثال الموسيقي عثمان الموصليّ والمزار المعروف بقبر البنت في الساحل الأيمن من مدينة الموصل، في الشهر والعام نفسيهما، وهدم داعش لتمثال مريمانة في كنيسة من كنائس الموصل، وغير ذلك، فإننا نعتقد أن تلك التفجيرات تقع في سياق تفكيك مبرمج لآثار وشواخص بلاد الرافدين، القديمة والجديدة تحت ذرائع دينية، تقوم داعش فيها بدور المنفذ الوكيل لأطراف عالمية وإقليمية. ولعل الأيام التالية تبرهن على هذا الزعم.
الفارق جليّ هنا بين فكرة المؤامرة السهلة التي ألمحنا إليها في السابق، ومفهوم الرغبة بالتفكيك المبرمج الذي تتواتر الشواهد عليه (كالحديث الصريح عن سايكس بيكو جديدة في منطقة الشرق العربيّ)، ولعلّ تخريب الآثار الفنية يشتغل في سياق هذا الهدف المأمول.

تحطيم التماثيل «العصرية» في سورية
الوعي الذي يحرّك تحطيم التماثيل ليس محكوماً فقط بالسياسة، وليس فقط بالدين. لديه جوهرياً مشكلة من طبيعة جمالية وإيطيقية.
 لقد شهدنا ظاهرة التحطيم في سورية كذلك. فقد بتر أفراد مجموعة سورية مسلحة عام 2013 رأس تمثال الشاعر أبي العلاء المعري في مسقط رأسه، مدينة معرة النعمان في محافظة أدلب بشمال غرب سورية. وقد اتُّهِمتْ جبهة النصرة الإسلامية المتطرفة بقطع الرأس، وعُرضت صور للتمثال بعد التعدي عليه، تُظْهِر تمثالا نصفيا بنيّ اللون مقطوع الرأس وعليه آثار طلقات نارية، مرمياً على الأرض إلى جانب قاعدة حجرية مرتفعة. كُتب على القاعدة: «أبو العلاء المعري. شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». الحجة المستخدمة لتحطيمه كانت من طبيعة سلفية خالصة: أنه كان كافراً زنديقاً وأن تمثاله من الأصنام.
تمّ نصب العمل تكريماً للمعري عام 1944 في مسقط رأسه، بمناسبة مرور ألف سنة على وفاته، وهو من أعمال النحات السوري فتحي محمد قباوة. وقباوة من مواليد حي الشماعين الشعبيّ في حلب عام 1917. عام 1944 فاز بجائزة المجمع العلميّ في دمشق عن تمثاله لأبي علاء المعريّ. وفي نفس العام سافر للدراسة في مصر بتوصية من الأديب المعروف طه حسين. ودرس في فرع التصوير في مدرسة الفنون الجميلة العليا بالقاهرة.
في عام 1947 توفي الزعيم الوطني السوريّ سعد الله الجابر، فاستدعت بلدية حلب قباوة ليُنجز له تمثالاً، أتمّه في عام 1948. أوفد إلى روما محطته الخارجية الثانية بعد مصر. في عام 1950 أنجز قباوة تمثال (المفكِّرة) بإشراف رئيس قسم النحت أستاذه غويريز. وفي نهاية العام 1951 صرف جُلّ اهتمامه بتقديم مشروعه لإنجاز تمثال يافع يظهر فتوته وخصائصه الجسدية والروحية ونال شهادة الدبلوم بدرجة شرف.
ومن أعماله النحتية الأخرى في دمشق تمثال للسوريّ عدنان المالكي، بين الأعوام  1954- 1957 كما أظنّ. ومن منحوتاته الأخرى تمثال لرأس الزعيم الوطني السوري إبراهيم هنانو.
عدا تمثال المعري، ما هي مصائر التماثيل الأخرى لقباوة؟. الإجابة أننا لا نعرف تماماً، إنها مغيَّبة حتى لو لم تتحطم، بسبب هذا الوعي المرتاب من النحت للأسباب الموصوفة، الجمالية والأخلاقية والسياسية مجتمعة، المشتغلة بطريقة متزامنة.
إذا كانت مشكلة التحطيم تطال تخويف المسلمين من عبادة الأصنام، في إطار نوع من فوبيا جماعية في مناطق معروفة وأزمنة الأزمة، فلماذا استهداف غير المسلمين من المسيحيين. غالباً ما عمد مقاتلو جبهة النصرة السورية إلى مهاجمة منازل المسيحيين في ريف إدلب، وقد حملوا مرة عام 2015 تمثالا للعذراء مريم بعد سرقته من أحد المنازل وقتل سكانه، ثُم قاموا بتحطيمه.
طال تحطيم التماثيل جميع الطوائف والمناطق السورية. فقد حطم السلفيون عام 2013 تمثال الشاعر السوريّ محمد الفراتي (1890 - 1978) الذي كان منتصباً وسط مدينة دير الزور، أمام المركز الثقافي فيها، بالقرب من شارع النهر. ويرقى التمثال إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي، نحته الفنان فواز بكدش عميد كلية الفنون الجميلة سابقاً. عُثر على التمثال لاحقاً في أحد مقرات داعش، ولم يبق منه سوى أجزاء من الوجه. الفراتيّ رمز ثقافيّ لأبناء المنطقة الشرقية السورية. كان من الشعراء الوطنيين المعروفين بمواقفه ضد الاستعمار الفرنسيّ، ومن مرجعيات التحديث والتنوير التي لعلها تزوّدنا بمفتاح جديد لفهم ظاهرة وأسباب تحطيم التماثيل.

تحطيم التماثيل «العصرية» في مصر:
برهن الواقع منذ عام 2003، وفي جميع بلدان العالم العربي دون استثناء، أن القطيعة الضرورية مع وعي الماضي بشأن الفن ثلاثيّ الأبعاد، التشخيصيّ بشكل خاص، لم تتوطّن عميقاً في وعي (الجمهور)، وأنها وقعت في الممارسات التشكيلية (للنخب) الضيقة.
في القرن الخامس عشر، كما كتب المقريزي في عمله (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار)، كانت عملية تحطيم الآثار الفرعونية جارية، وكان هناك رجل: «يُعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام وشوّه وجه أبي الهول وشعثه، فهو على ذلك إلى اليوم...». والشيخ صائم الدهر هذا هو الذي حاول تخريب قناطر السباع التي بناها الظاهر بيبرس (1223-1277) وكان قد «نصب عليها سباعاً من الحجارة، فإن رنكه [شعاره] كان على شكل سبع، فقيل لها قناطر السباع من أجل ذلك». أحد موظفيه، ابن المروانيّ، حاول إزالة تماثيل السباع، «فامتعض [بيبرس] لذلك وأمر في الحال بإحضار ابن المروانيّ وألزمه بإعادة السباع على ما كانت عليه، فبادر إلى تركيبها في أماكنها، وهي باقية إلى يومنا هذا إلاّ أنّ الشيخ محمداً المعروف بصائم الدهر شوّه صورتها كما فعل بوجه أبي الهول، ظناً منه أن هذا الفعل من جملة القرابات» (الاستشهادات في الجزء الثاني، ص146-147 وص150).
ويتحدث المؤرخ الصفدي في (الوافي بالوفيات) عن ذلك الشيخ بقوله:
«وكان يتوجه إلى أبي الهول الذي عند أهرام مصر، وهو رأس الصنم الذي هناك، ويعلو رأسه ويضربه باللالكة، ويقول: يا أبا الهول، افعل كذا، افعل كذا...».
بعد خمسة قرون من وقائع صائم الدهر، ينادى القيادي بالدعوة السلفية الجهادية في مصر مرجان سالم الجوهري بتحطيم تمثال أبي الهول والأهرامات والتماثيل في مصر وذلك في لقاء له مع قناة «دريم» المصرية، نقلته الوكالات في الثاني عشر من نوفمبر عام 2012. قال الشيخ الجوهري إنه «يجب تحطيم الأصنام والتماثيل التي تمتلئ بها مصر والمسلمون مكلفين بتطبيق تعاليم الشرع الحكيم ومنها إزالة تلك الأصنام كما فعلنا بأفغانستان وحطمنا تماثيل بوذا». وأضاف «ونحن مكلفون بتحطيم الأصنام وسنحطم تماثيل أبي الهول والأهرامات لأنها أصنام ووثن تُعبد من دون الله». وأضاف أن «الله عز وجل أمر نبيه محمد الكريم بتحطيم الأصنام، وعندما كنت ضمن حركة طالبان قمنا بتحطيم تمثال بوذا رغم أن الحكومة هناك فشلت في تحطيمه».
فما الذي تغيَّر بعد هذه القرون الطوال في الوعي وفي (المصطلح) كليهما؟.
قناعة الجمهور التي كانت تتفهّم، طيلة العصر الحديث، أن إبداعاً ثلاثي الأبعاد، لا يدخل بالضرورة في نطاق الصنم القديم المعبود، عادت لتتغير وتنتكس بفعل المطمور الميتافيزيقيّ الذي لم يُمْحَ قط في هذا اليقين، كأننا كنا عند قناعة متزحزحة، قلقة طالما يتعلق الأمر بصناعة التماثيل الحديثة.
هكذا قام مجهولون عام 2013 بسرقة رأس تمثال نصفيّ للدكتور طه حسين بمحافظة المنيا المصرية، من ميدانه المُطلّ على كورنيش النيل بوسط المدينة بجوار استراحة المحافظ. وكان التمثال منصوباً على مثلث هرميّ. ووقع ترجيح قيام «صبية من الباعة الجائلين بتحطيمه في ساعة متأخرة من الليل»، بينما نفت الجماعة الإسلامية بالمنيا، وجود علاقة بين سرقة التمثال والجماعة. كلا الزعمين ليس دقيقاً. الأول شهادة على خفّة الوعي الاجتماعيّ السائد بشأن الفن، والثاني ردّ لتهمة ثابتة تاريخياً لجماعات التشدّد في مصر بشأن تحطيم التماثيل.

التماثيل بصفتها مرجعية بَصَرية لعصر التنوير العربيّ:
لم يكن تمثال التنويري طه حسين الوحيد الذي تعرّض للتخريب، فقد هاجمت مجموعة من المُلتحين المجمع الفنيّ الخاص بالفنانة المصرية ماجدة بمدينة 6 أكتوبر، شهر جونفي 2013، وحطموا تمثالها أمام المجمع بدعوى تطبيق شرع الله، وهم يرددون «الله أكبر»، فدارت اشتباكات بينهم وبين العاملين الذين تمكنوا من القبض على أحدهم وسلموه لقسم الشرطة، ولكن تم إطلاق سراحه بعد ساعات. ثم عادت هذه المجموعة مرة أخرى بأعداد أكبر، وحاول العاملون بالمجمع ردعهم مرة أخرى، ودخلوا في اشتباكات معهم، لكنهم تمكنوا من الدخول وتحطيم التمثال.
التمثال يمثّل سيدة تمسك في يدها شعلة، وفي اليد الأخرى كتاباً، إشارة إلى الحملة التنويرية التي قادتها المرأة المصرية خاصة، والعربية بشكل عام.

تمثال ماجدة.
التمثال الآخر الذي تعرض للتحرّش هو تمثال أم كلثوم في ميدان بمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية، مسقط رأس المطربة الشهيرة الراحلة. فقد وضع مجهولون في شهر فيفري من عام 2013 نقاباً أسود اللون على وجه التمثال. وتضاربت الروايات حول هوية الأشخاص الذين قاموا بالفعلة. واتّهُم الإسلاميون من جديد، فقد سبق لهم أن غطوا في العام نفسه تمثالاً آخر في مدينة الإسكندرية. واتّهَم بعضهم (الثوار) الذين كأنهم قاموا بإعلان إشارة رمزية عن تقييد الحريات العامة والفردية في عصر الأخوان.
يُذكر أن التمثال قد أهدته وزارة الثقافة المصرية لمدينة المنصورة تخليداً لذكرى المطربة، لانتمائها لقرية طمى الزهايرة التابعة لمركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية. وُضع التمثال في بقعة خضراء أمام مبنى المحافظة، وتم صنعه من مادة «الفيبرغلاس».
الأمثلة المصرية الثلاثة تشير، بلا مواربة، أن التماثيل قد استهدفتْ لأنها تَشْخَص للملأ بصفتها مرجعية بَصَرية لعصر التنوير العربيّ: طه حسين، ماجدة، أم كلثوم. المستهدف الفعليّ عبر تحطيمها أو تشويهها هو وعي فترة التنوير الذي لا يُنكر أحد ثقله في ذاكرة القرن الماضي التحررية، على المستويات الفكرية والجمالية.
لقد ظنّ الوعي السلفيّ والإسلام السياسيّ أنه ربح المعركة السياسة بشكل كاسح لا رجعة عنه، عبر اتساع رقعة مناصريه وفوز بعض أحزابه في الانتخابات، فذهب إلى نيّة ربح المعركة الثقافية، بعنفِ تحطيم التماثيل الذي هو وجه آخر من عنفه المعروف على الصعيد السياسيّ.
تحطيم التماثيل، في أحد وجوهه، يقوم على قاعدة العنف العامة، ركيزة الإسلام السلفيّ.

تونس: تحطيم تمثال الطاهر الحدّاد في حامة قابس
تبرهن الوقائع في تونس أن استهداف عصر التنوير، كما في مصر والعراق وسورية، كان الهاجس الدفين الأهمّ لمحطمي التماثيل والجداريات المنصوبة في الأماكن العامة، وفي نطاق عنف أقلّ قليلاً من عنف الإرهاب السلفيّ، لسبب يتعلق ببنية المجتمع وتكوينه التاريخيّ.
قد وقع تحطيم العديد من التماثيل والمنحوتات في تونس بعد (الثورة)، منها تهشيم النصب التذكاريّ المُكرَّس لرائد تحرير المرأة الطاهر الحداد (1899 – 1935) وكان منتصباً في ولاية قابس، الحامة. والأخيرة هي مدينة الحداد مؤلف (امرأتنا في الشريعة والمجتمع)، وأحد أعمدة التنوير العربي دون شك في ثلاثينيات القرن الماضي.
لا تفوت دلالة استهداف القيمة الرمزية العالية للحداد بصفتها موقفاً أيديولوجياً صريحاً مناهضاً للتطور الاجتماعيّ وتحرُّر المرأة ونبذ تعدد الزوجات، عبر سؤال المرأة الجوهري في وَعْيين متصارعين، متحرّر وسلفيّ.
سبقت الاعتداء على تمثال الحداد محاولات أخرى لهدم قبر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وأضرحة الصوفيين التونسيين المشهورين، رافقتها العديد من محاولات التحطيم والتشويه للجداريات والتماثيل، خاصة في الجنوب التونسيّ. نذكر منها تعرُّض نصب العامل المنجميّ في ساحة الشهداء وسط مدينة الرديف، ولاية قفصة، في السادس من حزيران- جوان 2015. كتب مخربو النصب عبارات مثل قبيل «لا اله إلا الله» «الله اكبر» «هذا حرام». يُذكر أن النصب يمثّل أحد عمال مناجم الفوسفات وهو يرفع بيده العلم التونسيّ. ويعود انجازه إلى سنة 2014.
لم يكتف المحطّمون بذلك، إنما قاموا بتعليق بعض أجزائه على مجسَّم القطار في وسط المدينة. لاحقاً قامت السلطات باعتقال 18 شابا يُعتقد أنهم وراء تحطيم التمثال. وفق ما نشرته صحيفة (الشروق) التونسية من صور، يبدو أن تمثالاً آخر غير هذا التمثال تَعرّض في قفصة إلى فعل مماثل. التمثال المنشورة صورته يمثل رأساً بحجم ضخم، تعرَّض للكسر وإلى كتابات من النوع نفسه على قاعدته.
لا يخفى أن الخيط الرابط بين تحطيم تمثالي الطاهر حداد والعامل المنجميّ يقع في أنهما يمثلان لحظة تنويرية من النضال الاجتماعيّ والنقابيّ الذي يُراد طمسه بالعنف.
ويبدو لنا أن النصب والتماثيل والجداريات والأعمال الشاخصة في الأماكن العامة التي وقع تحطيمها في الجنوب التونسيّ لأسباب من هذا القبيل، كثيرة العدد خلال الأعوام 2011- 2015، غير أن الإعلان عنها للرأي العام لم يتمّ بشكل كافٍ في خضم تلاحق الأحداث في البلاد أثناء وبعد (الثورة).
تَوجُّه الشبّان التونسيون المذكورون في خبر قفصة نحو فعل تحطيم التماثيل، لا يُفسّر فقط بقوة التيار السلفيّ اليوم في العالم الإسلاميّ، فهذا التيّار لا يمكن عقلاً ومنطقاً أن يُقنع بوقت قصير قياسيّ شبّاناً ظلوا يعيشون ويتعلمون في ظل دولة مدنية علمانية، وإنما أيضاً، في تونس وغيرها من البلدان العربية، باليأس من أنظمة سياسيّة متعاقبة منذ الاستقلال، لم تفعل سوى بتوطين الفقر والبطالة والمشكلات من كل نوع. ثم بالإحباط النفسيّ من الفكر القوماني واليسارويّ وأحلام الهجرة إلى الغرب التي لم تكن صورتها كلها واضحة المعالم في الأذهان، مثلما لم يكن واضحاً قط مفهوم الثقافة والمعرفة والعلم في النظام التعليمي والجامعي، يشمل ذلك الفن وتاريخ الفن.

تحطيم تمثال جمال عبد الناصر في ليبيا
مثلما شهدنا يأساً من الأنظمة السياسيّة المتعاقبة وإحباطاً نفسيّاً من الفكر القومانيّ واليسارويّ وأحلام الوفرة الاقتصادية والهجرة إلى الغرب، ثمة يأس مماثل من (القومية العربية) و(القوميين العرب) موصول بالمناخ العام الموصوف. ولعل تحطيم تمثال جمال عبد الناصر في بنغازي خير دليل عليه، بالترافق يقيناً وشيوع الفكر السلفيّ.
قبل وصول القاعدة وداعش إلى ليبيا، وصل إلي القاهرة يوم الاثنين 20 فبراير عام 2012 وفد ليبي برئاسة ناصر محمد علي الفاتح نائب رئيس الوزراء قادماً من طرابلس، نيابة عن المجلس الانتقاليّ الليبيّ يومها، للاعتذار عن هدم تمثال جمال عبد الناصر في مدينة بنغازي، واعداً بإعادة التمثال وترميم المكتبة الثقافية التي كانت تضمّ تراث عبد الناصر وتسمية الشارع باسمه تخليداً لذكراه. بُني التمثال في ثمانينيات القرن الماضي.
وكانت جماعة من الأخوان المسلمين الليبيين وبعض المئات من الجمهور سواها، قد قامت بتحطيم تمثال الزعيم المصريّ في مدينة بنغازي صباح السبت 11/2/2012. أزيل النصب، نكايةً وتشفيّاً، بآلة هدمٍ عملاقة وسط الهتافات بالتكبير والتهليل ابتهاجا بالحدث. ومما نقلته الأنباء أن شيخا يحمل مكبّر صوت صرخ معتلياً النصب المنهار: «هذا طاغوت آخر سقط»، بينما قال مسؤول كتيبة ليبيا الحرة وسام بن حميد للصحافة: «إنه إسقاط لرمز من رموز الدكتاتورية والتفرّد، وهو علامة على نهاية حقبة الاستبداد». ونشرت صحيفة «ليبيا اليوم» المقرّبة من الأخوان المسلمين الخبر بعبارات ابتهاج احتفالية.
لنتوقف أمام قوله أن التحطيم يشكّل (علامة) على نهاية حقبة، الدالّة أن حروب التماثيل هي صراع (علامات) بالأحرى، الأمر الذي يمنح موضوع العلامة في العالم العربيّ قوّة داخلية لا مثيل لها في هذه اللحظة.
مهما كان موقف المرء من الحقبة الناصرية والرجل وفكرة القومية العربية، فإنه لا يستطيع عزو مصائب وصعوبات العالم العربيّ إليها حصراً، ولا يستطيع، خاصة، الثأر منها عبر تحطيم (علامتها) النحتية. إننا هنا أمام فعل رمزيّ أيضاً لكن من طبيعة دنيا، حتى لا نُطْلق حكم قيمة ونقول رديئة.
الحصيلة هي أن الفعل الرمزيّ المتعلق بالأعمال ثلاثية الأبعاد قد مُورس للرفع من شأن التنوير مرةً، ومرةً أخرى من أجل الحط من شأنه. بينما ظل (الجماليّ) (و(الوعي الجماليّ) غائباً، بدرجات متفاوتة بين هذا الرفع وذاك الحط (انظرْ مثال نصب الشهيد صريح الدلالة في المسألة الجمالية المغيَّبة).

لماذا تخيف (نطحة زيدان) بعضهم؟
في حرب (العلامات) النحتية، يستغرب المرء أن تُزيل دولة قطر تمثالاً برونزياً سمي بـ «نطحة زيدان» أنجزه الفنان الفرنسيّ الجزائري الأصل عادل عبد الصمد من العاصمة الدوحة بعد أسابيع من وضعه في مكانه على الكورنيش. ويقدّم العمل تمثيلاً واقعياً لـ «نطحة رأس» قام بها لاعب الكرة زين الدين زيدان ضد اللاعب الإيطالي ماركو ماتيراتزي خلال المباراة النهائية لكأس العالم في ألمانيا عام 2006.
أزيل من موقعه المقرّر ليوضع إلى جانب أعمال أخرى للفنان عبد الصمد ضمن مقتنيات (المتحف العربيّ للفن الحديث) في الدوحة أيضاً، بعد أن كان معروضا في مركز بومبيدو في باريس، قبل أن تشتريه هيئة متاحف قطر.
الحملة التي صُوِّبت ضدّ التمثال كانت تركز ثانيةً على انه يشجّع على عبادة الأصنام. لن يُصدّق كائن عاقل هذا المبرّر أمام (نطحة زيدان) خاصة. في هذا الوعي ثمة اعتقاد بتوقف الزمن وتأبُّده في الماضي، وفي أحسن الحالات الخشية السايكوباثية بإمكانية النكوص إلى عبادة الأوثان، حرفياً وليس مجازياً.
الفكر الذي يواجه التمثّلات ثلاثية الأبعاد بخفة كهذه الخفّة، قد يدفع المرء للاستنتاج بأنه يعاني من غياب مؤلم للعقل ومن ضيق أفق، فما للاعب (زيدان وعبادة الأوثان)؟. ونعيد هنا إعادة صياغةٍ لعبارة وردت على لسان النبيّ محمد عندما رأى صوراً في الكعبة، منها صورة النبي إبراهيم فقال: (قاتلهم الله، جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام) أو: «لعنهم الله، ما لإبراهيم والأزلام» (الأزرقي، تاريخ مكة).
في علامة (نطحة زيدان) يختفي الدالّ الوثتيّ، ويحضر الدالّ الجماهيريّ الطرفويّ بالأحرى الذي رآه يقيناً المتفيقهون من على شاشاتهم أو في صحفهم. فما الفارق بين صورة المجلة التي تقدّم نطحة زيدان والتمثال الذي لا يفعل سوى تقديمها بتقنية فنية أخرى؟. يشخص الفارق حالما نُصِرّ، دون تأمّل وتفكُّر عقلانيّ، على أن كل عمل نحتي إنما هو صنم بالمعنى الدينيّ الدفين الذي تجاوزه التطوّر البشريّ (انظرْ محمد عبده أدناه), بهذا نعود للمقدّمتين الرابعة والخامسة من مقدّماتنا الآنفة.
ملحق: نص الإمام محمد عبده عن التماثيل
قال الإمام: «لهؤلاء القوم حرص غريب على حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج، ويوجد في دار الاثار عند الامم الكبرى ما لا يوجد عند الامم الصغرى، كالصقليين مثلا، يحققون تاريخ رسمها واليد التي رسمتها، ولهم تنافس في اقتناء ذلك غريب، حتى أن القطعة الواحدة من رسم « روائيل « مثلا ربما تساوي مئات من الآلاف في بعض المتاحف، ولا يهمك معرفة القيمة بالتحقيق، وإنما المهم هو التنافس في اقتناء الامم لهذه النقوش، وعد ما أتقن منها من أفضل ما ترك المتقدم للمتأخر؛ وكذلك الحال في التماثيل، وكلما قدم المتروك من ذلك كان أعلى قيمة، وكان القوم عليه أشد حرصا، هل تدري لماذا؟. إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر وضبطه في دواوينه. والمبالغة في تحريره، خصوصا شعر الجاهلية، وما عنى الأوائل رحمهم الله بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى، إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشؤون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان والحيوان في حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها عن بعض، ولكن تنظر في الرسوم المختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً، يصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية، والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما ههنا طمعا في جمع عينيه في سطر واحد، بل لأنهما مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية ـ ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع ومتى يكون الجزع ـ وما الهيئة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك. وأما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تتمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر إليها حسك.
ثم يقول: فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها، إن كنت فهمت من هذا شيئاً فذلك بغيتي، وأما إذا لم تفهم فليس عندي وقت لتفهيمك بأطول من هذا، وعليك بأحد اللغويين أو الرسامين أو الشعراء المفلقين ليوضح لك ما غمض عليك إذا كان ذلك من ذرعه.
ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية، أو أوضاعهم الجسمانية، هل هذا حرام، أو جائز أو مكروه، أو مندوب، أو واجب؟.
فأقول لك: إن الراسم قد رسم. والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، فاما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وأما أن ترفع سؤالا إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة، فإذا أوردت عليه حديث: « إن أشد الناس عذاب يوم القيامة المصورون « أو ما في معناها مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك إن الحديث جاء في أيام الوثنية وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول: اللهو، والثاني: التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور ولم يمنعه احد من العلماء. مع أن الفائدة في نقش المصاحف موضع النزاع، وأما الفائدة الصور فيها لا نزاع فيه على الوجه الذي ذكر.
وأما إذا أردت أن ترتكب بعض السيئات في محل فيه صور طمعاً في أن الملكين الكاتبين أو كاتب السيئات على الأقل لا يدخل محلا فيه صور كما ورد، فإياك أن تظن أن ذلك ينجيك من إحصاء ما تفعل، فإن الله رقيب عليك وناظر إليك، حتى في البيت الذي فيه صور، ولا أظن أن الملك يتأخر عن مرافقتك إذا تعمدت دخول البيت لأن فيه صورا. ولا يمكنك أن تجيب المفتي بأن الصورة على كل حال مظنة العبادة، فإني أظن أنه يقول لك إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه، مع أنه يجوز أن يصدق، كما يجوز أن يكذب.
وبالجملة إنه يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد تحقق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة، ولا من جهة العمل.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: