تحطيم التماثيل في فضاءات العالم العربيّ العامة 2 من 3

2015-10-13



تنشر الأيام على ثلاث حلقات دراسة الشاعر والأكاديمي العراقي د.شاكر لعيبي الهامة حول ظاهرة تحطيم التماثيل في العالم العربي، الدراسة الكاملة ستظهر في العدد العاشر من فصلية  «أوراق فلسطينية» التي تصدر عن مؤسسة ياسر عرفات.

شاكر لعيبي

موضوعياً لم تكن غالبية سكان العاصمة بغداد ذات مران على التفكير بالأهمية التاريخية والوثائقية لأعمال النحت، ولم تكن تعرف الحفاظ على تماثيل منجزة على يد فنانين عالميين، مثل تمثالي فيصل المذكور وتمثال عبد المحسن السعدون (الرصافة، الباب الشرقي، 1932) اللذين أبدعهما الفنان الإيطالي بييترو كانونينكا Pietro Canonica (1869- 1959) الذي لا بد أنه قد شهد، بحسرة، تحطيم عملين من أعماله على يد الجماهير الغاضبة. وكدليل مستمر على عدم التدقيق بظواهر الفن ومنجزات الفنانين ما زال اسم الفنان الإيطالي يُكتب في المراجع العراقية، إذا عرفته، بشكل مغلوط غالباً، تارة (أوسكار ثانونينكا) وتارة (بياتروكا فونيكا). وتعزو له أحياناً تمثال مود، وهو ما لا نجد الدلائل عليه، لا في موقع متحف كونينيكا على النت الذي يشير فحسب إلى تمثالي فيصل والسعدون كإبداعين للفنان، ولا في أيٍّ من المصادر التي بين أيدينا.
من هو كانونيكا على وجه الدقة؟.
بييترو كانونيكا Pietro Canonica: ولد في مدينة تورينو الإيطالية عام 1869 وتوفي في روما عام 1959. نحات ومدرّس وموسيقيّ. دَرَس النحت عام 1880 في أكاديمية البرتينا دي بيله أرتي Accademia Albertina di Belle Arti في تورينو بإشراف أدواردو تاباشي Odoardo Tabacchi وتأثر في البدء بتقاليد المذهب الطبيعي مع تأثيرات رومانتيكية وأخرى من عصر النهضة. ثم تحوّل إلى الواقعية وانتبه إلى تيارات القرن العشرين الطليعية. قامت شهرته على سلسلة بورتريهات نفّذها لشخصيات اجتماعية مثل إميلي دوريا- بامفيلي Emily Doria-Pamphili (مرمر، ارتفاعه 570 ملمترا، 1904، روما) ودوننا فرانكا فلوريو (مرمر، ارتفاعه 1050مم. 1903 - 1904 روما)، وأيضاً لأعضاء من العائلة الملكية البريطانية مثل أدوارد السابع (مرمر، ارتفاعه 570مم، 1903). وفي حصيلته عدة أعمال ذات موضوعات رمزية أو مقدسة مثلما عدّة آثار مأتمية أو تذكارية، كالتمثال القائم اليوم في مدينة تورينو لنصب فيكتور-أيمانويل الثاني في روما، ونموذج للقيصر الكسندر الثاني (جص، ارتفاعه 2.48م، 1912-1914) في بطرسبورغ، وتمثال كمال أتاتورك (برونز ومرمر ارتفاعه عشرة امتار، 1927 أنقرة). ولديه أعمال أخرى شهيرة منها: البينو Alpino (برونز وحجر، أربعة أمتار 1922) في مدينة كورمايور الإيطالية والنصب المأتمي لبنديكت الخامس عشر Benedict XV (مرمر وبرونز ارتفاعه 12 مترا) في القديس بطرس في روما، وآخر لبيوس الحادي عشر (مرمر 1941-1949) بقصر لاتيرانو Palazzo Laterano في روما .
بعد الحرب العالمية الثانية أنجز كانونيكا عدة أعمال دينية منها أبواب دير مونتيكاسينو Montecassino  1951 كاساماري Casamari  1959.
كان أستاذا للنحت في أكاديمية الفنون الجميلة في فينيسيا (1910) وبعدئذ في أكاديمية الفنون الجميلة في روما. ومُنح علم 1950 عضوية مجلس الشيوخ مدى الحياة لانجازاته الفنية البارزة.


أما تمثال الجنرال مود فهو في الحقيقة من أعمال البريطاني السير كوسكومب جون GOSCOMBE JOHN (1860-1952) وقد أنجزه عام 1921. وهو السير وليام كوسكومب جون Sir William Goscombe John. ولد في كارديف Cardiff، ويلش في بريطانيا. في شبابه كان يساعد والده، وهو نحّات على الخشب، في ترميم قلعة كارديف. ذهب إلى لندن عام 1882 ليدرس في مجمع ونقابات مدرسة الفن اللندنية بأشراف جول دالو Jules Dalou ووليام سيلفر فريث، وبعدئذ في المدارس الأكاديمية حيث فاز بالميداليا الذهبية وسافر في منحة دراسية عام 1887. عام 1890-91 درس في باريس. وتزوّج من سيدة سويسرية المَوْلِد، مارث وايس. انتدب كوسكومب لتنفيذ عدّة أنصاب عامة وتماثيل لشخصيات معروفة مثل جون كاري John Cory. عام 1921 أنجز النصب التذكاري في بوابة سونلايت لموظفي شركة Lever Brothers Ltd المقتولين في الحرب العالمية. ونحت بوتريه لورد وسيدة ليفير Lever. استلم ميدالية ذهبية في باريس عام 1901، كان عضوا في الأكاديمية الملكية عام 1909، وفارسا عام 1911 وصار عضوا مراسلا للمعهد الفرنسي . يسعى فنه، كما يقول النقاد، لملامسة السمو الصارم للأسلوب القوطيّ ويتميّز بالبراعة وبالنموذج الدقيق. بين أفضل أعماله يُذكر «مورفيوس Morpheus» و»القديس يوحنا المعمدان» الموجودين كليهما في كاريف غاليري، و»الجنيّ الصغير» (غلاسكاو غاليري)، و»طفل يلعب» (تيت غاليري)، و»دراسة لرأس» (ليفيربول غاليري). من بورتريهاته التي هي صور مخلصة لنماذجها: دوق دوفونشاير، الملك أدوارد السابع، الأمير كريستيان فيكتور، المؤرخ ليكي، وتمثال فروسية لشخصيات عدة. ومن بين أنصابه التذكارية هناك نصب ماركيز سالزبوري، والسير أرثور سوليفان... إلخ.
مَنْ كان في العراق يعرف، بل يأبه لمنجزات هذا النحات البريطاني؟ من يعرف اسمه اليوم؟ من قرأ اسمه على تمثال الجنرال مود بالأمس؟ لا أحد تقريباً. وهذا دليلٌ إضافيّ على مشكلة التحديث المُختلَق، السريع، غير المدقِّق، القائم بأي ثمن المُسمّى حداثة في العالم العربيّ.
لكن هذه الصورة لم تستمر طويلا، وازدهر فن النحت في العراق المعاصر منذ تأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1940. وانتصبت في العاصمة تماثيل مهمة. بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، شهد البلد، قبل جميع بلدان العالم العربيّ، موجة تحطيم للتماثيل المنصوبة في الساحات العامة، فوقع عل سبيل المثال تحطيم تمثال أبي جعفر المنصور بعبوة ناسفة في الثامن عشر من تشرين الأول - أكتوبر من العام 2005.
والتمثال لمؤسس وباني بغداد التأريخية أبي جعفر المنصور، من تصميم النحات خالد الرحال أحد أبرز رواد الحركة التشكيلية في العراق. يقع التمثال في جانب الكرخ من بغداد في منطقة المنصور. تم إنشاؤه في سبعينيات القرن الماضي. التمثال منحوتة من النحاس لوجه الخليفة العباسيّ، مُركبّة على جسم من الآجر (الطابوق) الذي يشكل بناء صغيراً فيه باب خشبي مزين بالزخارف. يقع التمثال على ساحة صغيرة مدورة مزيّنة بالأشجار والأعشاب، في مدخل حي المنصور ببغداد. لم يصمد إلا الرأس النحاسيّ. بعد عامين تقريباً من التفجير بدأت أعمال ترميم التمثال من قبل أمانة بغداد وفقا للتصاميم الاصلية وتم افتتاحه من جديد في يونيو- حزيران عام 2008.

 


لا يفسّر ارتباط وقت إقامة تمثال المنصور في سنوات السبعينيات، أي وقت قيام النظام العراقيّ السابق، بعملية تحطيمه. ثمة أمر يجاور هذا الأمر ويتجاوزه في آن. يتساءل مثقف عراقي أسئلة من الواجب التذكير بها: لو كان التعرّض حصل لنصب شخص كان يشغل مواقع أساسية في السلطة قبل الاحتلال الأميركي، لكان المرء وجد تفسيراً لذلك. لو كان التعرّض حصل لنصب مَنْ كان يشغل موقعاً أساسياً في الحزب الذي قاد الدولة والمجتمع على مدى سبعة وثلاثين عاماً، لوُجِدَ أيضاً تفسير لذلك، ففي كلتا الحالتين، كان مفهوماً منذ اللحظة الأولى التي وقع فيها العراق تحت الاحتلال، بأن النظام السياسي برموزه ومؤسساته ومنظومته الفكرية يقف على رأس لائحة الاستهداف من قوى الاحتلال وتلك المرتبطة بها. وأنه ضمن هذا السياق جاءت عملية تدمير ونسف تماثيل صدام حسين والبكر وغيرهما ومن ثم نسف تمثال مؤسس البعث ميشال عفلق وجرف قبره. أما أن يتعرض تمثال أبو جعفر المنصور للنسف، فهذا يطرح أكثر من تساؤل.
وقد نختلف مع إجابات ذلك المثقف، لأنه يرى في الأمر (مؤامرة) خارجية فقط لتخريب التاريخ العربيّ القريب والبعيد وتشويهه. نتكلم عن فترة لم تكن داعش موجودة فيها. لنتفق جدلاً أن هناك شيئا من هذا القبيل، لكن لنقرر التالي جوار تلك النتيجة الافتراضية: ثبُتَ بما لا يقبل الشكّ أن محطمي التماثيل في العراق وغيره من البلدان العربية في ذلك الوقت (قبل داعش)، هم من المواطنين الأقحاح، ولهذه المقدمة النتيجة الجديدة التالية: يتوجب منح الوعي الذي دفعهم نحو التحطيم مكاناً أساسياً في تفسير الظاهرة، ولهذا الوعي شقّه الجماليّ المغيَّب وشقّه الأيديولوجي المتضخم إلى درجه أنه يصيب بالعمى السياسيّ والجماليّ كليهما وفي وقت مُتزامِن، ويُفْقِد المرءَ الحكمةَ.
السؤال هو: بِمَ تتفارق يا ترى الدوافع الداخلية العميقة في تحطيم تمثاليْ الجنرال مود والملك فيصل الأول عام 1958، وفي تحطيم تماثيل صدام حسين في بغداد 2003؟.
ظاهرياً وجوهرياً، للسبب السياسيّ، فلنقل لغضبٍ سياسيّ عارم، لما تنطوي عليه تلك التماثيل من شحنات رمزية متوترة بالنسبة لشرائح كبيرة في المجتمع. لا أحد ينكر ذلك. لكن لن يعترف إلا القلة من أن تصوراً (جمالياً) وحكمة (تاريخية) تنقص هذا الغضب. لقد فُهم التمثال على أنه (إشارة رمزية) في المقام الأول، غمزة مستمرة في الفضاء العموميّ، وليس عملاً فنياً قد يتضمّن دلالة سياسية، أو لا يفعل. في الشروط الثقافية العربية لا تُمْنَح إلا لهذه الدلالة أكبر المقامات إذا لم نقل أوْحَدها.
عندما وقع تحطيم تمثال الرئيس السابق صدام حسين على مرأى عدسات التلفزيون العالمية، فُهِمَ الأمرُ ضمن هذه الدَّالّة الرمزية، قبولاً أو رفضاً، حسرةً أو فرحاً. هذا هو شأن تحطيم تماثيل رؤساء عرب آخرين مثل الرئيس الليبيّ معمر القذافي والرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد. لا شأن لنا نحن هنا بالموقف السياسيّ، مع أو ضدّ من نستشهد بهم جميعاً، قدر ما نسعى إلى فهم محرّكات الظاهرة وغير المُقال صُراحاً بشأنها، الراسخ لصالح التفسير السهل، المباشر الظاهريّ. إن المطمور أشدّ أهمية من المُصرَّح به.
الخلاصة الجديرة بالاعتبار، في هذا السياق، هي أن دخول (النحت الحديث) في العالم العربيّ كان يشكّل دليلاً على مفهوم غائم للحداثة، مقطوع الجذور عن معنى النحت الأساسيّ المنهمك أصلاً في معالجة السطوح والفراغات والتجاويف. غائم ولصالح معنى رمزيّ وسياسيّ وحيد للممارسة النحتية.
ما زالت المجريات تبرهن أن تصوراً جمالياً صافياً لمعنى النحت غائب على قطاعات واسعة. نكتب المادة الحالية في منتصف عام 2015، وقد روّجت وسائل الإعلام المحلية في العراق (والبلد مأخوذ مثالاً تؤيد البلدان الأخرى الدروس المستخلصة منه) أن هناك قراراً بإزالة (نصب الشهيد) الذي صمّمه المهندس المعماري سامان أسعد كمال بينما صمم القبة الفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك، من أجل إقامة آخر مكانه. نصب الشهيد عمل فنيّ في المقام الأول، ولا يرشح بالضرورة من مظهره الخارجيّ وشكله وتركيبه ولونه أيّ بشارة سياسية أو أيديولوجية، رغم أنه أنْجِز لأغراض ونوايا يعرفها الجميع. لم يخطر في بال مقترحي إزالة النصب بأننا لا نستطيع تحطيم كل عمل تشكيليّ منجز زمن الرئيس السابق وإنْ استخدمه في الماكنة الإعلامية الرسمية. ليس كلّ عمل تشكيليّ مُنْجز زمن الطغاة سيئ حتماً من الناحية الجمالية.
لم يستطع هذا الوعي إدراك المقاربة الجوهرية القائلة إن الإرث الفنيّ والجماليّ لأيّ بلد ليس مِلْكاً لأحد، بل لتاريخه، بقضّه وقضيضه. بإزالة (نصب الشهيد) مثلاً نقوم بكتابة متعسّفة، أحادية للتاريخ القريب. لو كان مجتمعنا العربيّ أقلّ غضباً لاحتفظ في المتاحف ببعض تماثيل طغاته، عبرة لمن يعتبر، ودرساً للأجيال اللاحقة: كل طغيان مهما عظم ورَفَع التماثيل لنفسه مصيره الزوال، وهاكم أيتها الأجيال الجديدة الدرس البليغ في متاحفنا. لم نبلغ بعد، للأسف، في العالم العربيّ مستوى حكيماً مثل هذا.
من الواضح تماماً من جديد، أن اهتماماً جمالياً معاصراً لا يبدو من أولويات الفكر الذي اقترح إزالة ذلك النصب الرفيع جمالياً. لم يُدرك هذا الفكر بعد أن المواطنين لا ينظرون جميعاً بالعين نفسها للمسألة الفنية والجمالية. وإذنْ فالعقل الذي طرح المقترَح لا يعبِّر عن رؤية الجميع، ولم يحترم الشطر الآخر والفكر الآخر والطوائف الأخرى من المسائل جميعاً، بما في ذلك ما يبقى وما يُزال من نصب وآثار.

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: