الخلاء

2015-02-17

 أحلام بشارات
كلما نظرت إلى تلك النبتة المستسلمة في مكانها، بانتظار ريح خفيفة تصعد الى الطابق الخامس كي تحركها، انتبهت الى أن عينها الوحيدة تغمض قليلا قليلا.
حاولت تحريك يدي ببطء، وضممت أصابعي وفردتها، ثم تدرّجت بها فوق ساقيّ، من حدود ما تستطيع يداي الوصول إليه إلى أبعد مكان قد تصلانه، ثم، بعد أن توقفت قليلا، على قمة ذلك الارتفاع لركبتي، في حركة سريعة مخالفة لما كنت قد قررته، انزاحتا وحطتا على رأسي. بيد واحدة كنت أتلمس رأسي.
كان يبدو كل شيء في مكانه في هذه البداية. هبّت ريح خفيفة أخرى، فرأيت الزهرة الليلكية وهي ترتجف، كانت عينها قد صارت مغمضة تماما، وتبدو مثل جنين يحتضن نفسه، في بعد كامل عما يحدث بعيدا عنه، في الخارج، من ضجيج.
صوت صغار يركضون خلف بعضهم البعض ينتهي إلى أذني، ما أعطاني شعورا بالطمأنينة بأن بالإمكان مواصلة الحياة على نحو مغاير في مكان آخر، فازدادت رغبتي بأن أتحدى أكثر مما أنا عليه، ولأبدو على نحو مغاير مما أظن عن نفسي: امرأة ساكنة في مكان ما، وقرب أذنيها جهاز تسجيل يحصي أحلامها، ثم، في وقت فراغه، تسمع من خلاله ما كادت تنساه عن نفسها.
لقد فطنت للتوّ أن شعلة الغاز منارة منذ وقت طويل، وحدها فقط، تريد أن تغلي شيئا، أو تحرقه، أو تطبخه، أو تشعله، لكن عبثا، إنها ربما منذ ثلاثة أيام أو أربعة على ذلك النحو ولم تفعل شيئا غير أن تستمر فيما تركتها عليه، حتى أنها لم تثر الدفء في كل ما حاولت إيقاظه، أو أن تحرق ما حاولت وضع حد له، منذ نجوت من آخر كابوس.
يمكن الآن تلمّس ما بقي من طمأنينتي، إن عيني بليدتان في هاتين الحفرتين، وهما تنثران ذلك التحقق عندما تنفتحان على مستوى ما أستطيع رؤيته فتحدقان فيه، وعندما تتعرفان على أنهما جزء من كل هذا الذي أنا عليه، فتبدآن بإشعال رغبة إضافية في إدراك أني ربما مازلت بخير حتى هذا اليوم.
إصبع واحد كاف ليتعرّق، تحت أنفاسي، على باب فتحتي أنفي، محقونة تلك الأنفاس بذاكرة غائرة لرائحة عطر غريب، كلما نفثت ثاني أوكسيد الكربون إلى الخارج تكاثفت الذاكرة على إصبعي.
لم أحاول إزاحة إصبعي لرؤية نفسي أمشي في ذلك اليوم البعيد بجانب النهر، بوحدة معزولة، ودرّاجات كثيرة، لأكثر من شخص، تمر مسرعة من الشارع العام، وهم يفتحون أذرعهم، كأنهم يحاولون الطيران، مثل عصافير، مسحوقة من الداخل، تحلم.
لم أبك يومها، كنت امرأة شجاعة قررت أن تخرج من باب شقتها، وتمر عبر الدرج، متحدية تلك الراحة، وثمة من ينقلها من الأعلى ويحط بها نحو الأرض، فقفزت درجة درجة.
لقد تحديت كثيرا ذلك اليوم، وكان آخر تلك التحديات أني اشتريت عطرا هو مزيج من عصارة العنب الأسود، والياسمين الحاد، والزنابق الرقيقة، وطحالب السنديان، ينتمي ظهوره إلى ذلك العام الذي ولدت فيه. حاولت إحدى العاملات هناك أن تملي عليّ معرفتها، لكني ثنيتها، هززت رأسي بالنفي، وكنت أمسك بتلك العلبة السميكة من العطر.
لم أكن أسمع ما تقول، كانت شفتاها تتحركان، ورغم أن سماع ما تقولانه لم يكن مستحيلا، إلا أني لم أرغب بالخروح  إلى ذلك الحد، والاستماع لنصائح خبيرة عما يمكنني أن أشمه.
لقد قررت في ذلك اليوم على نحو غير واضح تماما، لكن على نحو عملي، أن بإمكاني أن أفعل أشياء عادية تشي بحرية الانسان الخالي من أوهامه.
منذ أن تلقيت آخر مكالمة، لا أعرف منذ متى تماما، وقد أصبحت على هذا النحو، لست هنا في محاولة لإثبات شيء، إنني فقط أحاول التخمين.
اتصلت بي صديقتي التي اختارت لنفسها صفة لم تقلها على نحو محدد، لكنها أشارت إليها أكثر من مرة عندما كانت تهز رأسها، وعبر الهاتف، عندما كانت تصمت، لكنها في النهاية لم تستطيع بصفتها تلك أن تمنع نفسها من أن تفقد الأمل بي، تلك الصديقة التي أطلقت على نفسها لقب: المتفهمة.
لم أعُدّ تلك العصافير التي تحاول أن تطير.
غيّرت الإشارة لونها، ثم اندفعت العصافير خلف بعضها البعض، وإلى جانب بعضها البعض، كنت أراقبها، وهذه المرة وأنا أنظر إلى الخلف من رصيف الشارع المقابل، وظلت تبتعد حتى غابت.
لم أستطع أن أتخفف من عاداتي اليومية، ولا من أحلامي المتكررة، ولا من كوابيسي، قالت المتفهمة إن عليّ أن أجذف بعكس ما يبدو لي حقيقيا، مثلا إذا كان القرار واضحا بضرورة انتعال الحذاء ذي اللون البني، مباشرة، ودون أدنى تفكير، انتعلي الحذاء بكعب، ذي اللون الأسود، حتى لو كان الجو ينبيء بالمطر، وترينه من خلف النافذة بكثير من الضباب، فيظل ظاهر قدمك مكشوفا للبرد.
«علينا أن نخيب توقعاتنا عن أنفسنا، أن نخدعها» قالت المتفهمة، وأردفت: ليس مهما لو وقعت عين الناظر إليك على حجم المفارقة بين الشتاء في جزئك العلوي والصيف في جزئك السفليّ.
المفارقة وحدها تجعل منكِ أنتِ. لقد تركت شعلة الغاز ملتهبة، لا أدري، ربما منذ ثلاثة أيام أو أربعة، لقد كان القرار واضحا بأن أطفئها، كل شيء كان ينادي بذلك، تحديدا المنطق، لكن المتفهمة قالت ما يلي وبحزم، وكدت أراها تهز رأسها: لا يوجد منطق. الحياة غير منطقية.
ما يحدث غير منطقي في أي مكان في العالم مع كل هذه الحروب وكل هؤلاء الغرقى. لا تصدقي شيئا، بل أوهمي نفسك به واتركيه يحدث.
وتركتُ الشعلة. كان ذلك أول اختبار ممكن أن أقوم به على نحو واضح، وكان رقما اضافيا للتحدي، ومازلت أسمع الهاتف يرن أكثر من مرة. بإمكاني أن أذهب إلى هناك، إلى الطاولة ذات الأقدام المنضبطة فوق الأرض، والتي تقف باحتشام مثل امرأة ريفية بثوب تقليدي، تفعل ذلك منذ أن اشتريتها من محل الخردة ذات يوم في الصيف الماضي، ووضعت فوقها ذلك الإناء المزركش الذي حملته معي من إحدى أكشاك المطار غالية الثمن، في آخر مرة سافرت فها خارج البلاد، لكنني قررت أن لا أرد، إن المنطق يستدعي ذلك، لكن المنطق غير ضروري، هكذا بدأت أؤمن بذلك.
كنت أرى تلك الوردة المعزولة عن الحياة، في سطل مطلي باللون الأزرق، وخطوط من الصدأ تزين محيطه العلوي مثل أمواج بحر، تحركها ريح خفيفة مازالت قادرة على الصعود إلى الطابق الخامس، والمرور عبر فتحات الشبك الذي يحرس النافذة من الخارج، فيتحرك موج من الصدأ. وهل كان علي أن أقول إني كنت أرى أسماكا تحاول أن تطير!
نعم، على حواف السطل كانت هناك مرساة لسفينة ظلت عائمة وتبتعد حتى بدت العتمة أكثر وضوحا. ظل الهاتف يرن على مسمع من شغلة الغاز، الأمر يحدث منذ ثلاثة أيام، ربما أربعة، ربما أسبوع، ربما منذ ثلاثين يوما، وكان يتحول أحيانا الى طرق على الباب، ونداء متكرر لأصوات تظهر كأني قد سمعتها من قبل، لكن أين؟ لم أعد أميّز ذلك. كان آخر كابوس رأيته لمجموعة من التماسيح، تسبح على ظهرها في بركة سباحة مغلقة، بدا سقف صالة السباحة واطئا، وكان ينخفض كل مرة، كلما حاولت أن أمسك به كي أدفعه إلى أعلى.
لي ذيل عروس بحر، معلق في طرفه قرط صغير على شكل سكين مطبخ عريض، لم يبد أن غيري هناك، يسبح على ظهره، لا يشبه التماسيح المقلوبة على ظهروها، وبطونها العارية تنبيء، بنوع من الرغبة الحزينة باستقبال الشمس والهواء الساخن، باحتياجها المتوحّش، لكن السقف ظل ينخفض، وبدأت التماسيح تصرخ، وأنا وحدي كنت أمد يدي وأدفع بالسقف نحو الأعلى كي أنقذ ما بدا لي على أنه عالم كبير من الكائنات. بتلك الوحدة العارية كنت أدافع عن مجموعة من التماسيح الحزينة. ومرة أخرى في حلم آخر رأيت نفسي أسير في خلاء ممتد وواسع جدا، لم يكن ثمة نهاية لكل ذلك الامتداد باللون الأصفر، ومن الخارج كان يمكن رؤيتي في لوحة محروقة، في صورة امرأة تتنزه في حقول تملأ ذلك الخلاء المزروع بورود مبهمة، كلما قطفت واحدة نبتت في مكانها وردة أخرى، لها عدد البتلات ذاتها، لم يكن لها رائحة، لكنني كنت كلما خرجت من اللوحة، لأقف متكئة على إطارها الخارجي، شممت رائحة تنبعث من الداخل، مدفوعة بهواء ساخن يقذفها، تشبه رائحتها هذه الرائحة التي تتراكم فوق إصبعي الممدود أمام فتحتي أنفي، على هذا النحو الذي يشبه عمود يابس وبارد وخال من الكهرباء، فمددت أصابعي مجتمعة نحو شفتي الناشفتين لأتاكد من شيء آخر في صورة مخلصة لبعض عاداتي اليومية التي أعيشها في مكان ظللت، مذ كنت طفلة، أحاول التعبير عنه بجمل مختلفة، كأن أكتب ذات مرة، في تعبير موجز لم يعجب معلمتي، عندما قلت: إن الحياة لتبدو مثل المكان الخطأ الذي تهنا نحوه، ونحن نسير نحو مكان آخر لا يقل خطأ.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: