ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (8)

2015-02-17

في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة الثامنة.
غ.ز

الشوق إلى مدينة الخليل، جعلني أتحدث كثيرا عنها مع صديقي أكرم الحمري ونحن في الطريق اليها، وربما يرجع ذلك إلى كثرة ما قرأت عنها، وفي جوانب مختلفة من ذاكرتها، وقد يكون السبب أنني حين كنت أسير في جولاتي نحو جنوب الأردن، خاصة إلى الكرك والطفيلة، كان جزء من الأحاديث ينساب غربا، وكانت الحصّة الحميمية، بحكم القرب الجغرافي والتاريخي والاجتماعي، يصب في حاضنة الخليل، وهذا أدى الى معرفتي بتفاصيل كثيرة جامعة بين الخليل وتلك المدن والقرى جنوب الأردن.

«يا عنب الخليل»
ها أنا أسير الى الخليل..
هناك، حيث كان أعظم الجبابرة الكنعانيين، واسمه عناق، وهؤلاء الجبابرة، هم من بنوا النواة الأولى للخليل، وسموها في البدء قرية أربع، نسبة إلى بانيها أربع والد عناق.
أول ما لفت نظري، ونحن ندخل الخليل، وفي الطريق اليها، هي كروم العنب، فرددت بصوت مسموع، وبتلقائية، «يا عنب الخليل»، وحين التفت إليّ رفيق دربي، قلت لقد كتب الصديق الشاعر الدكتور عز الدين المناصرة، ديوان شعره «يا عنب الخليل»، من هذه الفضاءات، وهذا العنوان لم يأت عبثا، فهذه مدينة العنب، وكأن ما يزرع منه فيها لا يضاهيه أي عنب آخر، ولذا فقد افتتن الشاعر بهذا الإرث، كمعنى خاص، للدلالة على المدينة/الوطن، الخليل، وهو المتمسك بالكنعانية جذرا حقيقيا في ارتباطه بالوطن فلسطين، وبمدينته الخليل، وهنا أردد المقطع الأول من قصيدته «يا عنب الخليل»، فيها يقول:
«سمِعتك عبر ليل النزف، أغنية خليليةْ
يرددها الصغار وأنت مرخاة الضفائرِ
أنت دامية الجبينْ
وَمَرْمَرَنا الزمان المرّ يا حبي
يعزّ عليّ أن ألقاكِ.. مسبيهْ
سمعتكِ عبر ليل الصيف أغنية خليليهْ
خليلي أنت، يا عنب الخليل الحرّ.. لا تثمرْ
وإن أثمرت كن سماً على الأعداء.. لا تثمرْ».
ومع نفحات المناصرة الشعرية، تنفتح أمام مخيالي معالم مدينة الخليل، وكأنني مقبل بكل روحي للتقديس، والتبرك من إرث ابراهيم الخليل، والأنبياء الذين قدسوها، ودفنوا فيها، وأستحضر في مقامي هذا، أيضا، ما قاله صاحب «نفح الطيب»، الشيخ المقري، من شعر عندما زار الخليل عام 1627م، حيث أنشد:
«خليل الله قد جئناك نرجو         شفاعتك التي ليست تُردّ
أنِلنا دعوة واشفع تُشَفّعْ             الى من لا يخيب لديه قصد
وقل يا رب أضياف ووفدٌ            لهم بمحمد صلةٌ وعهد
أتوا يستغفرونك من ذنوب       عظام لا تعد ولا تحدّ
فيا مولاهم عطفا عليهم           فهم أتوك وأنت فرد»
باب الزاوية
ندخل مدينة الخليل.. نبحث عن مكان لاصطفاف السيارة، فلا نجد الا زاوية بعيدة عن مركز المدينة، فنتركها هناك، ونسير نحو الخليل، البلدة القديمة، حيث حركة تسوق، ومشاة كثيرون.. نقترب من الطرق الضيقة، ونسير من باب الزاوية، نمشي والأسواق، فنتبع الدرب الذي سيوصلنا إلى الحرم الإبراهيمي، وصديقي أكرم يؤشر لي على المعاناة التي يقع تحت مطارقها الأهل هناك، فهي مدينة متداخلة، وهناك يهود يستوطنون داخل المدينة، ينبهني إلى مواقع كثيرة يكون فيها هذا التداخل، وبعض الطرق هناك ما يشبه الشبك عليها.. أمشي وأنا مندهش، ومبهور بما أرى، الطرقات ضيقة، والزقاق متشعبة، حيث الأرض مرصوفة بالحجارة، وأبواب الدكاكين حديدية، وعليها ما يشبه المظلات الحديدية، لكن كثير منها مغطى بالبلاستيك، لوقايتهم من أذى الاسرائيليين الذين يسكنون في أماكن متفرقة، ويشكلون مأساة لمدينة الخليل وأهلها، لكن رغم كل هذا فالناس هنا مستمرون في حياتهم، وصامدون هناك، والأطفال يلعبون، ويمشون بتحد وعناد لهذا الوضع والزمن.

المرابطون هناك!
يسجل التاريخ أن في هذه الدروب مشى الأنبياء، وتراكم التاريخ عليها، ولذا فقد بقينا نسير أنا وصاحبي، وكأننا مستلبون لأجنحة الملائكة ولمهابة القديسين، إلى أن وصلنا نهاية الدرب المؤدي إلى الحرم الإبراهيمي.. ولقد شعرت بقشعريرة وانكسار، حين وصلت الحاجز الأول المؤدي الى الساحة الخارجية للحرم الابراهيمي، كان الحاجز، وكان الجندي الإسرائيلي.
 مررنا من هناك، ثم وقفت أتأمل الحرم من الخارج، ورأيت بيوتا بجانب المدخل وهي محاطة بأسلاك شائكة، وحين وصلت البوابة، تفاجأت بحاجز آخر، وتفتيش مقيت، يا الله، حتى الانبياء حاصروهم وسجنوهم، ولكنهم رغم ذلك ما زالوا بمهابتهم في الداخل، ومعهم الخليل، وهو ليس أي نبي!
 منذ البدء، قلت لروحي سأستمر، سأتجاوز كل الحواجز لأصل، لأعرف واقع الحال، وها قد تخطيت الجنود، ووقفت قليلا عند أول الدرج الموصل الى داخل الحرم، حيث غمرتني هالة التاريخ والقداسة، فأكملت مسيري.. وما ان دخلت ومعي أكرم، حتى جاء أحد الشباب، وهو من المرابطين من أهل الخليل، القائمين على خدمة الحرم، ومشى معنا، وكنت في البداية خجول منه، ومن انشغاله بنا، وهمست لصاحبي، فقال انهم يتطوعون هنا، ليحدثوا أي زائر يأتي عن الأحداث التي مرت على الحرم الابراهيمي، وعن التعديات التي مورست ضده.. وقال إنهم فرحون بعملهم هذا، بلا أجر، وكل همهم أن يوصلوا الرسالة، ويكشفوا غيّ المعتدين وظلمهم وانتهاكهم لقدسية المكان، وتاريخه، والانسان الذي يعيش فيه، هذه المدينة التي يعيدني تاريخها إلى قائمة أقدم مدن العالم، فهي تعود الى أكثر من 5500 عام، وهذا المكان الذي تشرف بنزول النبي إبراهيم عليه السلام فيه منذ حوالي 3800 سنة، حيث سميت بعد تلك المرحلة نسبة إليه (خليل الرحمن).

مذبحة الحرم
ورأينا بقايا طلقات على الجدران..
وعاد بنا الشاب الخليلي الذي رافقنا إلى فجر يوم الجمعة في 15 رمضان عام 1414هـ الموافق 25/2/1994م حين نفذ الطبيب اليهودي باروخ جولدشتاين مذبحة الحرم الإبراهيمي، في المصلين أثناء أدائهم صلاة الفجر، بتواطوء من المستوطنين والجيش الإسرائيلي، حيث قتل 29 مصليا، وجرح 150 آخرين، قبل أن يتمكن المصلون الآخرون من أن ينقضوا عليه ويقتلوه. وقد تم اغلاق البلدة القديمة في الخليل بعد ذلك لأكثر من ستة أشهر، تم تقسيم الحرم الى قسمين، يسيطر اليهود فيه على القسم الأكبر، فيما يخصص جزء منه للمسلمين.
هذا التقسيم المكاني والزماني، استرسل في الحديث عنه الشاب المرابط الذي رافقنا الى أرجاء مختلفة من الحرم الإبراهيمي، وقال لنا: يستخدم المستوطنون المسجد بكامله خلال الأعياد الصهيونية، ولا يسمح فيها برفع الأذان في الحرم أو دخول المصلين المسلمين.

الغار الشريف: مغارة المكفيلة
تساءلت: هل تكفي جولة سريعة في جنبات الحرم الإبراهيمي، لاستيعاب كل زخم التاريخ والقداسة، الساكنة في هذا المكان؟ وقد كان الشاب الخليلي يعي هذا التساؤل، وهو يشرح لنا تداعيات كل زاوية في الحرم، إذ أنه حين كان وقوفنا أمام الغار الشريف، استحضرنا معا، قدوم النبي ابراهيم الى هذا المكان، حيث اشترى مغارة المكفيلة(معناها بالسامية القديمة المغراة المزدوجة) والحقل حولها من عفرون بن صوحر الحثّي بأربعمائة مثقال فضة، وقد دفن هناك ابراهيم الذي مات وعمره مائة وخمسة وسبعين عاما، ودفنت معه زوجته سارة، وابنهما اسحاق، وحفيدهما يعقوب، وحين جاء الأمويون بنوا المسجد الإبراهيمي على تلك المغارة.
 اقتربت من فوهة الغار، تلك الفوهة الضيقة التي يتم الإضاءة من خلالها للمغارة أسفل الحرم، ثم مشينا مسافة عدة خطوات، حيث رفع لنا الشاب سجادة، ووجدنا تحتها إغلاق بالاسمنت لباب أرضي كان يفضي الى الغار في الأسفل، لكن تم إغلاقه حتى لا يتسنى للمستوطنين والمتدينين اليهود العبث بقداسة قبور الأنبياء في الغار.
داخل الحرم الإبراهيمي توجد مقامات كل من النبي إبرهيم الخليل، وزوجته سارة، وولديهما إسحاق، وولده يعقوب، وزوجتيهما رفقة وليئة، لكنها مفصولة عن بعضها في داخل الحرم، إذ أنه بعد مذبحة الحرم، تمت القسمة ليكون النبي ابراهيم وزوجته سارة وإسحاق وزوجته رفقة من حصة المسلمين بينما النبي يعقوب وزوجته ليئة في جانب اليهود.
 كما أنه في المسجد رأيت منبر صلاح الدين الأيوبي، وهو من الخشب، ومعماره وهندسته بديعة، وقد جاء به من عسقلان، وكان هذا عام 1191م، وقبل أن أخرج وقفت عند الجدران التي قطعت أوصال المسجد، والتي تحجز بين الجانب الاسلامي والآخر اليهودي.. كل هذه التفاصيل تحتاج الى أكثر من وقفة، وأكثر من كتابة، لكنني أكملت الجولة، داخل الحرم الإبراهيمي، وخرجت من المسجد، وقلقي يزداد، خوفا على ما تبقى منه.. ترى ما هي الخطوة القادمة؟

شارع الشهداء
أصل الى الساحة الخارجية التي تقع أمام الحرم الإبراهيمي، وهناك دكان لأحد أبناء الخليل، وخلفنا يقع شارع الشهداء، قلت سألتقط له صورة، لكن بعضهم حذروني، من الجنود الاسرائيليين، غير أن صاحب الدكان الخليلي أصر إلا أن يصورني، وكأنه يتحدى البنادق والجنود، كما هو العهد الأبدي مع أبناء الخليل!!
وعدت الى الشارع الذي جئت منه، ولفت نظري طفل خليلي يتحدث مع الجندي الإسرائيلي، وعندما تجاوزناه، رفع يده تحية، وقال: سلام عليكم. ثم عاد للتحدث مع الجندي.
بعد الحاجز بقليل، وقفت عند احد المحلات التي تبيع الفضيات، والأثريات، واستقبلنا صاحب المحل بترحيب، وتحدثنا، وكان طيبا، كريما، معنا، خاصة حين عرف أنني من الأردن، وبعد دقائق مر الطفل الذي كان يتحدث مع الجندي، فاستوقفناه، وعرّف بنفسه، لكنني لن أذكر اسمه وعائلته، لأن الاحتلال لا يراعي حرمة الاطفال، وأخاف عليه. قال عنه صاحب المحل أنه من أشجع الأطفال، ويتعامل مع الجنود بجرأة، وهم يألفونه. وعندما سألته عن هذا الوضع، وكيف يتعامل مع هؤلاء الجنود، قال «أنا بحكي معهم، ولما تصير مواجهات بمسك الحجارة واراجد (أرمي) عليهم». يتحدث بثقة وتلقائية تثير الاعجاب.
بقي الطفل يمشي معنا مسافة حتى بيته في منتصف الطريق، وودعنا، وأستودعناه مدينة الخليل، قبل أن نغادرها، وفي عينيه ثقة يومض من خلالها بريق جيل شامخ، جريء، قادر على الصمود بوجه هؤلاء الأعداء.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: