رواية «حياة معلقة» لعاطف أبو سيف .. حيوات الغزيّين ما بين جنازتين !

2015-02-17

بديعة زيدان
«يعز عليّ أن يتحول أبي إلى مجرد صورة على جدار.. لم يكن ذلك إطلاقا.ً. كان يحزن حين يرى الشباب صوراً على الجدار.. أنا أعرف».
سليم لا يريد أن يكون مصير والده نعيم الذي باغتته رصاصة المحتل ملصقاً (بوستر) على جدار، فكم بكى والده وتألم وهو يقلب صور الشهداء ويطبعها، لتصبح «بوسترات» يمر عنها الناس في الشارع كما يمرون عن يافطات المحلات والاعلانات.
المكان مخيم في قطاع غزة، والزمان آخر ربع قرن، وما تخللها من تحولات، حيث الانتفاضة الاولى ثم فترة دخول السلطة الى غزة حتى انتخابات عام 2006، وما تلاها من تغيير في السلطة وما ترتب عليه هذا التغير اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فيما لم يغفل الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، في روايته «حياة معلقة»، والصادرة عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، التطرق الى جميع نواحي الحياة تقريباً في غزة، وتحولاتها على مدار أكثر من عقدين.
ويعرج أبو سيف الذي وصل بروايته إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وأعلنت قبل أيام، على مآسي النكبة دون ندب أو عويل، وبعيداً عن الشعاراتية والخطابية ... ففي عام 1948 ولد بطل الرواية (نعيم)، والذي أجبرت أسرته ككثير من الفلسطينيين على الهجرة خشية القتل على يد العصابات الصهيونية، لتتشتت العائلة ما بين مخيمات الاردن والضفة ولبنان، فيما استقر ووالدته في أحد مخيمات غزة.
كبر نعيم وترعرع في المخيم، وبعد زواجه انجب ولدين وابنتين قبل وفاة زوجته بسنوات قليلة، الا ان العائلة تفرقت بسبب ظروف الحياة الصعبة في غزة، فالابن البكر (سالم) سجن في زنازين الاحتلال وهو في العشرين من العمر، والبنت الكبرى (سهى) تزوجت وسافرت برفقة زوجها الى السعودية، أما الابن الاصغر (سليم)، والذي درس في جامعة بيرزيت قرب رام الله، كما هو الراوي أبو سيف، قرر اكمال دراسته في ايطاليا، ليبقى الوالد نعيم مع ابنته الصغرى يحلم بـ»لمّة العائلة على طبلية واحدة».
«ها هي خارطة الطريق التي وضعتها آمنة (أم سليم وزوجة نعيم)، لم يعد فيها طريق على حاله. ولم يعد من الممكن تعديل مسارات الطرقات. ربما معجزة وحيدة يمكن لها أن «تخربط» كل شيء وتغير العالم حوله، وهي معجزة صعبة التحقيق، وكأن أبو سيف يشبّه عائلة نعيم وأحلام زوجته بحياة هانئة تجمع فيها أولادها حولها، وتخطط لمستقبلهم، بفلسطين التي عاشت أكثر من خارطة طريق، ولا تزال تحلم بلم شمل المسافر، والأسير، والمغترب، واللاجئ من أبنائها أيضاً».

مفهوم البطولة
وللبطولة في رواية «أحلام معلقة» معان مختلفة عما يردده الفلسطينيون كشعارات في المسيرات، مختلفاً مع الهتافات الشهيرة «نموت وتحيا فلسطين»، وكأن لسان حاله يقول «نعيش وتحيا فلسطين»، أو «يجب أن نعيش لتحيا فلسطين»، وهو ما عبر عنه في الرواية بقوله: «ليست البطولة أن تموت مجاناً، أن تموت بسبب خطأ وسوء تدبير، بل هي أن تعرف ماذا تفعل، وأن تفعله بطريقة سليمة حتى لو كلفك ذلك حياتك، وتحقق غايتك من ورائه. هنا يصبح للحياة قيمة، وتكون التضحية معقولة وضرورية. الناس في غزة ضحايا آلة القتل التي تعمل رصاصها في أجسادهم وتحصدهم بين وقت وآخر مثل سنابل في بيدر قمح تنهال تحت مقص آلة الحصاد. ليس لهم رغبة في رحيلهم المفاجىء أو في اختيار موتهم»، وهو ما انعكس أيضاً في النقاشات الجدلية والعميقة التي دارت بين سليم الذي يرفض طباعة ملصق لوالده الذي اشتهر بطباعة ملصقات الشهداء، وبين ابن خاله نصر الذي يرى ان خاله نعيم كان مقاوماً ومناضلاً يستحق ان يكرّم بـ»بوستر» على أقل تقدير.

تفاصيل غزّية
وشخصية سليم في الرواية، تمثل شريحة الشباب الفلسطيني عموماً، والغزيّ على وجه الخصوص، اللاهث وراء الهجرة، على أمل تحقيق شيء من أحلامه في أوروبا وأميركا، أما رحلة الخروج من غزة، أو من عنق الزجاجة، فأخذت حيزها الذي تستحق بين قضايا كثيرة تطرق إليها أبو سيف في روايته، محاولاً رصد يوميات الغزيين، فكأنه فيما يزيد عن الأربعمائة صفحة بقليل، لم يترك «صغيرة أو كبيرة» في هذه اليوميات، إلا وتناولها دون إقحام، وبمزج ذكي ولماح مع حكايات تاريخية من خلال شخصيات الرواية التي كانت تشارك في جنازة نعيم، ومن بينها معاناة معبر رفح، ورحلة العبور ذهاباً وإياباً في الأنفاق، والتي لم تكن عابرة في «حياة معلقة».
وتناول أبو سيف «تجارة الانفاق» التي راجت حتى وقت ليس بعيداً في غزة، من خلال شخصية خميس الذي يجازف بعشرة الاف دولار يستلفها من والده، ليحفر نفقاً، ومن ثم يبدأ في تجارة الانفاق كهاو ثم محترف، ليتحول مع الوقت من شخص كان بالكاد يجد «اللقمة» إلى مليونير من «أصحاب الاملاك والمحلات التجارية»، بل وأحد أبرز الاقتصاديين في غزة.

الجنازة .. الحبكة
بدأت الرواية بجنازة نعيم صاحب المطبعة الوحيدة في المخيم، والذي باغته جنود الاحتلال برصاصة اثناء فتحه لمطبعته في احد الصباحات، وانتهت بجنازة الشيخ خليل، الذي جاء من مكان مجهول الى المخيم وبنى بيتاعلى تلة محاذية له، كان يتشاءم منها سكان المنطقة،  فقد قصف الاحتلال خيم ساكنيها من اللاجئين خلال حرب عام 1948، قبل أن يغادرها الجميع عقب قنص ضابط في جيش الاحتلال فيها، إلا أن الشيخ خليل بنى بيتا له عليها، قبل أن يتبعه بعد ذلك بعض سكان المخيم، والذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

ما بين جنازتين
نعيم الذي ولد في الحرب ومات في الحرب، لم يعش كما ينبغي لإنسان عادي أن يعيش، فقد فرقته واخوته حرب، ثم فرقته الظروف عن أولاده، أما الرواية فرصدت تحولات الحياة في غزة باقتدار المتمرس، دون إغفال مفاصل تاريخية أساسية في حياة الشعب الفلسطيني، من ثورة العام 1936، والنكبة، والحروب المتعددة، ومن بينها حرب حزيران التي انتهت باحتلال ما تبقى من أرض فلسطينية، وبينها قطاع غزة، حتى قيام السلطة الفلسطينية عقب اتفاقيات أوسلو، وحقبة ما بعد الانقسام، بأسلوب سردي شيق، يكشف للقارئ العربي، وحتى للكثير من الفلسطينيين، العديد من تفاصيل الحياة المجهولة في غزة، كما عرج الكاتب الى جغرافيا وتاريخ تسعى إسرائيل إلى محوه منذ احتلال العام 1948، عبر استرجاعات زمنية، ومفارقات سردية، وحكايات متداخلة ترسم بصورة مفصلة عالماً مدهشاً تتفاعل شخوصه وتتجادل وتصارع في إعادة تركيب لمفهوم الهوية، والبطولة، والحياة، بين دفتي رواية تبدأ بجنازة وتنتهي بجنازة، رغم ما بينهما من حيوات غنية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: