"حــيـــاة مـعـلـقـة" في "الــدار الـبـيـضـــاء" !

2015-02-17

كتبت بديعة زيدان، مندوبة «الأيام» إلى الدار البيضاء:
سجلت رواية «حياة معلقة» للروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، حضوراً لافتاً في معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب والنشر، والصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، خاصة بعد أن تأهلت بين أفضل ست روايات تتنافس في إطار القائمة القصيرة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2015، إلا أن أبو سيف، وكان مقرراً أن يشارك في مؤتمر إعلان القائمة القصيرة، على هامش المعرض، منع من مغاردة قطاع غزة بإصرار من أمن حركة حماس، التي منحته أمس، «تصريحاً» لمغادرة غزة، وفق ما علمت «أيام الثقافة»، وبالتالي قد يلتحق بالوفد الفلسطيني إلى المملكة المغربية.
وكانت لجنة «البوكر» أشارت إلى أن ما يميز الرواية «استطاعتها تقديم عوالمها عبر تقنيات فعالة كتحدي السردية المفردة حول قضية ما بتقديم النقيض الأكثر ثراء لأنه أكثر دقة في إقناعنا بتعدد الروايات داخل المجتمع»، ولعل اللجنة أصابت في هذا، فصاحب «حياة معلقة» يصف روايته بـ»المجتمعية».
وكانت عضو لجنة تحكيم «البوكر»، المترجمة والباحثة اليابانية كاورو ياماموتو، قدمت قراءة مختصرة في رواية «حياة معلقة» في ندوة خاصة بالروايات التي وصلت إلى القائمة القصيرة للمسابقة، أدارها الكاتب والشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان، قالت فيها إن الرواية تقدم تجارب حياتية في غزة ومخيماتها منذ النكبة تمكن القارئ من الولوج إلى عوالم لربما يلجها لأول مرة، وتمنحه فرصة التعبير على تطلعات وأحلام وآمال أبناء القطاع بشكل شيق.. ونجد الشباب في هذه الرواية يترنحون بين السعي لتحقيق طموحاتهم الشخصية والشعور بالإحباط بسبب الاضطهاد المجتمعي، ولكن القرار ليس بأيديهم أمام الواقع القاسي الذي يعيشونه تحت الاحتلال والحصار.
وأضافت ياماموتو: تتميز هذه الرواية برؤية واسعة تجاه التاريخ، عبر شخوص تتنوع في تطلعاتها وحيواتها، وسرد يتجاوز فردية كل واحد منهم دون أن يهملها.

الروائي الصياد
يشار إلى أن رواية «حياة معلقة»، وصدرت عن دار الأهلية في عمّان الصيف الماضي، وحتى الآن لم تصل إلى قطاع غزة، ولم يسلمها صاحبها بيده، تحاول أن ترسم حياة رجل في مخيم قرب غزة يدعى نعيم، هو في الأساس صاحب مطبعة، واعتاد منذ سنوات بل عقود على طباعة ملصقات الشهداء، إلا أنه وذات يوم، وبينما كان متوجهاً إلى مطبعته أصيب بقذيفة من الاحتلال الإسرائيلي، فكان أن ولد في الحرب (نكبة العام 1948) خلال هجرة أسرته من يافا، ومات في الحرب، وكأن حياته محصورة ما بين حربين.
بعد ذلك يأتي صراع ابنه المقيم في الخارج، والذي لا يمكن له أن يتخيل تحوّل والده إلى مصلق، ومن هنا يبدأ عملية رصد تختزل تحول الإنسان إلى رقم، أو مجرد كلمة أو شعار على جدار، أو صورة معلقة عليه، ومن هنا تنفتح الحارة داخل المخيم على أزماتها، وتظهر الشخصيات المختلفة، مستعرضة التطورات والتحولات الحاصلة في غزة في العقدينن الأخيرين، على المستويات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وغيرها، وخاصة داخل المخيم بدفع من السلطة السياسية، بغض النظر عن ماهية هذه السلطة.
وللرواية ثلاثة أبطال، إن جاز التعبير، الأب الشهيد نعيم، والابن، والحاج المبروك، الذي كان أو ل من سكن التلة قرب المخيم، ولا أحد يعرف من أين جاء، وترتبط بشيء أسطوري ما له علاقة بالنكبة من جهة، والاجتياح من جهة أخرى، كما هو حال ساكنها، ومع وفاة الحاج تقرر السلطة السياسية بناء مسجد كبير في تلك التلة بعد السيطرة عليها، وهنا يبرز الصراع ما بين أهالي المخيم دفاعاً عن قداسة هذه التلة وما بين السلطة، خاصة بعد أن يتم اكتشاف أن المنوي بناءه ليس مسجداً فحسب، بل سوق تجارية ضخمة بالأساس تضم مجمعات ومبان عملاقة ومركز شرطة عملاق، في مشهد ينتهي بصراع ميداني على التلة، وكأنه يحاكي حالة الانقسام التي لا يزال يعيشها  الكل الفلسطيني.. الرواية تبدأ بجنازة وتنتهي بجنازة، ويلملم فيها أبو سيف حكايات سكان المخيم كصيّاد ماهر في لم شباكه بعد الانتهاء من الصيد.

حكاية الترشيح
وقال أحمد أبو طوق، مدير عام دار الأهلية للنشر لـ»أيام الثقافة»، من الدار البيضاء: رشحت هذه الرواية إلى «البوكر» لسببين أولها يتعلق بالرواية نفسها، وما تتميز به من عمق وجدة على مستوى الحكاية، والشخوص، والمكان، والحبكة، والبناء الدرامي لها، وأيضاً السرد، والثاني يتعلق بشخص الروائي عاطف أبو سيف، وهو مبدع غير مدع أو مغرور على عكس الكثير من الروائيين ومن يحاولون كتابة الرواية، إضافة إلى أنه لم يكتب أن يفصّل الرواية للمشاركة فيها بـ»البوكر» أو بغيرها من الجوائز العربية والعالمية، كما يفعل الكثير من الروائيين العرب، لكن «حياة معلقة» لم يكن من ورائها مثل هذا الهدف، وصاحبها حين أنجزها لم يكن يعلم أنها ستترشخ لجائزة البوكر، وأنجزها كعمل روائي مبدع دون أية غايات أخرى، وبالتالي إيماني بالرواية والراوي دفعني للتقدم بها إلى الجائزة، حيث تقدمت بها دون معرفته، بل أخبرته بضرورة التوقيع على ورقة تخص الرواية، ولاحقاً أخبرته بترشيحها لجائزة «البوكر».. هذه هي الحكاية، أو ما وراء «حياة معلقة» ورحلتها التي تتواصل مع «البوكر».
وأضاف أبو طوق: في جائزة «البوكر» كأية جائزة أخرى يصعب التوقعات، فالأمر يتعلق بذائقة اللجنة بالأساس كما هو الحال في جميع الجوائز العربية والعالمية على مستوى الأدب والثقافة والفنون عامة، وحتى غيرها من الحقول، لكن المهم فيها أنها لا تنجر وراء الأسماء اللامعة والروائيين المشهورين أو أصحاب الكتب الأكثر مبيعاً، فالانتصار للرواية وليس لتاريخ الروائي وشهرته وإبداعاته السابقة وربما اللاحقة، كما أكدت اللجنة برئاسة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي .. باعتقادي أن رواية «حياة معلقة» رواية متميزة على مختلف المستويات، فالعنوان يعكس الحالة اليومية التي يعيشها أهل قطاع غزة ومخيماتها، وبينهم عاطف نفسه، الذي اكتشفنا من خلال الرواية مهنيته وإبداعه الروائي وثقافته العالية وجديته .. أنا سعيد بما وصلت إليه الرواية .. هذا إنجاز لعاطف وفلسطين ولنا كدار نشر، وأتمنى أن يحالفها الحظ، وتتوج بلقب «البوكر» للعام 2015، وإن كانت وصولها إلى القائمة القصيرة إنجاز في غاية الأهمية.

من بين 180 رواية
وترشحت «حياة معلقة» من بين 180 رواية شاركت في منافسات الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، لتبقى في القائمة القصيرة ست روايات هي بالإضافة إلى «حياة معلقة» لعاطف أبو سيف: «طابق 99» للبنانية جنى الحسن، و»ألماس ونساء للسورية لينا هويان الحسن، و»شوق الدرويش» للسوداني حمور زيادة، و»الطلياني» للتونسي شكري المبخوت، و»ممر الصفصاف» للمغربي أحمد المديني.
وفي حديث لـ»أيام الثقافة» مع عضو لجنة التحكيم الناقد العراقي نجم عبد الله كاظم، قال: كان صادماً بالنسبة لنا الكم الهائل من الروايات المرشحة (180 رواية)، ما وضع تحدياً كبيراً أمام أعضاء اللجنة بقراءتها جميعها بترو وعناية، وتصنيفها، وترشيح 16 رواية من بينها للقائمة الطويلة في ستة إلى سبعة أشهر، كما صدمنا من العدد الكبير للأعمال الهابطة، إلى درجة أنني كنت أقول لبعض رفاقي في اللجنة «كأستاذ جامعي لو كنت أمارس التعليم ومررت على هذه الروايات سأعاقب المؤلفين والناشرين، ولكن هذا لا يعني أن الروايات المتميز هي فقط التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، ومن قبلها الطويلة، فهناك روايات أخرى متميزة، ولكن يبقى العدد الأكبر من الروايات المرشحة هابطة حد الصدمة».
وأضاف: وقف نظام الجائزة على كل عضو قراءة كل الروايات، واتجهت بسبب الكم الهائل من الروايات المرشحة إلى طريقة القراءة العمودية لها، فالروايات الهابطة تبرز عند الوصول إلى منتصفها، أو يقل قليلاً أو يزيد قليلاً، ولا تجد فيها ما يجذب أو يشدك إليها على مختلف مستويات العمل الروائي.
وكشف كاظم لـ»أيام الثقافة»: كان ثمة اتفاق على ما بين عشر إلى إحدى عشرة رواية من بين الروايات الست عشرة في القائمة الطويلة للجائزة، ودارت نقاشات وربما معارك وملاكمات نقدية في إكمالها إلى الست عشرة رواية، لدرجة أن بعض الاقتراحات كان إعلانها ناقصة هذا العام بعشرة إلى إحدى عشرة رواية فقط، وذلك بسبب الخلافات الكبيرة على البقية وليس على مستوياتها لأن من يستحق أن يصل إلى القائمة الطويلة أكثر من ست عشرة رواية برأيي.
وبخصوص الخلافات حول القائمة القصيرة، أشار كاظم إلى أنها تواصلت، وربما تكون أقل قليلاً عند إعلان الفائز .. وقال: لا يجوز لي الحديث في أسماء، لكن بالنسبة لي حددت لمن سأصوت هذه السنة منذ شهرين أو ثلاثة، ولكن من أعضاء اللجنة رأيه بطبيعة الحال، ومن يحصد أعلى نسبة في الأصوات يفوز بالجائزة للعام 2015، ويمكنني القول وفق وجهة نظري أن من بين الستة هناك روايتان أو ثلاث تتنافس على الجائزة، دون تحديد أسماء، مع العلم أن الخلافات حول ترشيح الروايات كانت ولا تزال السمة التي ترافق اختيارات أعضاء لجنة تحكيم الجائزة لهذا العام، وهذا الخلاف طبيعي وقد يكون إيجابياً، خاتماً: أحب فلسطين وأحب إبداعات المرأة، وأسعدني أن تكون فلسطين حاضرة عن استحقاق كما المبدعات من الروائيات في القائمتين الطويلة والقصيرة.

لجنة التحكيم و»حياة معلقة»
وبخصوص رواية «حياة معلقة»، قال كاظم لـ»أيام الثقافة»: هذا العمل الروائي يلفت الانتباه، ويجب الاعتناء والاهتمام فيه، لكني أعتقد أن ما سيقدمه الروائي عاطف أبو سيف بعدها سيكون أفضل .. برأيي هناك بعض العناصر التي لا تزال الرواية بحاجة إليها من الناحية الفنية، والتي سيقدمها في روايات قادمة، وهذا ليس مأخذ على الرواية بقدر ما هو استشراف للمستقبل، فهي وصلت إلى القائمة القصيرة وهذا يدلل على أهميتها، وكذلك هي تعكس قدرات كتابية كثير منها لا يزال كاماً، مع التأكيد على أهميتها كونها جسدت معضلة وأزمة كبيرة وعلى درجة عالية من الأهمية، وفي العموم هذا توجه في الرواية العربية التي تدور في الآونة الأخيرة في فلك ما يمكن تسميته بـ»أزمة الإنسان العربي»، وهذه الرواية دارت في هذا الفلك.
أما الشاعرة والناقدة البحرينية بروين حبيب، عضو لجنة التحكيم، وفي حديث لـ»أيام الثقافة»، قالت عن «حياة معلقة»: نجح الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف في هذه الرواية بعدم الانجرار وراء الصوت الأحادي، وذهب بنا إلى مساحة جديدة حتى فيما يتعلق برواية أو سرد المعاناة الفلسطينية .. بالعادة من يكتب عن القضية الفلسطينية يطغى الصوت الأحادي على كتابته، وحتى حين تتعدد الأصوات لا تكون بهذه الحرفية .. لفتني أن الكاتب رغم حداثة تجربته إلى أنه خرج برواية احترافية ذات مهنية عالية، فهي المرة الأولى التي أسمع بها بعاطف أبو سيف، لكن نصه فرض نفسه، وحفر في مناطق جديدة.
أما عضو لجنة تحكيم «البوكر»، المترجمة والباحثة اليابانية كاورو ياماموتو، فقالت حول الرواية لـ»أيام الثقافة»: أعجبتي الرواية منذ مطلعها، وهي رواية مهمة متعددة الشخصيات وفيها مساحات جديدة، رغم بعض الرتابة والتكرار برأيي، لكنها عكست جرأة الكاتب الذي يقيم في قطاع غزة، ويتحدث عن الواقع المرير والصعب ليس فقط بسبب الاحتلال الإسرائيلي، بل بسبب الواقع المجتمعي والسياسي الفلسطيني الداخلي أيضاً .. الجرأة وتعدد الأصوات هو ما ميز «حياة معلقة» وجعلها بين الروايات الست المتنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).
من الجدير بالذكر أن الروائي عاطف أبو سيف، وعقب انفراد «الأيام» بنشر الخبر فور الإعلان عن صدور النتائج من أحد فنادق الدار البيضاء، قال في حديث خاص معه عبر الهاتف من غزة: خبر مفرح أن تترشح رواية «حياة معلقة» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) .. ثمة شعور متناقض أعيشه هذه اللحظات، من جهة فرح بترشح الرواية وما سينتج عن ذلك من انتباه عربي للأدب الفلسطيني الشاب عموماً، والأدب في قطاع غزة على وجه الخصوص، لكني حزين لأنني منعت من حضور هذه اللحظات الجميلة من قبل أمن حماس، ما يعكس الوضع المأساوي للثقافة الفلسطينية التي تداس الآن تحت بساطير رجال الأمن وأنعلة الساسة، وإهمالهم لمكانة الثقافة ودوها الحياتي والوطني الكبير .. للأسف الثقافة باتت أكثر ضحايا الانقسام رخصاً بعين رجالات الأمن والساسة.

التعليقات


1 . كوثر النيرب/ الى الامام الروائي المبدع عاطف ابو سيف
السبت 21 شباط 2015 10:11:04

صدقت انسانا واقعيا يرسم بكل شفافية واقع غزة ومخيمها بكل تناقضاته الامل واليأس الطموحات ، الشخوص المألوفة والغريبة الى الامام ، غزة كلها خلفك أيها المبدع ونفتخر بك


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: