ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (7)

2015-02-10


في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة السابعة والأخيرة.
غ.ز

اكتمل عدد الركاب في الحافلة، وغاب عني طائر الفينيق..
وفي ذات الوقت جلس السائق في مكانه، وكنت في المقعد المجاور له، وانطلقت بنا الحافلة؛ كل الركاب وجهتهم الخليل، بينما أنا ينتظرني صديقي أكرم الحمري، في الطريق، قريبا من بيت تعمر.
السائق خليلي، يتحدث بتلك اللهجة الخليلية التي تميزها طول الكلمة، ونغمتها الموسيقية، مع قلب حرف القاف إلى همزة، وحرف الثاء إلى سين أو تاء.. أتابعه وهو يتحدث، وأنا أدقق في الطريق التي يفترض أن مسافتها من رام الله الى الخليل حوالي 54كم، لكن كثرة الحواجز الأمنية، والتحويلات فيها، جعلت من المسافة أضعافا بحساب زمن المعاناة الحقيقية خلال المسير فيها، وما زاد هذه المعاناة أكثر أن الحافلة التي تقلنا ظهر فيها خلل كهربائي، ما تسبب في بطء سرعتها، واضطرار السائق الى أن يعيد «تشغيلها» وهي متحركة، كلما قطع بضع كيلومترات، ليحافظ على ديمومة استمرار حركتها، خشية أن تتعطل في الطريق غير الآمن والمحفوف بالمستوطنات، والحواجز، والمستوطنين، والجنود الإسرائيليين.
لاحظت ارتباك السائق، وتذمر الركاب، واستعدادا لأية مفاجأة أخرى قد تتوقف الحافلة بشكل كامل، اتصل السائق بأحد ما في الخليل، ليرسل حافلة أخرى، من الطرف المقابل، لينقل الركاب اليها.. بقيت أتابعه وهو يدعو مرة، ويسبح تارة، ويلوم نفسه على هذه الورطة تارة أخرى، بينما الركاب يلومونه، حتى أن منهم من طلب أن ينزله عند أقرب تجمع سكاني في الطريق، ليبحث عن وسيلة أخرى توصله الى مبتغاه.

تلك الذاكرة
بصعوبة وصلت المكان الذي ينتظرني فيه صديقي، وتركت السائق والركاب، ينتظرون قدرهم، والحافلة الأخرى، ودعاؤهم مستمر لا يتوقف..
سَلّمت بشوق على أكرم، لم التقه منذ فترة طويلة، وأذكر في بداية التسعينيات، أننا تعارفنا في عمان سريعا، وبالتحديد في صويلح، التي يسكن فيها كثير من أبناء عشائر التعامرة، خاصة في حي التلفزيون، وهناك أصدقاء آخرون لي في مناطق يسكنها التعامرة في الأردن مثل الياسمين، والجبل الأخضر، وحي نزال، ومأدبا.. آنذاك، وبعد لقائي السريع مع أكرم في صويلح، زرته في الجزائر، وكان يدرس العلوم السياسية، وقضيت هناك شهرا في رحلة تحمل كل تفاصيل المغامرة حيث أتيته عبر الصحراء من طرابلس، الى غدامس في جنوب ليبيا ثم قطعت الحدود من هناك الى جنوب الجزائر، وتابعت شمالا عبر شعلات آبار الغاز الطبيعي، والصحراء، حتى وصلت الجزائر العاصمة، واستقبلني هناك في حي بن عكنون.

بيت تعمر
الآن.. يسكن صديقي في بيت تعمر، التي تجولت معه فيها، وهي خربة قديمة سميت على اسم عمر بن الخطاب الذي مر بالمكان عند فتح بيت المقدس، وربما بات أو صلى فيها، حيث يوجد هناك مسجد عمري صغير مكتوب على لافتة صغيرة بجانب الباب أنه تأسس عام 15، ولعل بيت تعمر كان اسمها في الأصل بيت عمر، وأهل المنطقة يقولونها بيت اعمر، وحدث دمج مع توالي الزمن، ليستقر الاسم على بيت تعمر.
ونحن نسير في بيت تعمر، حدثني صديقي بأن قرى عرب التعامرة هناك في منطقة واسعة، وواجهاتهم العشائرية تصل حتى البحر الميت، ومن المدن والقرى التي يقطنونها، إضافة الى بيت تعمر، كل من بيت لحم، وبيت ساحور، والدوحة، وخلايل اللوز، ودار صلاح، والشواورة، وراس الواد، وزعترة، والفريديس، وبريضعة، وظهرة الندى، وتقوع، وعيلة علي، وهندازة.

أين هو «محمود»؟
في مثل هذه الزيارة السريعة، لا يمكن أن يركن الواحد الى البيت، وقد احتفى بي صديقي، وسلمت على عائلته، وإخوانه الذين أعرفهم واحدا واحدا، ولهم قصص نضال مشرّفة، منهم جمال الذي كتبت عنه قصة في التسعينات، وقد كان طفلا، صغيرا، وكيف أنه صفع الجندي الاسرائيلي، في تداعيات أقرب الى الخيال، أثناء محاكمة أخيه محمود، حين سمعت القصة كتبتها تحت عنوان «حبلانيم جادول».
بعد هذه الاستراحة بقليل، كان المخطط أن ننطلق الى الخليل، لكني طلبت من أكرم أن يوصلني الى جبل الفريديس، هذا الجبل الذي قام فيه أخوه محمود بعملية نوعية ضد إسرائيل، كان مسرحها على قمته، حيث حوكم بعدها، وسجن، وأُبعد بعد سنوات الى الأردن.. لم التقى محمود، الذي تزوج في الأردن، وهو الآن محمود «أبو حسن»، حيث أنه عاد الى هناك بعد سنوات طويلة، ولم يخبرني أحد بمصيره الآن، وأنا أكرر السؤال عدة مرات: أين هو «محمود»؟ أين «أبو حسن»؟ ولا إجابة.. كانوا يغيرون الموضوع، يتهربون من البوح، كلما سألت عنه.. ولكن على أي حال، أتمنى أن يكون بخير، هذا الجميل، الأصيل، الصديق: «أبو حسن».
«قاتل أطفال بيت لحم»
صعدنا بسيارة أكرم، إلى الجبل، وكان ينتظرنا هناك أحد البدو، من عرب الرشايدة، وهو من معارف أكرم، ويعمل في الحفريات مع دائرة الآثار الإسرائيلية، حيث أن الفريديس يتبع لإسرائيل لأنهم يعتبرونه جزءا من تاريخهم.. هناك على قمة الجبل، التقينا دليلنا في المكان، وواسطتنا للدخول وللتجول في جبل الفراديس، وسراديبه، وكافة معالمه.
هناك.. على القمة، حيث جبل الفريديس، أو قصر هيروديون، أو جبل الإفرنج، عدت بالذاكرة إلى قرية مكاور، في الأردن، على جبل يقابل هذا الجبل، وكأن هيرودس الكبير، ومن جاء من بعده، كان يختار تلك المرتفعات ليمارس طغيانه من عليها، ومثل هذه القلعة هناك في منطقة البحر الميت قلعة مسعدة (أو سمادا)، التي بناها هيرودس الكبير أيضا، وهي مرتبطة بأسطورة الانتحار الجماعي لليهود، عند مواجهة القوات الرومانية.
ها أنا أمشي هنا، في المكان الذي كان يجول ويصول فيه قاتل أطفال بيت لحم، هنا كان هيرودس الكبير، في جبل الفريديس، والذي يعتقد بأن قبره موجود في هذا المكان، وبأنه كانت قد قامت ثورة ضده وهو هنا، ولكني وأنا أتجول على المرتفع لمعت في ذهني صورة قلعة مكاور في مأدبا، كنت زرتها، وكأنها تعيد سيرة قلعة الفريديس، من حيث الطغيان، والقتل، ففي مكاور مارس هيرودس أنتيباس الذي جاء بعد هيرودس الكبير كل أنواع الفسق والطغيان، هو هيرودس أنتيباس الذي تسميه الأناجيل فيلبس، وهو زوج هيروديا، التي حرضته على قتل النبي يوحنا المعمدان، حين استخدمت ابنتها سلومي لترقص في مكاور أمام هيرودس أنتيباس، رقصة الموت، وتطلب منه وعدا/ هدية هو رأس يوحنا، فلم يتورع عن قتله، وتقديمه لها، على طبق من ذهب، لقاء تلك الرقصة.

جبال الفريديس
تلك الجولة في جبل الفريديس، كانت تجربة فريدة..
هناك في الأعالي، من على القمة نظرت في كل الاتجاهات، ورأيت أمكنة كثيرة، على امتداد البصر حولي، بعضها أراها وهي ممنوعة عني، تلك هي القدس، وفي كل الاتجاهات حولي فلسطين البعيدة/ القريبة، أنا فيها ولا أستطيع الوصول الى كل مدنها وأمكنتها المغلقة بأقفال الاحتلال، وهناك على مرامى التفاتة مني مستوطنة قريبة، وأرى من مكاني هنا وطني الأردن شرقا؛ جبال مؤاب، وغور الأردن، والبحر الميت، ها هي تلوح لي وهي تئن مثلي على هذا الحال.
يتحدث أكرم عن جغرافية المكان، وتاريخ المنطقة، فأسرح في عصور موغلة في القدم، ثم يأخذنا دليلنا من عرب الرشايدة في جولة فريدة، فأرى تفاصيل القلعة العلوية والسفلية منها؛ أرى الغرف والحمامات وأبراج المراقبة في القلعة، ثم ندخل أنفاقا عميقة في جوف الجبل، تحت القلعة الضخمة، حيث مشينا مئات الدرجات والسلالم، فوجدنا مرافق كثيرة تحت الأرض؛ آبارا، ومستودعات، ومخازن للسلاح، وسجونا، وقاعات، بعضها تم الكشف عنه، وجزء آخر هناك حفريات أثرية تعمل على اكتشافه.

قبر هيرودس الكبير
كان دليلنا، من عرب الرشايدة، يتحدث العبرية بطلاقة، يمازح كل من يقابلهم، وهم يعطونه بعض التفاصيل عن عملهم، ويترجم لنا.. بعد حوالي نصف ساعة، خرجنا من الأنفاق الداخلية للجبل، وسرنا باتجاه طريق يلتف مثل حزام على جوانب القلعة، من خلاله نرى الجزء السفلي من المنشآت التي تقع أسفل القلعة والجبل، وحوله، إذ كانت تسمى قديما «مدينة هيروديا»، وكان فيها برك وحدائق، لكنني الآن أرى أطلال حجارة، ومكان البركة، وهناك ترميم لبعض المباني فيها.
أواصل مسيري مع رفاقي حول الجبل باتجاه نقطة قريبة من القمة، لكنها تطل على الشرق، الى أن وصلنا حيث كومة حجارة، ومجسم لقبر، حيث وقفنا قربه، وقرأنا لافتة تشير الى أنه يعتقد بأن هنا كان قبر هيرودس الكبير.
كل خطوة وأنا أمشي في جبل فريديس، أشعر بأن هنا تاريخ منهوب، وتأويلات يعمل الاحتلال الصهيوني على اقناعنا بأنها حقيقة، ومنها كتابات وتفصيلات لها علاقة بالهيكل المزعوم في القدس، أمشي وقد تركت القبر ورائي، وأنا أستعيد بعض ما قرأت عنه بأنه حين قامت الثورة على هيرودس الكبير، كان قد أمر بقبر له، وأن يكون مكانه بعيدا عن متناول يد الثائرين خوفا من أن يشوهوه، أو يؤذوه، ولهذا فقد تمت مواراة القبر، وإخفاؤه بعناية.
 أسير ومعي دليلي وصديقي، قريبا من بوابة الخروج، فأرى هناك تلة كبيرة من صخور كروية كأنها قذائف، مكتوب بجانبها أنها استخدمت أثناء تلك الثورة على ظلم هيرودس.. يا الله، والظلم يتكرر، وأحفاد قاتل أطفال بيت لحم، لا يتعظون من نهاية هذا الهيرودس الطاغية.
أصل نهاية جولتي في جبل الفريديس، شاكرا دليلنا من عرب الرشايدة، لنتابع مسيرنا، أنا وصديقي أكرم الحمري، والوجهة الآن هي مدينة الخليل، التي أتوق اليها، وأنا متعطش لرؤية الحرم الإبراهيمي، ومعرفة أحوال الأهل هناك، وفي البال سؤال فاجأت به أكرم: ترى يا صديقي، هل أوصل السائق الخليلي الركاب الذين رافقوني في حافلته الى الخليل بسلامة ودون أن يصيبهم أي أذى؟!

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: