ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (6)

2015-02-03

في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة الخامسة.
غ.ز


عقدت النية على زيارة القدس، لكن هل سأتمكن من هذا؟ قلت سأحاول، رغم أن تصريح دخول فلسطين الذي أحمله معي، لا يمكنني إلا من زيارة أراضي الضفة الغربية فقط.. ولكن تبرع الأصدقاء، بأن يحاولوا معي، طريقة للمرور، فالقدس تستحق المغامرة، والتحدي، والمحاولة، وكان مسيرنا اليها، محاولة للدخول من خلال حاجز قلنديا، الواقع جنوب رام الله.. هناك شعرت فعلا بالمعاناة الحقيقية للفلسطينيين، هذا الحاجز هو فعلا بوابة للإذلال: منطقة عازلة، وأسلاك شائكة، وحواجز الكترونية، وممرات ضيقة شبيهة بالأقفاص، وبوابات دوارة، يمكن تشبيهها شعبيا بـ»النتافات»!!

قلنديا.. المعاناة!!
حاجز قلنديا.. ها أنا هناك.. ولا تفصلني عن القدس إلا 11 كيلومتراً، ولكن لم أتمكن من الدخول، وعدت، بسبب أن تصريح الدخول هذا، لا يخولني المرور الى القدس، وزيارة بقية أرض فلسطين.. لا بأس، على الأقل، عشت تجربة معاناة إخواني الفلسطينيين، على هذا الحاجز اللعين، ووصلت قلنديا؛ البلدة التي كان فيها مطار القدس (قلنديا)، والمخيم الذي  تم تأسيسه عام 1949م، وهو ينبض دائما بالدماء إثر المواجهات بين أبنائه المناضلين، وبين جنود الأعداء المغتصبين.
 لم أيأس، من عدم تمكني من الدخول الى القدس، فثمة مدن، وقرى، أخرى في فلسطين تنتظرني، وأنا على موعد معها، والقدس لا بد من زيارتها، في المستقبل، ما دام الحلم قائماً، والأمنية متجددة في القلب.
اتصلت بصديقي أكرم الحمري، رفيق دمث، طيب، أصيل، من عرب التعامرة، يسكن مقابل جبل فريديس، واتفقنا أن أصل اليه هناك، لنرتب زيارة الخليل وبيت لحم، بعد جولة في بيت تعمر، وجبل فريديس، وبالفعل اتفقنا على أن أركب حافلة، تقلّني اليه، فأوصلني سامح خضر الذي كان برفقتي، للرحلة غير المكتملة الى القدس، أوصلني الى الحافلات التي توصل الى الخليل، حيث سأنزل، في الطريق، قريبا من بيت تعمر المكان الذي ينتظرني فيه أكرم.

القدس.. إشراقة الروح
 كان الانتظار في الحافلة، وأنا ما زلت تحت تأثير ما حدث معي عند حاجز قلنديا..
ما زلت مسكونا بحالة أني سأزور القدس، رغم أني لم أكمل مسيري اليها.. هذه المرة، عاد لي الفينيق، طيف طائر حط بجانب نافذة الحافلة، ابتسم لي، فقلت: لم أستطع الوصول الى مهجة القلب.. القدس. قال: ستزورها واقعا، مرة أخرى، لكن يمكن أن أوصل خيالك اليها، هل تجرب أن أنطلق مع روحك الى هناك، في غياب لحظي، الى أن يحين موعد انطلاق حافلتك الى المدن الأخرى. قلت: أغامر، وليبق الجسد منتظراً هنا، بينما القلب والروح تحلق نحو القدس.
ها أنا أردد أغنية (زهرة المدائن)، وأنا على جناح الفينيق: «البيت لنا.. والقدس لنا.. وبأيدينا سنعيد القدس.. بأيدينا للقدس سلام.. بأيدينا للقدس سلام.. للقدس سلام.. «.. أتتبع ما تبقى من معمار سور القدس الذي شيده السلطان العثماني سليمان القانوني، عام 1542م، وأطرق أبوابها، ثم أدخل المدينة، لا ضيفا عليها، بل واحدا من أهلها، مقدسا لها، متباركا بمهابتها، عارفا تاريخها، مسكونا بذاكرتها، مذ كانت النبض الأول لها قبل أكثر من 5000 سنة قبل الميلاد، حين عمّرها الكنعانيون، وكان اليبوسيون بطناً رئيساً من بطون الكنعانيين، فنسبت اليهم، وسميت يبوس، كما أن المدينة أعطيت كذلك أقدم أسمائها، حيث صارت مدينة السلام، مقرونة بإله السلام، أو سالم، شالم، عند الكنعانيين.. تهزّني مهابة التاريخ، وكأنني أعود الى تخوم تلك المرحلة، لأرى ملك المدينة «ملكي صادق»، الذي وسع القدس، وأطلق عليها اسم أورسالم، مدينة السلام، ومنذ تلك الأزمنة، مرت عليها أقوام كثيرة، وأعيد بناء المدينة أكثر من 18 مرة عبر تاريخها الثري، ومع دورات تاريخها، صارت تحمل أسماء عديدة، منها اسم إيليا أيام الرومان، نسبة الى الامبراطور إيليوس هدريانوس، ولكن رغم تلك التسميات بقيت محافظة على اسمها الكنعاني العربي القديم.

طريق العودة!
أتذكر، وأنا منهمك في زيارتي الافتراضية هذه الى القدس، صديقي موسى ازحيمان، الذي التقيته في رام الله، وكيف كان حزينا، ملهوفا، وهو يعبر عن عشقه وحنينه الى القدس، وأسواقها، وبيوتها، وتفاصيلها، فهو المبعد عنها بعد إقامة طويلة فيها، يحنّ اليها، وأمنيته الآن أن يجد طريقة للعودة الى هناك.. ليتك يا موسى تعيدني معك اليها، حين تجد الطريق للعودة الى القدس.
أستعيد من الذاكرة، وبطون الكتب، بعض ما كتب عن فضل القدس، وقيمتها، فتستوقفني مقولة مقاتل بن سليمان: «.. ومن مات مقيما محتسبا في بيت المقدس، فكأنما مات في السماء، وأول أرض بارك الله فيها بيت المقدس، ويجعل الرب جل جلاله مقامه يوم القيامة في أرض بيت المقدس، وكلم الله موسى في أرض بيت المقدس، وتجلى له جل جلاله في بيت المقدس، وبشر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس، وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقربون القرابين ببيت المقدس، وأوتيت مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، في بيت المقدس، وولد عيسى عليه السلام وتكلم في المهد صبياً ببيت المقدس، ورفعه الله الى السماء منه، وينزل الى الأرض من السماء ببيت المقدس، وأنزلت عليه المائدة ببيت المقدس، وأوصى إبراهيم وإسحاق عليهما السلام لما ماتا أن يدفنا ببيت المقدس، وأوصى آدم عليه السلام لما مات بأرض الهند أن يدفن ببيت المقدس، وصلى نبينا عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس، وركب البراق الى بيت المقدس، وأُهبط به من السماء الى بيت المقدس، والمحشر والمنشر الى بيت المقدس، ويأتي الله في ظلال من الغمام والملائكة الى بيت المقدس، وتوضع الموازين يوم القيامة ببيت المقدس، وينفخ اسرافيل في الصور ببيت المقدس، ومن سره أن يمشي في روضة من رياض الجنة فليمش في صخرة بيت المقدس، ونشر الأنبياء كلهم لرسوله صلى الله عليه وعليهم، فصلى بهم في بيت المقدس..».

سيرة الأبواب
ما زلت على جناح طائر الفينيق، روحا، وفي الحافلة أنتظر جسدا.. أستحضر في هذه اللحظة، مسرحيتي التي كتبتها عن القدس، في عام 2009م، وأخرجتها المبدعة الدكتورة مجد القصص، وكان عنوانها «بلا عنوان».. آنذاك استرسلت بحثين ودرسا، حول القدس، وأسرتني أبوابها، وقصص تلك الأبواب، وما ارتبط بها من ذاكرة وتاريخ.. أستعيد تلك اللحظة، وأقف أمام هالة الأبواب، وعظمتها، وزخم التاريخ فيها، لأعيد القراءة في «العقد الفريد»، متتبعا ما كتب العلامة احمد بن عبد ربه، حول القدس، وآثار القداسة في بيت المقدس، حيث يقول: «مربط البراق الذي ركبه النبي صلى الله عليه وسلم تحت ركن المسجد، وفي المسجد باب داود عليه السلام، وباب سليمان عليه السلام، وباب حِطّة التي ذكرها الله في قوله تعالى (وقالوا حِطّة)، وهي قول لا إله إلا الله، فقالوا: حنطة، وهم يسخرون، فلعنهم الله بكفرهم، وباب محمد صلى الله عليه وسلم، وباب التوبة الذي تاب الله فيه على داود، وباب الرحمة التي ذكرها الله تعالى في كتابه (له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قِبَلِهِ العذاب) يعني وادي جهنم الذي بشرقي بيت المقدس. وأبواب الأسباط، أسباط بني إسرائيل،  وهي ستة أبواب، وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة وفيه محراب مريم بنت عمران رضي الله عنها التي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ومحراب زكريا الذي بشرته فيه الملائكة بيحيى وهو قائم يصلي في المحراب، ومحراب يعقوب، وكرسي سليمان صلوات الله عليهم، ومغارة إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام الذي كان يختلي فيه للعبادة، والقبة التي عرج النبي صلى الله عليه وسلم منها الى السماء، والقبة التي صلى فيها النبي بالنبيين، والقبة التي كانت السلسلة تهبط فيها زمن بني إسرائيل للقضاء بينهم، ومصلى جبريل عليه السلام، ومصلى الخضر عليه السلام».
أبحث عن هذه الأبواب فلا أجد إلا أحد عشر بابا، منها سبعة مفتوحة وأربعة مغلقة، وهذه الأبواب المفتوحة للزوار هي باب العامود وهو المعروف بباب دمشق، وباب الساهرة وهو المعروف عند الغربيين بباب هيرودس، وباب الأسباط، وباب المغاربة، وباب النبي داود، وباب الخليل المعروف بباب يافا، وباب الجديد. أما الأبواب المغلقة فهي باب الرحمة، وباب التوبة، وباب البراق، وباب السكينة!!

فسيفساء الأمكنة
كنت أريد أن أعرف تفاصيل أكثر عن القدس، وأنا أمشي في شوارعها القديمة، مسكونا بمهابة التاريخ، وقداسة المكان.. أريد أن أمضي نحو الحرم الشريف، ومسجد الصخرة، والمسجد الأقصى، سأصلي صلاة المشتاق، وأرتل دعاء القادم بعد طول غياب، وأتابع مروري على حائط البراق، والجامع العمري، ثم أضيء شمعة في كنيسة القيامة، وأمضي نحو جبل الزيتون شرقا، لأتفيأ ظلال الكنيسة الجثمانية متذكرا هناك أيام السيد المسيح الأخيرة، وبعدها أرسم على جناحي الفينيق، صورة للأقصى، وأخرى للقيامة، قبل أن أعود الى تلك الحافلة التي أنتظر فيها، في قلنديا، لأتابع ترحالي، الى الخليل، وبيت لحم، وبيت تعمر، وأصدقائي الذين ينتظروني هنا.. ها أنا أعود.. يلوّح لي الفينيق، ويبتعد، وأنا تسير بي الحافلة نحو أماكن أخرى، هي من أرض فلسطين التي أعشق.. وسأدقق في فسيفساء أمكنتها، ما استطعت الى ذلك سبيلاً.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: