أطلق مجموعته الشعرية الجديدة في متحف محمود درويش

"أندم كل مرّة" لوليد الشيخ .. "انقطعت الكهرباء .. وسقط الكلام من خطوط الهاتف" !

2015-02-03

كتب يوسف الشايب:
أطلق الشاعر وليد الشيخ، مؤخراً، وفي متحف محمود درويش، وبالتحديد قاعة الجليل، مجموعته الشعرية الجديدة «أندم كل مرّة»، الصادرة حديثاً عن دار «الأهلية» للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، وسط حضور غصت به القاعة، احتفاء بالمجموعة التي انحازت دون قصد ربما إلى «مراييل» بنات المدرسة في المخيم، في عملية اقتحام بالكلمات العذبة والجريئة والحساسة واللاذعة في آن، لـ «خزائن الذاكرة»، وكأنه يؤكد ما قاله: «اللغة على كتفيك .. مهجورة كشال ثقيل .. يسقط منها كل يوم خيطان من الأفعال المضارعة».
وقسم الشيخ مجموعته إلى قصائد قصيرة تقترب من الومضات حيناً، وتتجاوزها بقليل أحياناً أخرى، وفق ثلاثة محاور أولها «رومانس»، واشتملت على 14 قصيدة، أو مقطع شعري لم يخل من تشبيهات كأنها مشهد في دراما أو فيلم سينمائي أحياناً، أو فيديو كليب لأغنية مطلعها «انقطعت الكهرباء .. وسقط الكلام من خطوط الهاتف».
أما المحور الثاني في القصائد التي أبدعها وليد الشيخ على مدار سبع سنوات، فكان بعنوان «باليستينا»، وفيها حفر عميق في المأساة المتواصلة .. حفر في السياسة دون الإغراق فيها، عبر عنها بثقة جراح القلب البارع في اثني عشر نصاً بدأها بـ «في الطريق إلى المدينة»، وختمها بـ «مفاوضات»، تلك التي كان لاذعاً في وصف لعل البعض يراه قليلاً فيها، وهي التي وصفها البعض بالحياة، ووجدها البعض الآخر بطريقنا الوحيد إلى خلاص، فيما ركز الأكثر من هذا البعض أو ذاك أنها كانت الرصاصة التي «ينزف الدم الفلسطيني كما الكرامة» بسببها، وربما لا يزال .. «هل تعلمين .. أني تبرعت بكلية كي أفتح شارعاً مغلقاً منذ سنوات .. وأني تبرعت بالعين اليسرى لإنارة الطريق .. وتبرعت بالغدة الدرقية لتعديل المزاج العام .. وتبرعت بحيوانات منوية كي لا تنقرض شعوب الحرب العالمية الثانية .. وتبرعت بيد كي تشير لقوافل الإغاثة، وتبرعت بقدمين مشاءتين كي لا يتوقف العشاق عن المشي تحت المطر ... وهل تعلمين أن شيئاً لم يتغير سوى جسدي».
وفي ذات المحور كان هناك حديث شعري يتراوح ما بين غضب وجنون وتحليل وانهيار أحياناً، حول «الثورة»، و»الحرب»، و»رفح»، و»اليرموك»، و»الرواية»، و»الموتى»، و»الرفيق».
وفي ثالث المحاور الموسوم بـ»رصاص طائش»، يعرج الشيخ على ذكريات الطفولة والمراهقة والشباب، في أسلوب شيق لم يخل من كوميديا بدت لي مفاجئة في قصائد الشيخ، التي كان لها هذه المرة رونق معتق كنبيذ مختزن في سرداب سريّ، عبر عشرين قصيدة، من بينها: «مدرسة ذكور وإناث الدهيشة»، و»سيرة عائلية»، والثمانينات»، و»الكهرباء»، و»أحمد إبراهيم» (عمّ الشاعر)، و»طلب انتساب»، و»مصادفات»، و»صورة»، و»برقية»، و»أندم كل مرة» التي حملت المجموعة اسمها.
وما لفتني في قصيدة أحمد إبراهيم شفافيتها ككأس ماء زجاجي اشتغل في تلميعه منظف الصحون «بذمة وضمير» ... «مات أحمد إبراهيم .. لا شتائم إضافية في وجه الصباح .. لا ورق للعب في منع التجول .. لا ضحكات خجولة في وجه الذين يشتمون الدين .. لا أفكار مسبقة عن الحروب القادمة .. ولا نساء قديمات يتعثرن في حشيش المخيلة»، تلك المخيلة التي لم تكن رفيق عم الشاعر وليد الشيخ، بل ظلت رفيقته على مدار 110 من صفحات «أندم كل مرة»، وكأنه يجرشها ويغليها بماء ساخن وشيء من الليمون وورق الغار، لعلنا نهضم الواقع المرّ، ويلطف شيئاً من رائحة الأجواء المشبعة بعفن المرحلة.
ومما جاء في «أندم كل مرة»:  «لم أكن ذكياً .. حين أدرت وجهي نحو الباص، فيما ظلت يدك تلوح وحيدة على الرصيف ... ولا ذكياً حين أرسلت مسجات سريعة لمن توهمت أنها أعطتني إشارة إعجاب .. ولا حين تجاهلتُ شبكات التواصل الاجتماعي .. كلما حاولت أن أصير أنا أبدو ساذجاً كما أفعل الآن».
وكان سامح خضر، مدير متحف محمود درويش قدم الشيخ، قائلاً: أقدم وليد الشيخ اليوم كقارئ كما أعرفه وكما قرأته، بعيداً عن فذلكات النقاد ولغتهِم المقعرة، ودون أن أحمل القصائد إلى مختبرات النقد والتأويلِ لقياسِ أبعاد الاستعارات وإسقاط التورية في القصيدةِ على خصومي .. في ديوانه المؤلف من ستٍ وأربعين قصيدة، يؤسس وليد الشيخ أول خط جوي شعري بين موسكو وفلسطين، استعمل فيه قصائد نفاثةً مريحةً تقل قراءه لسماء الشعرِ المصفى بمهارة دون مطبات شعرية، أو مفردات تخطفك من انسيابية القصيدة.
وأضاف خضر: يضع وليد قرّاءه على حافة الانفعال الطفولي، ويقفز ويبكي ويفرح في قصائده مثل طفلٍ غفل عنه والداه.. وليد يكتب نفسهُ وقصائده تشير إليه فترى وجهه مرسوماً بالحبرِ السري بين أبياتِ القصائد.
يرانا في كل بيت من أبيات القصيدة، ولا يغفل عن أن يترك لنا دمعةً ساخنةً في أسفلِ الصفحة نبلل بها أصابعنا حتى ننتقل لأخرى.
تميزه في قصائدهِ لاجئاً خجولاً قد وقع للتوِ من حافلة مخيم الدهيشة في أحد شوارع موسكو، وتراه يتردد على صندوق بريده رقم 735 عنوان إحدى القصائد ودون قصد تعود إلى القصيدة ربما لتفحص صندوق البريد ذاته نيابة عنه، لتحمل إليه بشارة ما.
يفرد وليد في ديوانه، والحديث لا يزال لخضر، مساحةً كبيرةً لانكسارات العاطفة، حين تتبدل الأمكنة فتسمع صوت موسيقى ريمسكي كورساكوف أو ميخائيل جلينكا بكلِ ما فيها من شجنِ في الخلفية، أو ربما تشعر أن القصائد كتبت على ورق النوط الموسيقية فترتقي بك حيناً، وتهوي بك لضرورات الايقاع حيناً آخر.
شعر وليد هو شعر اغتراب واشتياق يعبر عنه بصورة ايروتيكية قليلاً قافزاً من خندق المألوف عند الشعراء إلى خط المواجهة الانسانية الأول: الاعتراف. فتراه يشب عن الأطر التي يعلن فيها الشعراء براءة ذمتهم وكمالهم الزائف.. ابتعدَ وليد بشعره عن المنابرِ والمناصب الرسمية، واختار لنفسه مكاناً دافئاً قرب قلب القارئ.
هو لا يتعامل مع الكلماتِ بالشوكة والسكين ولا يرتدي لها ربطة عنقٍ، ولا ينتظرها على الطريقة الانكليزية على فنجانٍ من الشاي في تمام الخامسةِ مساءً، وليد يتسلق الشجرة لاصطياد القصيدة كصبية يسرقون ثمار الفواكه عن شجرِ الغرباء في طريقِ العودةِ من المدرسة، ويفرح بالكلمة مثل فرح عجوز فوجئ بشتلة مريمية في نزهة جبلية بمفرده.
وليد الأنيق سلوكاً وشعراً استغرقه «أندم كل مرة» سبعَ سنوات استحقت صبرنا عليه فلم يذهبه سدى، ليقف اليوم أمامنا كالخارجِ ببطولة من هاوية سحيقة جذبته نحوها ستا وأربعين مرة فنجا وجاء محملاً بستٍ وأربعين قصيدة تصلح للتبادل بين العشاق السريين .. خاتماً خضر تقديمه الذي اعتبره الشيخ لاحقاً اكتشافاً لمبدع في ثوب إداري، بالقول: بعد أن تنتهي من قراءة الديوان تشعر برغبةٍ كبيرةٍ للخروجِ إلى الشارع لتستوقف طالبات المدرسة الثانوية في المخيم، وتسألهن: هل رأيتن وليداً؟ .. وليد ابن مخيم الدهيشة والعاشق السري، المشاغب دونما صخب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فاتحة لبدايات القرن !
آراء
مهند عبد الحميد
دعوا الشعب اليمني يعيش ويقرر!
آراء
عبير بشير
حسن نصر الله: الأمر لي
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أنا والغريب
اقرأ المزيد ...