حكايات متعددة عن طريقة تهريبها من داخل الزنزانة

«مسك الكفاية» لباسم خندقجي .. حين يخرج الروائي التاريخ من علبته

2015-01-27

كتب يوسف الشايب:
"... ثمة ناحية في جنوب الجزيرة العربية خارجة عن حكم الخليفة العباسي، وقد جاءت سرية من جند الخليفة أبي جعفر المنصور لإخضاعها .. وثمة في موازاة هذا المشهد الدموي أسرة فقيرة الحال من شبوة حضر موت، مات معيلها قبل عشر سنوات، وراحت الأم الوفية تعمل هي وابنها الكبير في حقل لتحصيل الرزق للأسرة، وثمة في بؤرة السرد فتاة جميلة هي بطلة الرواية التي تأخذها المقادير إلى حيث لم تكن تتوقع، لتصبح سيدة الظلال الحرة، على رأي الكاتب، ولتجابه ذكورية التاريخ وتنتصر عليها" .. هكذا بدأ الأديب محمود شقير تقديمه لرواية "مسك الكفاية"، أو "سيرة سيدة الظلال الحرة" لباسم خندقجي، المحكوم بثلاثة مؤبدات في سجون الاحتلال، قضى منها عشر سنوات وبضعة أشهر حتى الآن، وكان أصدر في السابق مجموعتين شعريتين: "طقوس المرة الأولى"، و"أنفاس قصيدة ليلية".
وأضاف شقير، في حفل إطلاق الرواية بمتحف محمود درويش في مدينة رام الله، مؤخراً: من هنا، لابد من الانتباه لتفاصيل المشهد الذي يسبق لحظة المفاجأة: فتاة ممشوقة القوام فاتنة، وأمها دائمة القلق عليها، والفتاة لا تطيق البقاء في البيت، فتذهب إلى الحقل حاملة الطعام إلى أخيها، وفي الطريق يقبض عليها أمير الجند، ويظن أنها تحمل الطعام للمتمردين على الخليفة. يدهشه جمالها، وبجملة واحدة يحكم على مسار حياتها اللاحق: أنت ستكونين هديتي إلى مولاي الخليفة.
وأكد شقير في محض حديثه عن رواية "مسك الكفاية": نحن أمام تجربة روائية لافتة للانتباه، تشير إلى عصر سبق لنا أن قرأنا عنه في كتب التاريخ، لكننا هنا أمام عالم مشخص من طموحات البشر، ومن مكائدهم ودفاعهم عن ذواتهم، ولو جاء ذلك على حساب آخرين لا ذنب لهم ولا جريرة .. وقال: حشد باسم خندقجي ذلك كله بسرد ممتع جميل، وبلغة فيها من الشاعرية ما يكفي، وباقتباسات من الشعر والنثر العربيين، ومن سرديات التاريخ، وبحوارات متقنة قادرة على كشف لواعج النفوس ومكنوناتها.
وتابع: هي رحلة جديرة بالكشف، وبتسليط الأضواء عليها، وبتتبعها في تفاصيلها الحميمة، وفي تجلياتها السارة وغير السارة .. إنها الرحلة التي تنطوي على تناقض غير قليل، فالمجتمع الذي يشق طريقه نحو الازدهار، ويفسح في المجال للعلم وللفلسفة وللأدب وللفنون، ظل يضطهد المرأة ويحلل سبيها، وتملكها جارية ومحظية، ولا سبيل أمام المحظية لكي تدافع عن إنسانيتها إلا بالاعتماد على معرفتها، وعلى جمالها، وعلى جملة شروط أخرى بعضها صحيح، وبعضها الآخر غير صحيح، لكي تصل إلى مبتغاها.
وختم شقير حديثه أمام جمهور قاعة الجليل المكتظة بالقول: إنها رواية جديرة بالقراءة، ولا يفوتني في هذا المقام أن أرسل أحر التحيات والتمنيات بالإفراج العاجل للروائي الشاعر الأسير باسم خندقجي.
وكان خندقجي، الذي كلف شقيقه الأصغر يوسف التوقيع على الرواية نيابة عنه، أهداها "إلى الذين لا يقوون على رجمها .. إلى الذين تختلج في قلوبهم آثارها ونزعاتها وأحلامها .. إلى الذين لا يعترفون بإخمادهم الدائم لشهوتها في نفوسهم ... فمن يقوى على رجمها وجلدها من؟!".

تهريب الرواية
وفيما قدم الكاتب والناقد إبراهيم جوهر مداخلة نقدية في "مسك الكفاية"، تحدث فيها عن فكرة تهريب الأدب من السجون، وقال إن رواية باسم هي نطفة مهربة من السجن، قبل أن يتطرق وبشيء من التفصيل إلى الأساليب الفنية والرموز التي عبأت الرواية.
وفي حين أشارت مصادر  لـ"أيام الثقافة"، إلى أنه تم تهريب الرواية بطريقة تهريب المناشير من داخل سجون الاحتلال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أي عن طريق "الكبسولات"، والحديث هنا عن آلاف الكبسولات التي تم ابتلاعها من أسرى محررين وزوار للأسرى، وعلى مدار عدة سنوات، أشار والد الأسير إلى أنها هرّبت مع أسير محرر.
وفي هذا الإطار ألقت د. ليلى غنام محافظ رام الله والبيرة كلمة حيت فيها الأسرى عموماً وباسماً بشكل خاص، ووجدت في الرواية شكلاً من أشكال التحدي للاحتلال، وتعبيراً عن صمود الأسرى، مشبهة خروج رواية "مسك الكفاية" إلى النور من داخل الزنازين، بولادة "سفراء الحرية"، الذين ولدوا لآبائهم الأسرى بعد تهريب نطفهم من داخل الزنازين، وزاد عددهم على الثلاثين مولوداً، في حين شدد بسام الصالحي، الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني على أن باسماً يكتب للشعب الفلسطيني، وهو ليس مميزاً فقط على مستوى الحركة الأسيرة بل على المستوى العربي والعالمي.

أدب السجون
وشدد الأسير المحرر كفاح طافش، على أن باسم خندقجي لا يحب اقتران اسمه كمبدع بكونه أسيراً، وبالتالي يفضل حين صدور رواية أو مجموعة شعرية له، وصفه بالروائي أو الشاعر دون استخدام "الروائي الأسير"، أو "الشاعر الأسير"، لافتاً إلى أنه يسعى لوضع بصمة خاصة تغيّر الصورة النمطية حول أدب السجون في فلسطين، وأنه عمل على كتابة الرواية لأشهر متواصلة زادت على الأربعة، فيما كشف عن أن صديقه بدأ يعمل على رواية جديدة.
وأكد النبأ والد الأسير خندقجي، مشيراً إلى أنه كما هربت رواية "مسك الكفاية"، يمكن تهريب الرواية الجديدة، بل تحدث عن مجموعة شعرية جاهزة لخندقجي، منتقداً الدور الرسمي والأهلي في دعم إبداعات الأسرى على مختلف المجالات، فـ"هناك في سجون الاحتلال، مبدعون أكثر من ابني باسم، يستحقون الدعم"، لافتًا إلى تقصير واضح في هذا الاتجاه، حتى من ذوي الأسرى أنفسهم.

يخرج التاريخ من العلبة
بدوره قال الشاعر خالد جمعة: في روايته الأولى "مسك الكفاية" أو سيرة سيدة الظلال الحرة، يُخرجُ باسم خندقجي التاريخَ من علبته الحديدية، ينظفه، ويبث فيه الحياة، يؤنسنه، بعيداً عن الوقائع الجافة التي تحفل بها كتب السير الماضية، يبعث الحياة في أطراف الحكايات المدرسية التي طالما بقيت حبيسة التواريخ والأرقام والأعداد والمساحات، وبقيت كذلك حبيسة صوت السلطة التي هيمنت على الكتابة فأخرجت كل الحكايات على شاكلة من كُتبت عنهم وعلى وفق رغباتهم.
وأضاف: باسم، ابن الثلاثين عاماً، والذي يقضي حكماً ثلاثياً بالسجن المؤبد منذ عشر سنوات في السجون الإسرائيلية، يمتعنا بكتابه الثالث بعد ديوانيه "طقوس المرة الأولى" و"أنفاس قصيدة ليلية"، ليثبت مرة أخرى أن الاعتقال لا يمكنه السيطرة على الروح المبدعة، بل إنه أحياناً يزيدها اشتعالاً وفطنة وتأملاً.
وختم جمعة: أجزم بأن باسما قام ببحث عميق وطويل قبل أن يكتب هذه الرواية، فما أورده من معلومات عن العصر العباسي "على ألسنة الشخصيات"، وما أورده من أحداث يقول بوضوح إنه قام بهذا البحث بجدية بالغة، ولكن النتيجة لم تأت ملخصاً لبحث في أمور الدولة العباسية، بل جاءت أنسنةً للتاريخ، وقولاً آخر غير القول الذي اعتدنا على سماعه، فقد نجح باسم خندقجي أن يحول تماثيل التاريخ إلى لحم ودم.
ويبقى أن نقول إن رواية "مسك الكفاية"، هي الرواية الثانية لباسم خندقجي، بعد روايته الأولى التي تحمل عنوان "مذكرات رجل يساري"، وكانت صادرتها إدارة السجون عند انطلاقها للحرية مع أحد الأسرى المحررين.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فكرة أخرى عن الموت والحياة
آراء
عريب الرنتاوي
بين فصلين في المسار ذاته
آراء
عبد المجيد سويلم
المغرب: ثبات النهج وشجاعة المبادرة
دفاتر الأيام
سما حسن
ليلة القصف على غزة
اقرأ المزيد ...