ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (5)

2015-01-27


في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة الخامسة.
غ.ز

أستعد الآن للخروج من رام الله الى نابلس..
لماذا ينتابني شعور حميمي جدا تجاه هذه المدينة، وكأنني أريد أن أسير من عمان الى السلط، هذا الحبل السري الذي يربط المدينتين؛ نابلس والسلط، يجعلني أتوقف متأملا بالتداعيات التاريخية لهما، وبالفسيفساء المجتمعية هنا وهناك، ولكني واثق من أني سأجد رأي العين تلك العلاقة في زيارتي هذه، ربما من خلال العمارة المتشابهة، أو بتداعيات ذاكرة صناعة الصابون، وبالتاكيد هناك وشائج أخرى مشتركة بين الناس في كلتا المدينتين، فالبلاد واحدة!!

سوق الخان
أتبع حاسة السمع والشم في نابلس..
هذا أول انطباع كان حين دخلت المدينة، رائحة الزعتر، ودكاكين العطارة، والمصابن، أصوات الباعة، وأحاديث الناس، والترحاب الذي يزف المحبة كأول انطباع.
 أتبع خطواتي التي أسير وراءها، كأني مستلب لحالة التمعن في الاتجاهات لأختزن الكثير في أول زيارة لنابلس ومعي صديقي المَشّاء يوسف الشايب، لتكون أول محطة في مطعم خميس، والافطار فولاً وحمصاً وفلافل، وخبزاً نابلسياً، ثم نتابع.
 كان هذا البدء أول النهار، حيث سوق الخان، نمشي به، وأقدامنا لا تمل تلمس الدرب الضيق فيه، والعيون مندهشة من الحوانيت القوسية على جانبي الطريق الضيق، وازقة متعددة تجعل من المدينة القديمة دمشق ثانية، بنكهتها، وهندستها، وروحها.
 أصل مسجد الحنبلي، وأبحث عن حارة الياسمينة فأصلها، في الزاوية الجنوبية الغربية من المدينة القديمة، وأستحضر ذاكرة فيها، مرتبطة بالجهاد، والتاريخ، وجامع الساطون، وقصر عبد الهادي، وعطارة بريك.
 أتذكر وأنا وسط حارة الياسمينة، صديقي الفنان محمد الجالوس، حضر مرة الى نابلس، ورسم كثيرا من اللوحات من وحي هذه الحارة، ومع ألوانه المائية، وخطوطه، وأحاسيسه، كأنه يستمطر الحنين الساكن في داخله.
ها أنا أتهجد في المكان،  وقريبا من هنا أمر على حارة السمرا، ذاكرة وتاريخ آخر، ثم أمشي ومعي يوسف.. أقول: «يا يوسف، هل سيسعفنا يوم لنرى ما نريد أن نرى». ويوسف لا يجيب، بل يقول: «أنا حفيد هذه الازقة، أخوالي ما زالت عِلّيتهم، وعتبتهم، ودرج بيتهم في نابلس القديمة».

دمشق الصغرى
سأتوقف قليلا عند عتبة واحد من البيوت العتيقة، أستعيد ما تختزنه الذاكرة عن نابلس، في التاريخ، وتداعيات ماضيها.. أنسلّ بروحي، من الواقع الآن، برفقة يوسف، وأعود الى الوجدان، والكتب العتيقة التي قرأت فيها عن «جبل النار.. وقلب فلسطين».. وكأنني كنت في هذه المدينة، حين كتب الشيخ الرحالة عبد الغني النابلسي، عنها، قصيدته التي أتمثلها الآن:
«إن لــي قــومـــا بنـابـلـس    يألفون الحفظ للذمم
قل لمن قد جاء ساحتهم    جئت أهل الجود والكرم
ســـادة ما مثــلــهـم أحـد    في معالي العزم والهمم
ضيفـهم ثـاوٍ ببحر الندى    أو بغيبٍ منه منسجم
وبهم يسـلو الغـربـي فــلا    يرتضي أوطان غيرهم
لا أزال الـلـــــه رونـــق مــــا    في وجوه القوم من نِعَم»
ها أنا أستنطق ماضيها المنير، وحاضرها المشرّف، حيث هي تعد من أقدم المدن، كنعانية الذاكرة، يعود تاريخها الى ما قبل 9000 سنة، دعاها بناتها الكنعانيون الأوائل شكيم، أي نجد أو الأرض المرتفعة، حيث يمتد عمران المدينة بين جبال عيبال شمالا وجرزيم جنوبا، وبينهما واد يمتد نحو الغرب والشرق.
تاريخ نابلس مرتبط بالنضال، والكفاح، والصمود، ففيها كانت معركة مجدو في العصور القديمة، ومعركة عين جالوت في العصور الوسطى، ومعركة صانور في العصور الحديثة، غير نضالاتها التي لا تتوقف ضد كل من يعتدي عليها.
لقبها المؤرخ المقدسي بـ»دمشق الصغرى»، ووصفها المؤرخ العمري، بأنها «مدينة يُحتاج اليها، ولا تحتاج الى غيرها»، بسبب وفرة خيراتها. وفي معجم البلدان يقول عنها ياقوت الحموي: «مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين، مستطيلة لا عرض لها، كثيرة المياه، لأنها لصيقة في جبل، وبظاهر نابلس جبل ذكروا أن آدم عليه السلام سجد له».
أما شيخ الربوة فقد ذكر نابلس في (نخبة الدهر في عجائب البر والبحر)، حيث أشار الى أن «مدينة نابلس ذات أمياه جارية، وحمامات طيبة، وجامع حسن تقام فيه الصلوات، وتكثر قراءة القرآن به ليلا ونهارا، والاشتغال به كثير، وهي كأنها قصر في بستان، قد خصها الله تبارك وتعالى بالشجرة المباركة وهي الزيتون، ويحمل زيتها الى الديار المصرية والشامية وإلى الحجاز والبراري مع الرعيان، ويحمل الى جامع بني أمية منه في كل سنة ألف قنطار بالدمشقي، ويعمل فيه الصابون الذي يحمل الى سائر البلاد الذي ذكرنا، والى جزائر البحر الرومي، وبها البطيخ الأصفر الزائد الحلاوة على جميع بطيخ الأرض».

السامريون.. وابراهيم، وفدوى
أرى أفرادا من الطائفة السامرية، هناك في جبل جرزيم، صاروا معلما وجزءا من المدينة، منذ أقدم السنين، ولا أخرج من نابلس، قبل أن أتذكر الشاعر ابراهيم طوقان، وأردد له، ما تربيت على إنشاده: «مَـوطِــنــي مَــوطِــنِــي .. الجـلالُ والجـمالُ والسَّــنَاءُ والبَهَاءُ
فـــي رُبَــاكْ فــي رُبَـــاكْ ..  والحـياةُ والنـجاةُ والهـناءُ والرجـاءُ
فــي هـــواكْ فــي هـــواكْ .. هـــــلْ أراكْ هـــــلْ أراكْ
سـالِماً مُـنَـعَّـماً وَ غانِـمَاً مُـكَرَّمَاً .. هـــــلْ أراكْ فـي عُـــلاكْ
تبـلُـغُ السِّـمَـاكْ تبـلـغُ السِّـمَاك».
وأتذكر معه، أيضا، فدوى طوقان، كنا رددنا على مقاعد، قصائدها.. واحدة منها تبقى نشيجا يدمي القلب، فيها تقول فدوى:
«على أبوابِ يافا يا أحِبائي
وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ
وقفْتُ وقلتُ للعينين :
يا عينين قِفا نبكِ
على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها
تُنادي مَنْ بناها الدارْ
وتَنعى مَنْ بناها الدارْ
وأنَّ القلبُ مُنسحقاً
وقال القلبُ :
(ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟
وأينَ القاطنونَ هُنا ؟
وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟
هُنا كانوا، هُنا حلموا
هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي
فأينَ الحُلْمُ والآتي؟ وأيْنَ هُمُو؟
وأيْنَ هُمُو ؟)
ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ
ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو
وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ
وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ
غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ، وكان
يُحوِّمُ في حواشيها
يمدُّ أُصُولَه فيها
وكانَ الآمِرَ الناهي
وكانَ ... وكانْ ...
وغُصَّ القلبُ بالأحزان»

باب الساعة.. ومسجد النصر
 يحثني رفيق الدرب، أن أخرج من تداعيات الذاكرة، وأسير وراءه، وكأنه يريد هو أن يستعيد صور طفولته هنا، أثناء تحركه في هذه الامكنة حين كانت زياراته لأخواله فيها.. مشينا.. ومررنا على برج الساعة وسط ساحة باب الساعة، حيث بني البرج بمناسبة مرور 25 سنة على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني العرش العثماني، وأمام البرج كان حديث شيق حميمي مع كهل يشوي اللحم في محل صغير مقابل مسجد النصر، وكأنه حارس ذاكرة هذاالمكان.. قال الكهل: الساعة أقدم من المسجد، فهي من عهد السلطان عبد الحميد، أما المسجد فقد أعاد بناءه الحسيني، وهو في الأصل من أيام صلاح الدين الأيوبي، كان قد بني على أثر كنيسة بيزنطية.
صمت الكهل، ثم أشار الى شرفة تقابل الساعة، وقال «هناك كان يجلس الحاكم العثماني، وهناك أيضا، سكن اللورد كارلتون».
طريق الصابون
ألقي التحية على الكهل، وأتابع مسيري، لأكسب الوقت، حيث أن بضع ساعات لا تكفي لقراءة هذا الزخم من التاريخ، والساعة الآن تشير الى الثانية والنصف.. موعد الغداء للعاملين في المصابن، لكن رغم ذلك سأنتظر لأزور إحدى المصابن، إذ كيف يمكن للآتي من البعيد الى نابلس دون أن يزور مصبنة، ويشتري الصابون، ويعيد أيام الخير، قبل صرعات الكريمات والشامبوات الحديثة.
أصل الى إحدى المصابن القديمة، أدخلها، وأشتم رائحة عراقة معتقة فيه، وهنا ألظم ذاكرة أحد الخيوط الواصلة بين نابلس والبلقاء.. كان طريق الصابون عامرا بين أهل البلقاء والسلط، وبين نابلس، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث كان بدو البلقاء، يزودون نابلس بمادة القلو (القلي) العنصر المهم في صناعة الصابون، فعمرت التجارة، وزادت أواصر القربى، والمحبة، وكانت الحركة بين تجار نابلس وإخوانهم في البلقاء، وتطورت الى علاقات اجتماعية، وتحالف حميمي بين الطرفين..
أترك المصبنة، وأتجه الى محامص بن بريك، تأسست كما هو مكتوب في اللافتة عند البوابة عام 1936م، في هذا المكان أجد كل شيء، عطارة، وصابون، وقطين، وورق غار، وزعتر، وفخار، وسماق، وهو متحف تراثي أيضا.
نتابع المسير، وكأن الساعة تتابعنا مستمتعة بلهاثنا وراء مشاهدة أكبر قدر من تلك الذاكرة، كأننا في سباق معها، وهي لا تكترث بنا، فقد مرّ عليها كثيرون مثلنا.. بعض تعب أخذنا، استرحنا قليلا في حمام الشفاء التركي، تجولنا فيه، وتأملنا تفاصيله، ثم عرجنا الى مكان قريب حيث تمرية عرفات، جلسنا وكان حديث حميمي، والحلوى تمرية، الأقدم والأطيب هنا، وثقافة الطعام جانب آخر في نابلس، إرث من الحلوى، كنافة نابلسية، زلابية، حلاوة قرعية، هي من القرع تصنع، ونمر على اقدم الحلاقين.

مسك الكفاية.. رواية في كبسولة!!
وماذا أيضا.. ها نحن، نزور المكتبة الشعبية، قصة أخرى هناك: صورة الحفيد الأسير المحكوم عليه بالسجن ثلاثمائة سنة، الشاعر والروائي باسم خندقجي، وحكاية يرويها عنه جده، وأبوه، وأخوته.. للمعتقل السجين باسم خندقجي ديوانا شعر ورواية، ولهذه التفصيلة تداعيات تحكى عن كيفية تهريب الرواية في كبسولة من السجن، حيث كل جزء من ورقة توضع في كبسولة.. إنها ثلاثمائة صفحة، مكتوبة بخط صغير، كل صفحة تم تهريبها في كبسولة، حيث تصدر الرواية، بعد طول معاناة تحت اسم «مسك الكفاية/ سيدة الظلال الحرة».
 يُضَيِّفنا الأهل الطيبون في المكتبة من «كنافة الأقصى».. ويحملونني تحية وسلاما، وخمس نسخ من الرواية، أوصل واحدة منها الى الصديق الدكتور فيصل دراج، وأخرى الى الروائي الياس فركوح، وثالثة للقاص سعود قبيلات، والبقية أهديها باسم السجين «باسم خندقجي» الى أصدقاء يرسلون له، ولأهله، التحية والتضامن والأمنيات بالافراج عنه، والنصر القريب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فاتحة لبدايات القرن !
آراء
مهند عبد الحميد
دعوا الشعب اليمني يعيش ويقرر!
آراء
عبير بشير
حسن نصر الله: الأمر لي
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أنا والغريب
اقرأ المزيد ...