ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (4)

2015-01-20


في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة الرابعة.
غ.ز


كل زهرة لها حكاية، وللشجر قصص، وللممرات ذاكرة، وللمساحات الخضراء موسيقى مغلفة بالشجن، هناك، حيث تماهيت مع تلك التفاصيل أول ما دخلت حديقة البروة التي تضم في حضنها ضريح الراحل الكبير، الشاعر محمود درويش.. وكأن للشاعر ديوانه المكتوب من نبض الريف الفلسطيني، بموازاة شعره الذي حاكى فيه فضاءات العالم الإنساني أجمع.

«الحياة.. حتى آخر قطرة»
أصل متحف محمود درويش، في حديقة البروة، في رام الله، على تلة تطل على القدس.. أهيم في حضرة الغائب.. أقف أمام قبره، والصمت في هذا المقام صلاة، وتداعيات من وحي شعره ونثره وسيرته.. قلت سلاما على تلك الروح الشفيفة النقية. قرفصت أمامه، وتلمست الرخام، فشعرت بدفء الترحيب، وكأن الشاعر يبتسم للقادمين إليه، كما الحجيج إلى كعبة شعره، ونقاء روحه، وزمزم إبداعه، ونبيذ سرده.. كأنه يُذَكّر بتلك القصيدة من ديوان «أثر الفراشة»، عنوانها «الحياة.. حتى آخر قطرة».. كأنه يعيد قراءتها:
«وإن قيل لي ثانية: ستموت اليوم،
فماذا تفعل؟ لن أحتاج إلى مهلة للرد:
إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ
ظمآن شربتُ. وإذا كنت أكتب، فقد
يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا
كنت أتناول طعام الغداء، أضفت إلى
شريحة اللحم المشويّة قليلا من الخردل
والفلفل. وإذا كنت أحلق، فقد أجرح
شحمة أذني. وإذا كنت أُقبِّل صديقتي،
التهمت شفتيها كحبة تين. وإذا كنت
أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا
كنت أقشّر البصل ذرفتُ بعض الدموع.
وإذا كنت أمشي واصلت المشي بإيقاع
أبطأ. وإذا كنت موجودا، كما أنا الآن،
فلن أفكر بالعدم. وإذا لم أكن موجودا،
فلن يعنيني الأمر. وإذا كنت أستمع الى
موسيقى موزارت، اقتربت من حيّز
الملائكة. وإذا كنت نائما بقيت نائماً
وحالما وهائما بالغاردينيا. وإذا كنت
أضحك اختصرت ضحكتي إلى النصف احتراماً
للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا
بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو
كنت أشجع من أحمق، وأقوى من
هرقل؟».
 
متحف محمود درويش
تابعت دخولي مقام متحف محمود درويش..
استقبلني مدير المتحف الصديق سامح خضر، تجولت فيه؛ لوحات تناجي الغائب، بعض مقتنياته، مكتبه، قلمه، ونظارته، ركوة القهوة، وبعض أوراقه، والمكان عابق بروحه، وشعره، ومحبة العالم له.. تابعت.. ووقفت على إطلالة الموقع، لأشاهد من بعيد أمكنة لم أستطع الوصول إليها، هناك القدس.. وكانت أمسيتي في المتحف، وحضر أصدقاء لم أرهم منذ زمن بعيد؛ عانقت الدكتور إبراهيم أبو هشهش، وفرحت بصديقي الجميل الشاعر ماجد أبو غوش، وكان حاضرا المبدع المخرج ايهاب زاهدة الذي جاء من الخليل، وكان آخر لقاءاتنا في تونس خلال مهرجان قرطاج المسرحي السابق، وبحميمية أخوية التقيت الصديق أكرم الحمري، رفيق ذاكرة الجزائر قبل سنوات طويلة، جاء من بيت لحم، بعد طول غياب لنلتقي في أكناف محمود درويش، والتقيت غيرهم من الأصدقاء.. وكان الحوار دافئا كقلوب الأهل هناك.

مبدعان كبيران
كأن ظلال محمود في كل مكان في رام الله، إذ ليس صدفة أن يكون موقع إقامتي، وفندقي، أمام مركز خليل السكاكيني.. هناك، في فندق «بيوتي إن»، كان صاحبه الدمث الطيب
المضياف «أبو أندريه»، غمرني بلطفه، مساء كل يوم صرت ألتقيه، وجلسنا عدة مرات، مرة منها حدثني عن محمود درويش، قال عندما تم اجتياح رام الله العام 2002م، كنت أقوم ببناء هذا الفندق، وكنت في الوقت الذي يهرب الناس من هنا، أعمّر هذا المكان، أريد أن أبقى، وكان هناك عمال يعملون هنا، وحين يأتي جنود الاحتلال، كنا نختفي، أو نبتعد، ونوقف العمل.. مرة كنت أقف أمام هيكل البناء، وكان الجنود قريبين من المكان، وكنت حذرا، والعمال مختبئين، حين التقطت اذني صوت ارتطام ثمرة فاكهة قريبا مني، والتفت الى الجهة المقابلة، فكان محمود درويش الذي أشار لي أن الجنود قد ابتعدوا، واقتربت باتجاهه، وأشرت للعمال بمواصلة أشغالهم، بينما تمشيت معه قليلا..
هكذا يحضر درويش، نزر ذاكرة وحكاية عند كثير من أهل البلاد هناك.. مرّ عندي صديقي يوسف الشايب، ومضينا إلى مركز خليل السكاكيني، مشياً، فالمسافة التي تفصلني عنه عدة أمتار، ودخلت المركز، وقفت عند بورتريه طولي لدرويش، ثم دخلت إلى مكتبه، وجلست قليلا هناك في حضرة الشاعر، ثم تجولت داخل المركز الذي يحتوي في جنباته على ذاكرة عظيمين، مبدعين، هما خليل السكاكيني (1878 - 1953)، ومحمود درويش، وكل واحد في زمن مختلف، لكنهما كان أثرهما عميقا ثقافيا وإنسانيا.
 
خليل السكاكيني.. ونشيد الثورة
تنبض الذاكرة بمنهاج الدراسة الابتدائية، كنت ممن درسوا العربية من خلال كتاب خليل السكاكيني للصف الأول الابتدائي، والذي يبدأ بدرس كلمتي «راس.. روس»، وكانت الصورة تثري الكلمة، كان هذا أثره واضحا، هو الذي أسس في المناهج التربوية، وقد كان شاعرا، ومعلما، وسياسيا، ومفكرا.
أستعيد جوانب من تلك السيرة، أكثر، وأنا أتجول في مركز السكاكيني في رام الله، مما عاينته وقرأته، حين كانت زيارة لي، وكتابة، حول قرية أبو اللسن، جنوب الأردن، في محافظة معان.
أعود بالزمن الى العام 1918م، حيث إن خليل السكاكيني سجن لدى العثمانيين، وكانت إقامته الإجبارية في دمشق، ثم هرب هو ومجموعة من الشباب الأحرار، للالتحاق بجيوش الثورة العربية الكبرى، وقد مروا في طريقهم على قرية القريا في جبل العرب، وتابعوا مسيرهم إلى جنوب الأردن، إلى قرية أبو اللسن، وكان هناك الأمير فيصل بن الحسين قائد جيوش الثورة العربية الكبرى، وكتب هناك نشيدا وطنيا، صار نشيد الثورة العربية الكبرى.. يا الله، كيف يكون للتاريخ طعم مختلف، عندما يأتي هذا الربط الوجداني، عفو الخاطر، بعد عشرات السنين، على هذا النحو، ها أنا في رام الله، وفي حضرة الكبيرين (السكاكيني، ودرويش)، وأستعيد النشيد الذي كتبه السكاكيني، في ذاك الوقت:
«أيها المولى العظيم فخر كل العرب
ملك الملك الفخيم ملك جدك النبي
نحو هذا الملك سيروا قبل فوت الزمن
وعلى الخصم أغيروا لخلاص الوطن»
تداعيات كثيرة حملتها زيارتي لمركز السكاكيني، وأعادتني إلى مرحلة عاشها، وقصة حياته، وتفاصيل نضاله، وإنسانيته العالية، ومواقفه الوطنية، كل هذا كنت أتلمسه، حتى وأنا أقف تحت شجرة التين العتيقة التي ما زالت صامدة أمام الدرج المفضي إلى بورتريه درويش، ومكتبه.

زيارة «الأيام»
لم يكن لي برنامج محدد في رام الله، كنت أريد أن أعرف كل ما أستطيع عنها خلال أيامي المعدودة فيها، وأريد أن التقي الأصدقاء، ما استطعت إليهم سبيلا، وكانت وجهتي القادمة هي جريدة «الأيام»، لي فيها أصدقاء أحبهم، وأيضا، أنا ممن يداوم على قراءة هذه الصحيفة، فكانت محطتي التي أحب، حيث كان لقاء الأستاذ أكرم هنية، رئيس التحرير، سريعا عند بوابة الجريدة، ولكن فنجان القهوة كان عامرا بالمحبة والذكريات الطيبة مع الصديق الشاعر غسان زقطان، وبحضور الروائي الجميل أكرم مسلم، والصحافي الصديق يوسف الشايب، أخذتنا الأحاديث نحو مساحات كثيرة، وأصدقاء مشتركين، وصلنا إلى قرية الكرامة في غور الأردن، حيث كان لغسان زقطان ذاكرة هناك، وكنت قد زرتها، وكتبت عن سيرة تفاصيلها المعتقة، والناس الذين عمروها، وعايشوها.. مضى الوقت سريعا في جريدة الأيام قبل أن أخرج من هناك، ويتابع الأصدقاء عملهم الذي ينتظرهم.
 
«المقاطعة».. أمام الضريح
خرجت من «الأيام»، منتشيا بمحبة الأصدقاء هناك..
وفي وقت آخر، توجهت إلى «المقاطعة»، كنت أعود حين وصلت هناك إلى فترة كان فيها المرحوم الرئيس ياسر عرفات محاصراً هناك، نهاية العام2001م، حين تحركت آليات العدو ودباباته وجنوده، بأمر من شارون، إلى مقر الرئاسة الفلسطينية، لمنع أبو عمار من الخروج إلى المدن الأخرى، ومنعه أيضا من حضور احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم، ثم في 28 آذار 2002م، اجتاحت القوات الاسرائيلية كل رام الله، واحتلت المقاطعة، وحاصرت أبو عمار فيها، وقطعت عنه الكهرباء والماء .. ما تزال في الذاكرة تلك الصور التي تناقلتها الفضائيات، وصوته ردا على ما حدث: «إسرائيل تريدني سجينا أو قتيلا أو أسيرا. أقول لهم: لا، سأكون شهيداً، شهيداً، شهيداً..».
أقف أمام الضريح.. حكاية نضال أسطوري تسكن هذه المساحة أمامي.. أقرأ الفاتحة على روح الشهيد المرحوم الرئيس ياسر عرفات، وأتابع مسيري نحو أمكنة أخرى في رام الله، تلك الفضاءات التي تعيدني أمام كل طيف منها إلى ذاكرة مختزنة، أو تاريخ مكتوب، أو حنين معتق، سأمر على «رام الله التحتا»؛ عبق المدينة القديمة هناك، تفاصيلها، وبيوت تحمل رائحة المعتق من الذاكرة، ثم أستريح قليلا في «المغارة»؛ مكان أليف دافئ، فيه جمع الندمان من الأصدقاء، والمثقفين، وموسيقى، ووجه «شادي زقطان» الدافئ، وروحه الجميلة تطغى على المكان.. كم أنت حميمية يا ليالي رام الله.. الله ما أجملك.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فكرة أخرى عن الموت والحياة
آراء
عريب الرنتاوي
بين فصلين في المسار ذاته
آراء
عبد المجيد سويلم
المغرب: ثبات النهج وشجاعة المبادرة
دفاتر الأيام
سما حسن
ليلة القصف على غزة
اقرأ المزيد ...