روايته المقبلة فيها «محور أساسي قائم على علاقة حب معقدة»

أحمد سعداوي: أنتظر إعلان الفائز بـ"البوكر 2015" لأتحرر من دائرة الضوء !

2015-01-20

حاورته بديعة زيدان:

أشهر قليلة، ويعلن خليفة للروائي العراقي أحمد سعداوي على عرش «البوكر» بنسختها العربية، بعد أن كان أول من تجمع لجنة التحكيم، منذ إنشاء الجائزة الأشهر للرواية على المستوى العربي، على استحقاق روايته «فرانكشتاين في بغداد» للجائزة .. سنة كاملة، إلا قليلاً، تمرّ على حصول سعداوي على الجائزة، كان فيها الكثير من التطورات والحكايات .. معه كان لـ»أيام الثقافة» الحوار التالي:

• بداية .. ما آخر أخبار «فرانكشتاين في بغداد»؟
تم بشكل رسمي الاتفاق على الترجمة الانكليزية للرواية، بعد أن اشترت دار «وون وورد» البريطانية بالتعاون مع «بنغوين» الشهيرة حقوق الترجمة، ويعمل على الترجمة الآن جوناثان رايت، وهو واحد من ابرع المستعربين البريطانيين، وحاصل على جوائز عدة في مجال الترجمة إلى الانجليزية.
كما وقعت عقود كل من الترجمات الفرنسية والاسبانية والايطالية، فيما باتت الترجمة اليابانية كاملة على يد البروفيسور نتسومو اوكادا، وما زال التفاوض جارياً من أجل اختيار دار نشر يابانية مناسبة لنشر هذه الترجمة، وهناك مفاوضات على ترجمات أخرى لم يجر الاتفاق حولها بعد.
الرواية دخلت ضمن مادة البحث الاكاديمي لعدد من الرسائل الجامعية في جامعة قسنطينة الجزائرية وأصفهان الايرانية، وهناك عدد من الرسائل الجامعية في العراق، وخاصة في مجال الادب والعلوم الاجتماعية اختارت الرواية كعينة للبحث، كما أنها قدمت كعينة في رسالة طالب عراقي يدرس الماجستير في احدى الجامعات البريطانية.

تحرر من الضوء
• ما الذي تغير في حياة احمد سعداوي منذ ليلة اعلان الجائزة وحتى اليوم؟   
أشياء كثيرة تغيرت.. لا شك ان الجائزة وصداها الاعلامي جعلني وجعل الرواية في دائرة الضوء، وهذا ما سهّل التعرف إلى الرواية ـ وبالتالي قراءتها من قبل قطاع واسع من القراء، وهذا بالتأكيد طموح كل روائي وكاتب، وأعني أن يصل الى اكبر مساحة ممكنة من القراء.
الشيء المهم بالنسبة لي أن الرواية حققت قبولاً لدى قطاعات متنوعة من القراء، حتى أن هناك مراهقين قرؤوا الرواية وتفاعلوا معها، رغم ان الرواية غير موجهة الى هذه الشريحة.
الشيء الثاني المهم بالنسبة لي، ان الرواية صارت نافذة لتعريف قراء عرب واجانب على جانب من الاوضاع العراقية الحالية، وكم كنت سعيداً بالانطباعات التي تحدثت عن مساهمة الرواية في فهم ما يجري داخل العراق من اوضاع معقدة، وأنها زادت من التعاطف الانساني مع المحن التي يعيشها المواطن العراقي اليوم ... كما أنها فتحت أعين البعض على الادب العراقي الحديث، وزادت من فضولهم باتجاه قراءة الروايات العراقية، وصاروا يبحثون عن الروايات العراقية بغض النظر عن كون من كتبها سعداوي أو غيره، وهذا أمر مهم جداً كما اعتقد.
على المستوى الشخصي اضطررت الى التحول الى سكرتير لـ «فرانكشتاين في بغداد»، للرد على الرسائل والاستجابة الى المناسبات والدعوات التي توجه إليّ، والتواصل مع الاعلام، وهو رغم أنه من المكاسب الناتجة عن الفوز بالجائزة، إلا انه أبعدني عن مشاريعي الكتابية، وأربك جدول أعمالي والتزاماتي، ومن حسن الحظ أنه أمر موسمي، وانتظر على أحر من الجمر الاعلان عن الفائز الجديد بـ «البوكر 2015» حتى تذهب دائرة الضوء باتجاهه وأتحرر منها.

الشهرة في بغداد
• هل أنت منزعج من الشهرة على الصعيد الشخصي، مثلا في الشارع أو التاكسي أو السوبرماركت ام انه احساس جميل ان يكون الشخص معروفا؟
بالتأكيد هو شعور جميل.. مبادرة اناس في الشارع لمصافحتك والسلام عليك أو التقاط صور معك هو تعبير عن حب وتقدير.
ولكن هؤلاء ينقسمون إلى فريقين؛ الأول هو من تعرف علي من خلال التغطية الاعلامية في التلفزيون أو الصحف.
إنه يتعرف علي في الشارع او السوق او المكان العام كشخصية قامت بشيء جيد، من دون معرفة التفاصيل. أما الفريق الثاني فهم اولئك الذين اقتنوا الرواية وقرؤوها وأعجبوا بها.
النجومية التي تأتي بها وسائل الاعلام تبقى موسمية.. ضوء شديد لفترة محددة ثم تنشغل وسائل الاعلام بمادة جديدة، أما الذي تعرف عليّ من خلال كتابي فبالتأكيد سأبقى حاضراً لديه لوقت أطول.
بالنسبة لي لا أتقبل الامر بمجمله دون قلق، فبالإضافة الى تقييد الحرية الشخصية، بسبب قدرة الآخرين على رصدك والتعرف عليك، فاننا نعيش في بلد مضطرب.. وانا كنت خلال سنوات طويلة احاول العمل والحركة وراء الستار، مجرد اسم في صحيفة او صوت في مذياع، أو معد لبرامج لا يظهر اسمي عليها، حتى أدوات عملي كمراسل في بغداد لاذاعة البي بي سي (2005-2007)، كنت أحملها في كيس تسوّق عادي، حتى لا أثير انتباه الآخرين.
وبالنسبة لشخص من هذا النوع لن يستطيع ابعاد القلق عن نفسه، حين يوقف سيارة أجرة آخر الليل في بغداد، فيبادره السائق قائلاً: انا اعرفك.. رأيتك في التلفزيون.. أن تكون «رجلاً خفياً» يعطيك حرية أكبر في الحركة والحياة، خصوصاً في بغداد.

المشاريع المقبلة
• هل ساهم الاعجاب المتزايد بالرواية في تحديد حريتك تجاه مشاريعك المقبلة؟ .. هل ستكتب روايتك القادمة استناداً الى النمط الذي كرسته في «فرانكشتاين في بغداد» وأعجب قراءك، أم تفكر بشيء مضاد؟
لا شك أن نجاح عمل ما سيؤثر في خيارات الكاتب اللاحقة.. كل ما سبب النجاح لفرانكشتاين في بغداد هو فرضيات أنا اؤمن بها في الكتابة الروائية، وبالتأكيد سأظل مؤمناً بها واعمل على تعزيزها وتقويتها وتطويرها في أية رواية قادمة، ولكني لن أدخل الى زقاق سبعة في حي البتاويين مرة ثانية، ولن اكرر اجواء او قصص واحداث ومناخ فرانكشتاين في بغداد.
هناك رسائل عديدة خلال العام الماضي طالب مرسلوها بأن اكتب جزءاً ثانياً من الرواية، واعرف تماماً انني في حال كتابتها ستباع وتنجح في السوق، على الاقل لدى من اشترى الرواية الاصلية واعجب بها، ولكن من يضمن أن هذا الجزء الثاني سيكون بقوة الرواية الاصلية أو يمثل تطويراً ونمواً وليس عملاً مصطنعاً.. من يضمن أن الجزء الثاني سيكون وفياً للنوع الأدبي وجوهر السؤال الفني والمعرفي لدى الروائي؟ ثم ما الداعي للقيام بهذه المغامرة مع وجود مشاريع روائية مختلفة وجديدة؟!
لدي عدة مشاريع اعمل عليها منذ فترة، وبعضها يعود الى فترة ما قبل كتابة «فرانكشتاين في بغداد» ونشرها، وما زلت أعمل فيها واطورها، ولكني لا اعرف متى تكتمل، فليس من الضروري اصدار رواية بقدر أهمية منحها الوقت والجهد الكافي لكي تنضج وتكون مختلفة ومتميزة وتضيف للجنس الروائي شيئاً جديداً.

ما بعد الربيع العربي
• وصفت مجلة النيويوركر الاميركية روايتك بأنها تمثل اليوم رأس حربة في رواية ما بعد الربيع العربي، والتي تمثل جيلاً جديداً من الكتاب الروائيين في العالم العربي.. هل كنت تفكر بالربيع العربي .. هل هناك مزايا معينة لرواية من هذا النوع؟
الوصف الذي استخدمته المجلة جاء بسبب نشر الرواية ثم فوزها في العام 2014، أي ما بعد قيام الربيع العربي ثم تداعيه واضمحلاله كما نرى اليوم، وبالتأكيد لم أكن افكر بهذا الوضع السياسي العام اثناء كتابة الرواية.
ذكرت في عدة حوارات ولقاءات سابقة أنني بدأت بكتابة الرواية في منتصف العام 2008، ووقتها لم يكن هناك أي وجود لربيع او خريف عربي، واستغرقت كتابة الرواية اربع سنوات حتى اكتملت وصارت جاهزة للنشر.
المثير في الأمر أن الرواية التي كانت تتحدث عن وضع عراقي خاص لا وجود له في منطقة عربية أخرى، صار لاحقاً وضعاً عاماً، فانهيار النظم الديكتاتورية والشروع بعهد الديمقراطية بمصاحبة يقظة الانقسامات الاجتماعية، وحضور أشكال مروعة من العنف والدمار، والذي هو وصف للوضع العراقي سياسياً واجتماعياً صار انموذجاً مكرراً في عدة بلدان أخرى.
أنا كنت افكر بوصف جانب من المشكلة العراقية، ويبدو أن هذا الوصف أفاد آخرين في اضاءة اوضاع عربية عامة.

الرواية السياسية
• هل على الرواية الجديدة اليوم ان تكون سياسية لكي تنجح؟ .. هذا الامر لا يشمل روايتك فقط، وانما العديد من الاعمال الروائية العربية الجديدة.
الموضوعة السياسية بحد ذاتها لا يمكن ان تكون سبباً في نجاح او رواج عمل روائي.. الرواية في نهاية المطاف هي عمل فني، وتخضع في المحاكمة والنظر والفحص الى تاريخ النوع الروائي ومجمل الاشتغالات والاساليب والأدوات الفنية، وكذلك اطلالة الرواية، باعتبارها عملاً أدبياً معنيا بالانسان ومشاغله، على المشاكل العميقة لدى الإنسان بغض النظر عن السياق الاجتماعي أو السياسي والتاريخي الذي يتحرك فيه.
لا أومن بصلاحية رواية ما لأنها تتحدث عن مشكلة راهنة، وانما باعتبار المشكلة الراهنة تكشف مشاكل جوهرية أعمق لدى انسان ما في مكان وزمان محددين.
غير أن الفن الروائي بشكل عام صار اليوم، اكثر من ذي قبل، مرتبطاً بالفضاء الذي يتحرك فيه، بحيث من الصعب أن يتجاهل ما تبثه وسائل الاعلام والميديا ووسائل التواصل الاجتماعي، والمعالجات التي يتم طرحها حول مجمل قضايا الانسان، كذلك حضور الصورة باعتبارها ناقلا أساسيا للمعلومات، بحيث تساهم في تنميط الوعي العام وطريقته في تلقي الرسائل المتضمنة في الميديا والفنون والآداب.
وبالعودة الى موضوع السياسة، فإننا نراها حاضرة في كل تفاصيل حياتنا، وحتى لو لم تتحدث الرواية بشكل مباشر عن قضايا سياسية، فإن آثار هذه السياسة تبقى حاضرة ومؤثرة في تفاصيل القصص المروية، حتى وإن بشكل غير مباشر.
ومن المهم ليس هو تناول أو عدم تناول السياسة داخل الرواية، وانما كمية المعرفة وعمق النظرة التي يقدمها الروائي تجاه القضايا التي يطرحها.

ضرورة التنويع
• كل رواية لك تحدثت عن فترة زمنية مكملة للأخرى في العراق، هل ستستمر على هذا النهج أم انك تفكر بتغير جذري في الرواية القادمة، وهل من الممكن أن تكون رواية حب وغرام خالية من الدم والأشلاء؟؟
المراحل التاريخية والخلفيات الاجتماعية للشخصيات وغير ذلك مجرد مادة أولية لانشاء الخطاب. .اذا وجدت ضرورة للعودة الى مرحلة تاريخية محددة أكثر من مرة فلا أرى مانعاً من ذلك.
بالتأكيد التنويع ضروري، ويعطي امكانية للكشف عن قدرات ومواهب الكاتب أكثر، وأعتقد أن كل كاتب يسعى دائماً لاعطاء شيء جديد في روايته التالية.
الرواية، كما أرى، هي تركيب بين مجموعة قصص، وقصص الحب والغرام وما الى ذلك، لا أعتقد أنها كافية، بالنسبة لي على الاقل، لكي تكون هي وحدها مادة الرواية.. كانت قصة الحب هي العمود الفقري في روايتي الأولى «البلد الجميل» ولكن الرواية كشفت أيضاً مستويات من العلاقات الاجتماعية والمشاعر والمواقف، واعطت اضاءة للخلفية الاجتماعية لعراق التسعينيات، ابان قسوة العقوبات الاقتصادية الدولية.
ولن أكشف سراً حين أقول؛ إن روايتي المقبلة فيها محور أساسي قائم على علاقة حب معقدة، ولكن، كما أسلفت، ليست هي القصة الوحيدة في الرواية.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: