من بينها رواية «حياة معلقة» للفلسطيني عاطف أبو سيف

القائمة الطويلة لـ"البوكر العربية" 2015 .. الغلبة لمصر ولبنان وحضور نسوي لافت

2015-01-13


كتبت بديعة زيدان:
أعلن، أمس، عن القائمة الطويلة للروايات المرشّحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2015، بحيث اشتملت القائمة على 16 رواية صدرت خلال الاثني عشر شهرا الماضية، واختيرت من بين 180 رواية ينتمي كتابها إلى 15 دولة عربية، على رأسها رواية «حياة معلقة» للفلسطيني عاطف أبو سيف، المقيم في غزة، والصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، وكذلك رواية «طابق 99» للبنانية جنى فواز الحسن، وتنحاز فيها لحكايات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، والصادرة عن منشورات ضفاف.
وكتّاب القائمة الطويلة للعام 2015 ينتمون إلى تسعة بلدان عربية، بينهم ثلاثة من مصر وثلاثة من لبنان، فيما خمسة منهم سبق لهم الترشح للجائزة، وهم: اللبناني جبور الدويهي ووصل إلى القائمة القصيرة في العام 2008 بروايته «مطر حزيران» وفي عام 2012 بروايته «شريد المنازل»، واللبنانية جنى فواز الحسن وصلت إلى القائمة القصيرة العام 2013 بروايتها «أنا، هي والأخريات»، والمصري أشرف الخمايسي وصل إلى القائمة الطويلة العام 2014 بروايته «منافي الرب»، واللبناني أنطوان الدويهي وصل إلى القائمة الطويلة العام 2014 بروايته «حامل الوردة الأرجوانية»، والسورية مها الحسن في روايتها «حبل سري»، فيما كان محمد برادة، أحد المرشحين في القائمة الطويلة، عضوا في لجنة تحكيم الجائزة في دورتها الأولى 2008.
يُذكر أن خمس كاتبات وصلن إلى القائمة الطويلة لهذا العام، وهو أكبر عدد من الكاتبات المرشحات في القائمة الطويلة في تاريخ الجائزة، إذ وصلت إحدى عشرة كاتبة للقائمة منذ صدور القائمة الطويلة الأولى العام 2009.

«حياة معلقة»
وقال الروائي عاطف أبو سيف لـ»أيام الثقافة»: لم تكن جائزة «البوكر» في خاطري، فقد رشحها الناشر أحمد أبو طوق دون إبلاغي .. الرواية تطبخ على نار هادئة منذ ما يزيد على ست سنوات .. كتبت الرواية دون أن أضع في ذهني أي حواجز، أو أن أفلت العنان للرقيب الداخلي فيبدأ في تسطير خطوطه الحمر .. في الرواية نقد كبير للسلطة السياسية، والتحولات التي عايشتها غزة في العشرين سنة الماضية، بما فيها فترة سيطرة الإسلاميين عليها، وانحزت للمكان بشيء أو بآخر في غزة، وإن كان المكان ملتبساً كما هي شخوص الرواية .. ما همني كان هو التمكن من رصد هذه التحولات من جهة، ومن جهة أخرى التأكيد على أن في غزة كتاباً ومبدعين، وليس فقط مخبزاً للمعجنات الساخنة المطهوة بنار الحروب والدمار والقتل.
وأضاف أبو سيف لـ»أيام الثقافة»: إن حالفني الحظ في السير نحو القائمة القصيرة فهو أمر عظيم، وإن لم يحالفني فيكفي أنها وضعت على قائمة الروايات المهمة لهذا العام، خاصة أن حياتنا في غزة وفي فلسطين عموماً، هي كما الحال في الرواية، فسحة بين موتين.
ورواية «حياة معلقة» صدرت عن دار الأهلية في عمّان الصيف الماضي، وحتى الآن لم تصل إلى قطاع غزة، تحاول أن ترسم حياة رجل في مخيم قرب غزة يدعى نعيم، هو في الأساس صاحب مطبعة، واعتاد منذ سنوات بل عقود على طباعة ملصقات الشهداء، إلا أنه وذات يوم، وبينما كان متوجهاً إلى مطبعته أصيب بقذيفة من الاحتلال الإسرائيلي، فكان أن ولد في الحرب (نكبة العام 1948) خلال هجرة أسرته من يافا، ومات في الحرب، وكأن حياته محصورة ما بين حربين.
بعد ذلك يأتي صراع ابنه المقيم في الخارج، والذي لا يمكن له أن يتخيل تحوّل والده إلى ملصق، ومن هنا يبدأ عملية رصد تختزل تحول الإنسان إلى رقم، أو مجرد كلمة أو شعار على جدار، أو صورة معلقة عليه، ومن هنا تنفتح الحارة داخل المخيم على أزماتها، وتظهر الشخصيات المختلفة، مستعرضة التطورات والتحولات الحاصلة في غزة في العقدين الأخيرين، على المستويات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وغيرها، وخاصة داخل المخيم بدفع من السلطة السياسية، بغض النظر عن ماهية هذه السلطة.
وللرواية ثلاثة أبطال، إن جاز التعبير، الأب الشهيد نعيم، والابن، والحاج المبروك، الذي كان أو ل من سكن التلة قرب المخيم، ولا أحد يعرف من أين جاء، وترتبط بشيء أسطوري ما له علاقة بالنكبة من جهة، والاجتياح من جهة أخرى، كما هو حال ساكنها، ومع وفاة الحاج تقرر السلطة السياسية بناء مسجد كبير في تلك التلة بعد السيطرة عليها، وهنا يبرز الصراع ما بين أهالي المخيم دفاعاً عن قداسة هذه التلة وما بين السلطة، خاصة بعد أن يتم اكتشاف أن المنوي بناؤه ليس مسجداً فحسب، بل سوق تجارية ضخمة بالأساس تضم مجمعات ومباني عملاقة ومركز شرطة عملاقا، في مشهد ينتهي بصراع ميداني على التلة، وكأنه يحاكي حالة الانقسام التي لا يزال يعيشها  الكل الفلسطيني.. الرواية تبدأ بجنازة وتنتهي بجنازة، ويلملم فيها أبو سيف حكايات سكان المخيم كصيّاد ماهر في لم شباكه بعد الانتهاء من الصيد.

«طابق 99»
بدورها قالت الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن لـ»أيام الثقافة»: كنت أحاول أن أبقى في حالة لا توقع، وأتناسى موضوع «البوكر»، لكن طبعاً أنا سعيدة جداً الآن، كاشفة عن أن بطل روايتها فلسطيني اسمه مجد.
وأضافت لـ»أيام الثقافة»: الكتابة عن أمر له علاقة بالقضية الفلسطينية لم يكن أمراً سهلاً، خاصة أنني لم أرد أن أظهر كمتعدية على مأساة شعب بأكمله أو من «المنظرين» على الفلسطينيين، لكن في الوقت نفسه، هناك علاقة بين اللبناني والفلسطيني مرّت بتشعبات عدّة وكان لا بد من إعادة قراءتها من وجهة نظر جيل ما بعد الحرب.
وتابعت الحسن عن روايتها «طابق 99»: كان لا بد من إعادة قراءة هذه العلاقة بوضوح وصراحة، ولو تطلب الأمر بعض الفجاجة أحياناً... لقد تقمّصت مجد الفلسطيني الناجي من مجزرة «صبرا وشاتيلا» بالأسئلة التي يحملها، ومن بينها تهجير عائلته من بلاده، وحياته في مخيمات اللجوء، ومن بعدها مغادرته إلى أميركا بعد فقدان والدته في المجزرة.
وكشفت الحسن لـ»أيام الثقافة»: استغرق البحث مع الكتابة حوالي العامين، وتضمّن الأمر ذهابي إلى المخيّم أكثر من مرّة، لأنّي كنت أريد أن أنقل اللهجة والنبض وكل شيء.. تخوفت من أن أبدو كأني طرف في النزاع أو أني أفتح دفاتر قديمة لا يريد أن يفتحها أحد. لكن الكتابة لا تتماشى مع الخوف، وهي فعل شجاعة وتحرّر، لذا تخلّصت من الخوف.. وبما أنّني لم أكتب من موقع تجنّ، فلا بأس بالقليل من الواقعية والحفر في الذات.

«بعيداً من الضوضاء»
ويعود الروائي المغربي محمد برادة إلى الساحة بعد طول غياب في روايته الجديدة «بعيدا من الضوضاء.. قريبا من السّكات»، وهي رواية تكاد لا تختلف عن رواياته السابقة «لعبة النسيان» الضوء الهارب»، «مثل صيف متكرر» و»حيوات متجاورة»، سواء من حيث الموضوعات المتناولة، أو من حيث الصياغة الفنية، وفق العديد من النقاد، حيث يظل برادة وفيا لنهجه التجريبي، ملازما لسؤال متكرر ظل يلاحقه، وهو العلاقة الذاتية بالزمن المستعاد، والمسافة مع التاريخ القريب البعيد، ومع الجسد، ومع الخطاب السياسي الذي ولد لدى أبطال روايات برادة المحسوبين على النخبة نوعا من الاغتراب العميق، مبعدا إياهم عن الحياة السياسية والثقافية، وكثير منهم اختار المنافي الاختيارية كتعبير عن عدم الرضا، والفشل الذريع في تحقيق الأهداف المرجوة.
يستعرض متن النص الروائي -الصادر عن كل من دار الفنك المغرب ودار الآداب اللبنانية، ورشحها لـ»البوكر العربية» دار الفنك، مسارات أربع شخصيات من أجيال متعاقبة، تنتمي كلها إلى تاريخ المغرب المعاصر، تحكي سيرتها مع الحياة والسياسة والحياة والجسد والجنس الآخر.
وبالرغم من كونها تختلف على مستوى الاختيارات والمصائر والعلاقات فإن هوسا غريبا يجمعهم بحالة الوطن، وبالتغييرات المفاجئة التي تحدث في غفلة من كل المهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي، وبالرغبة في الانتقال الديمقراطي، وبالأمل في تحقيق حلم الحرية الشاملة التي تبتدئ بالقطع مع التقاليد البالية، وتفريغ الجسد من مخالب الحرمان والكبت، ومنح الاستقلالية للفرد في تقرير مصيره، ومعانقة اختياراته المختلفة.
وعكس برادة في كل رواياته سؤال الزمن المغربي الملتبس، خاصة فيما يتعلق بالهاجس السياسي، الذي يسير في الغالب عكس ما تحلم به الشخصيات سواء على مستوى الواقع أو المتخيل...  وهذا ليس بغريب على محمد برادة المثقف والكاتب والسياسي الذي ناضل وهو طالب في الجامعة، ثم وهو أستاذ في كلية الآداب، وخاض دروب العمل السياسي في أحد أحزاب اليسار طولا وعرضا، وشارك في جمعيات المؤسسات المدنية، وراهن على خيارات الجماهير في التغيير، وعايش المنعطفات التاريخية والسياسية التي عرفها المغرب طوال أكثر من نصف قرن.
وعلى امتداد الرواية لم يكن الكاتب معزولا عن سياق شخصياته التي يصر من خلال كل أعماله الروائية على أن تكون مرايا لذاته، في تعددها وانفتاحها، ونكساتها، وطموحاتها المجهضة، أمام تكالب السلطة القوية والحصارات المضروبة على الخيار الثوري الحالم بالتغيير نحو الأفضل.

«ألماس ونساء»
في روايتها «ألماس ونساء» الصادرة عن دار الآداب في بيروت، استعادت الروائية السورية لينا هويان الحسن، عوالم المجتمع الشامي البرجوازي في المهجر السوري، سواء في أوروبا أو أميركا اللاتينية، من خلال تناولها لسير عدد من النساء الدمشقيات اللاتي انطلقن في رحلة قدرية صوب الأرجنتين أو باريس.
وعن روايتها «ألماس ونساء» قالت الحسن في حديث صحافي: كتبت عن المجتمع الدمشقي الحقيقي كما قرأته في الوثائق بعيداً عن الصورة النمطية التي كرستها الدراما السورية عن المجتمع الدمشقي .. أنا مفتونة بتلك الطقوس المهملة التي كانت تمارسها جماعات بشرية منسية، ومتمسكة بشدة بالذاكرة المهجورة  .. أرى أن الأدباء هجروا هذه العوالم بذريعة الحداثة.
وكتب بعض قراء الرواية من النقاد أن الحسن في الرواية المكونة من جزأين تتبع آثار خطى أناس بعضهم غادر وطنه ليهرب من هوية بعينها مثل كارلوس كرم، والبعض الآخر غادر مدينته بحثا عن هويته المفقودة مثل: الكردي بوتان، أما النساء كما تروي لينا فلهن مكرهن وأحابيلهن التي تبزغ في كل صفحات الرواية.
وبين ألماظ (بطلة الرواية) وألماس علاقة تتخطى الجناس اللفظي، إلى علاقة وجدانية جعلت من العقد الماسي الذي كانت تحتفظ به البطلة أعواماً مديدة، هدية من جدتها بابور الهندوسية، يتحوّل مع مرور الزمن، إلى تميمة من التمائم السحرية التعويذية. فلما خسرته في النهاية على طاولة الميسر، خسرت معه حياتها، بعدما رمت نفسها في لجّة مياه عميقة. وقد سئمت من مسار حياة طويلة من القنوط والرتابة والصبر، رغم ما كان يحدق بها من مظاهر الثراء والرفاهية، وفق ما يرى الناقد أحمد زين الدين.
وتحاول الروائية السورية الشابة من خلال تتبّع مسار ألماظ، ومعاناتها مع زوجها الكونت العجوز كرم شاهين الخوري لبناني الأصل الذي يزدريها، والذي لا يراعي مشاعرها الأنثوية والزوجية، استجلاء حياة المهاجرين العرب، لا سيما السوريين واللبنانيين منهم، وتظهير واقعهم في بلاد الغربة، وهي بذلك تضيء على أنماط حياتهم، وعاداتهم، وأذواقهم، وطرائق تجاراتهم، وطموحاتهم، وعلاقتهم بعضهم ببعض. جاليات حملت كل منها إلى موطنها الجديد أعرافها وصبواتها وأعطابها وذاكرتها، قبل أن تمحوها أو تمحو بعضها أصابع الزمن.
وتنحو الروائية إلى الإماطة عن الشروخ في قلب الأواصر الاجتماعية والسياسية، حيث تنشب المنازعات في وجهات النظر، حول ما يدور من أحداث في دمشق، أثناء الحرب العالمية، بين معارضين ومؤيدين للحركة العربية، ومطالب الاستقلاليين.

«الروايات»
وفي «الروايات» للسورية المقيمة في فرنسا منذ أكثر من عشر سنوات، مها الحسن، والصادرة عن دار التنوير، بعد ست روايات لها «اللامتناهى- سيرة الآخر»، و»حبل سري» الصادرة عن دار رياض الريّس فى لبنان، ووصلت سابقة إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر للرواية العربية، تعود الحسن «ثلاثين سنة إلى الوراء»، فعلى أنغام العود جلست مكان الحكواتية، وروت قصة بدت غريبة لغيرها، وهي تحكي عن البنت أنييس، التي يرميها والدها في كل يوم في الغابة البعيدة، وتُمضي ليلتها باحثة عن طريق البيت، وفي كل ليلة تمرّ بأخطار مختلفة؛ وفي كل ليلة تصل إلى البيت مدماة محطّمة من التعب، لتعاود، بطريقة سيزيفية عمياء، العودة من الغابة في كل ليلة.

«ريام وكفى»
وتتبع الروائية العراقية هدية حسين في «ريام وكفى»، مسيرة أربع نساء قاومن بالصبر أعباء الحياة، ضمهن بيت واحد وجمعتهن مهنة واحدة، سارت حياتهن أول الأمر مثل نهر هادئ من دون طموحات كبيرة، لكن النهر ماج وغدا طوفاناً عبث بمصائرهن فاختلفت، وبأحلامهن فتبددت.. ونساء أخريات فهمن لعبة الحياة فصنعن مصائرهن على مقاسات أحلامهن، ونساء تركن زمام أمورهن للمصادفات.. وللرجال مسارات مضت بهم الى آخر الشوط، فمنهم من نجا ومنهم من هوى وطواه النسيان.
حكاياتهن، وحكاياتهم، مدروزة في صندوق خفي داخل رأس البنت الصغرى (رِيام) التي حلقت خارج سرب العائلة، واستهوتها لعبة البحث عن كل ما هو مغلق لتفتحه، فراحت تنبش في ماضي عائلتها، وتخوض في العلاقات الشائكة، تنفض عنها غبار الكتمان لتكشف ما طمرته الأيام من أسرار، وتحكي دون وجل عن علاقاتها بالرجال، وكيف تحول أحد عشاقها الى قاتل، وآخر اختفى من دون أثر، وثالث انتمى الى حزب محظور أودى به الى التهلكة.. وأية غرائز تقود العم للتحرش بابنة أخيه، وزوج الأخت الذي يشتهي شقيقة زوجته، في الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

«لا تقصص رؤياك»
«لو كنت أعرف أن طريق النساء يقودني إلى مثل هذه النهاية.. لما سلكته» .. بهذه الكلمات يدشن الروائي الكويتي عبدالوهاب الحمادي روايته الجديدة «لا تقصص رؤياك».
قد تقرأ رواية عاطفية، أو رواية تحكي واقعا اجتماعيا، أو واحدة تفضح فسادا سياسيا أو دينيا، وقد تكون رواية مثيرة ملأى بالأحداث «الساخنة» أو العنيفة، من نوع (الأكشن).
ولكن ان يجمع كاتب ما كل هذه الصبغات في بوتقة واحدة بانسجام وتناغم لتشكل لونا روائيا بديعا متفردا.. فذلك هو الإبداع.
وقالت عواطف العلوي في مقال لها بجريدة «الأنباء» الكويتية: بحكم عملي كمدققة لغوية، أولاني عبدالوهاب الحمادي ثقة أعتز بها لمراجعة نص روايته هذه قبل الطباعة والنشر.. لا أخفيكم سرا، فقط اضطررت إلى إعادة مراجعته مرات عدة، بسبب انبهاري بذكاء الصياغة وعمق الأفكار وثراء المفردات وجودة الحبكة ما خشيت معه أن أكون قد أغفلت شيئا من صحة الإملاء والنحو فيه.
هي رؤيا برتبة كابوس، كلما حاول صاحبها الهرب منها شدته إليها خيوط وخيوط حتى وجد نفسه عالقا بين ثناياها، تطارده وتطرد النوم من عينيه، وكلما وقع شيء ظن أنه تفسير لتلك الرؤيا، ساق إليه القدر أشياء وأشخاصا بأحداث غريبة ليحيوا الكابوس من جديد.
جرأة الكاتب هنا في فضح ما وراء الأبواب وكشف ما تحت الطاولات جاءت بعفوية مستساغة من غير تكلف أو ابتذال أو إسفاف. وبذكاء يجبرك على الإعجاب به، تلاعب في رسم المشهد، بحيث نصب عدة مجاهر بصرية من زوايا مكانية وزمنية مختلفة لتتجلى للقارئ عبر كل منها تفاصيل لم يرها من بقية الزوايا، حتى يصل بنا في النهاية إلى المخرج من تلك المتاهة بعد أن كادت أنفاسنا تنقطع وهي محبوسة تترقب بشغف وكثير من الترقب وربما الهلع ما ستتفتق عنه الأحداث.
الأبطال هنا ليسوا غرباء عنا أو من كوكب آخر، بل هم شخصيات لها أشباهها الحقيقية تعيش بيننا، وواثقة أنكم مع كل شخصية تقرؤونها في الرواية سيقفز فورا اسم حقيقي تعرفونه أمام ناظريكم، وكل حدث فيها سيجر معه من ذاكرتكم القريبة والبعيدة أحداثا بحلقات سلسلة متتالية، وقد تفتح جروحا لم تبرأ بعد في مجتمعنا.
روح ولمسات عبد الوهاب المعروف بشغبه ومشاكساته الفكرية العميقة والساخرة في آن واحد، لم تغب هنا، بل كانت بصمته التي تجعل طرف شفاهك يرتفع مبتسما بتلقائية كلما مررت بها. ويبقى سؤال الكاتب في مقدمة روايته: «من يطارد الآخر، نحن أم الأحلام؟».. بلا جواب.
ووفق خبر كانت نشرته جريدة «القبس» الكويتية، في نهاية تشرين الأول من العام الماضي، فإن دائرة الرقابة في الكويت منعت توزيع الرواية على دور النشر والمكتبات، مشيراً إلى أن رواية عبد الوهاب الحمادي التي منعت من التداول في الكويت، سبق أن سمح بدخولهما في دول خليجية مجاورة كان ينظر لها في السابق باعتبارها رمزا للمحافظة الدينية والثقافية والاجتماعية الأشد عربياَ وربما عالمياً .. والرواية الصادرة عن المركز الثقافي العربي، هي الرواية الثانية لعبد الوهاب، بعد روايته الأولى «الطير الأبابيل».

«جرافيت»
«ربما لم يكن وصف ناعمة دقيقاً في تجسيد اللوحة السردية الفاتنة لرواية «جرافيت»، التي أبدعها الكاتب الخمسيني هشام الخشن، بعد أن دخل عالم القص على كبر ليثبت أنه فنان قدير يمتلك رؤية نافذة وطاقة تشكيلية باذخة وثقافة مستوعبة» .. هذا ما قاله الناقد صلاح فضل حول «جرافيت» المصري هشام الخشن، مضيفاً: أسجل إعجابي الشديد بمهارته في نسج الخيوط التاريخية المتعاكسة لحقبة غنية من حياة المجتمع المصري، حيث كان يتفتح في نهاية العشرينيات على خطين متوازيين، أحدهما يبشر بالتحرر والتقدم، وهو اقتحام المرأة المصرية لأعرق الجامعات الأوروبية بعد أن تمكنت في الجامعة المصرية، والثاني ينذر ببزوغ تيار سيقود حركة الرجعية باسم الدين ويفسد الحياة السياسية للمصريين، وتتولد في أحضانه أعتى حركات العنف والأصولية التي ستحاول إعادة المرأة إلى جاهلية الحريم وتعوق بالفعل تطلعات التحول الديمقراطى وتؤذن بانتصار الجهل والخرافة على العلم والتقدم. والغريب أن كاتب الرواية الأنيقة يبدع شخصية نسائية سلبية يجعلها محورية وعينه على شخصية أخرى أكثر توهجاً وإيجابية لكنه يضعها في الهامش كأنها مصدر الضوء الذي تبرز به الظلال المعتمة، يخترع شخصية «نوال عارف» بنت موظف الحسابات بالبورصة المصرية الذي اهتم على تواضعه بأن تتلقى أفضل تعليم ممكن في مدرسة «المير دى ديو» في «غاردن سيتي»، وأخذت تدرس مع بنات الأرستقراطية العالية من جانب ويتيمات الملاجئ المسيحية الملحقات بالقسم المجاني الداخلي للمدرسة من جانب آخر، فترى نفسها حلقة الوصل بينهن ممثلة لنواة الطبقة الوسطى الحاملة لرسالة التطوير، تتفوق وتحصل على البكالوريا الفرنسية ويتوسط لها والدها ليتم ترشيحها للدراسة الجامعية في السوربون، بينما ترفض جدتها التي ربتها بعد وفاة أمها فكرة سفرها بمفردها نهائياً، فيتحايل الوالد على أمه، لأن عمله في البورصة أتاح له الثقة بالأوروبيين وأخلاقهم وجديتهم العلمية على عكس الصورة الشعبية المأثورة عنهم.
وبرهافة شديدة يمد الراوي، في روايته الصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب، خيوطه الحريرية في فصول الرواية لتشتبك مع النسيج العنكبوتي لجماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها في مدينة الإسماعيلية، نهاية العقد الثالث من القرن العشرين، ويختار للكشف عن طبيعتها وتطرفها مواقف وأحداثا قليلة لكنها بليغة في دلالتها، حيث يوقع بهيجة، ابنة عم نوال اللصيقة، في زواج حلمي الأهواني المدرس في الإسماعيلية في المدرسة التي يعمل فيها حسن البنا مؤسس الجماعة، لكن من يدعوه للانضمام لها هو صديقه أحمد السكري، الذي عمل أول وكيل لها، وسرعان ما غادرها عندما تكشفت له حقيقة توجهها.

«انحراف حاد»
الحياة تشبه رحلة قصيرة يفنى البشر في نهايتها لكن الروائي المصري أشرف الخمايسي يطرق أبواب الخيال ويستدعي سؤالا فلسفيا ربما يقبع خاملا في أحد أركان العقل الباطن «هل يمكن أن يخلد الإنسان؟».
ويستدرج الخمايسي في روايته «انحراف حاد»، القارئ إلى عالم يعج بالمتناقضات والانحرافات الحادة عبر رحلة في حافلة أجرة (ميكروباص) هي تجسيد للدنيا بغرورها وتنوعها وتشخيص للحياة بأفراحها وأتراحها ليصل راكبوها إلى نهاية الرحلة حيث الموت المتسرب إلى شرايين الحياة أو الحياة التي تسير مذهولة في ركاب الموت وتقف حائرة أمام فتنة اقتناص الخلود.
وما بين نقطة الانطلاق من قلب العاصمة المصرية المزدحمة القاهرة، ومحطة الوصول المفترضة فأسيوط في  جنوب مصر، حيث يستعرض مجموعة من القضايا مثل الفتنة الطائفية والاغتصاب وأطفال الشوارع والعشوائيات لينفذ منها إلى اسئلة فلسفية أكبر عن العقائد والثوابت وجنوح العقل البشري.
ورواية «انحراف حاد»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، هي الثالثة للخمايسي بعد «منافي الرب»، التي اختيرت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية العام 2014، و»الصنم».

«غرفة بحيرة موريه»
اختار الروائي اللبناني أنطوان الدويهي روايته الجديدة «غريقة بحيرة موريه» الصادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» و»دار المراد»، أن قصة حب غريب ومؤثر في موضع التقاء العالمين والثقافتين وافتراقهما، حيث يغوص الراوي في خفايا الوله وفي أسرار النفس البشرية، يحاول الولوج الى جوهر العالمين والاضاءة على أزمة الانسان المعاصر فيهما، بأدب انساني كبير.
وفي حوار مع جريدة النهار البيروتية، قال الدويهي عن روايته هذه: أمكنة كثيرة تسكن هذه الرواية، مثلما تسكن كل أعمالي الأدبية.. أنا أحبّ الأمكنة وأتعلّق بها وأعود إليها. لكن هذه الأمكنة، وإن كان لها صفتها الجغرافية، لا ترد لديَّ كما هي في العالم الخارجي، بل كما هي داخل نفسي... إنّها أمكنة الذات، المقيمة في الأعماق، العابقة بالحيوات والحالات والمشاعر والرغبات والذكريات والهواجس والأحلام. عبثاً البحث عنها في الخارج، فلا وجود لها.
وأضاف: ليس من أساطير في هذه الرواية، بل أحلام تنبثق فجأةً احياناً. الحلم حاضرٌ لديّ، وهو جزء حميم من الواقع. الحلم هو الواقع الليلي المتحرّر من سطوة الوعي، وهو أقوى وأغنى بكثير من الواقع الآخر. أودّ الإشارة إلى أن كتابتي الروائية لا تنطلق قطّ من الأفكار، ولا تعالج موضوعات. الأفكار هي أبسط ما في النفس البشرية، وأنا أبعد ما أكون عن أدب الأفكار. روايتي تنبثق من هاجس أو من حلم. هما، في طبيعتهما، يحويان كل أبعاد الذات، في وعيها وفي لاوعيها، وكل أبعاد الزمن الداخلي.

«حي الأميركان»
وفي روايته «حي الأميركان»، الصادرة عن دار الساقي، يختصر الروائي اللبناني جبور الدويهي، نبض المدينة عبر الزمن، والذي من رحم هذا النبض خرج إسماعيل محسن ليجد نفسه مجنّداً للقتال في العراق، ومن ثمّ مطلوباً بصفته إرهابيّاً يتبع تنظيم القاعدة.
ومثلما كان آل العزّام ملاذاً لأهله الذين خدموهم لسنين طويلة، سيجد إسماعيل ملاذه لدى عبد الكريم وريث آل العزّام العائد من باريس مفعماً بالعشق ووحيداً، يقتات ذكرى حبّه عبر أسطوانات الموسيقى والأغاني الأوبيرالية والعناية بأشجار الليمون القزمة التي أودعتها حبيبته لديه، دون أن ينسى يوماً طعم التفاح المغطّس بالسكر الذي أطعمته إياه انتصار، والدة إسماعيل، حين كان طفلاً وزار حيّ الأميركان.. إنها رواية مدينة استعاضت عبر الزمن عن صغرها بأن تكون جزءاً من أحداث كبرى تجري في العالم.

«شوق الدرويش»
«رواية شوق الدرويش للكاتب السوداني المقيم بالقاهرة حمور زيادة، عمل كبير ومهم، وستكون علامة بارزة في تاريخ الأدب السوداني»، هذا ما قالته عن الرواية، الروائية المصرية سلوى بكر، قبل أن تضيف عن الرواية الصادرة عن دار العين في القاهرة: هي رواية ممتعة ومشوقة، يستمتع بها من يقرأها، وسيعود لها مرة أخرى، وليس غريبا إن احتلت مقدمة الروايات المرشحة لجائزة البوكر العربية. هي رواية دسمة من حيث الأحداث والشخوص والوقائع، مكتوبة بلغة شعرية رائقة، وباستخدام تكنيك متقدم.. لدينا رواية سودانية كاملة الدسم تستحق أن تنافس بجدارة، دون مجاملة أو طبطبة، على موقع متقدم في مسيرة الرواية العربية، ولنا أن نفخر باسم روائي كبير يحفر لنفسه مكانا متقدما، وبجدارة، اسمه حمور زيادة.
وتستوحي رواية «شوق الدرويش» أحداثها من حقبة تاريخية سودانية، تناولتها كثير من المرويات الأجنبية، ومحكيات سودانية انقسمت بين راو لفظائعها، وسارد لبطولات تفوق كل بطولات التاريخ السوداني، وهي حقبة الدولة المهدية (1844 – 1885) للميلاد.
«ابنة سوسلوف»
يقدم حبيب السروري في روايته الصادرة عن دار الساقي رؤية نقدية جريئة لواقع المجتمع اليمني وتحولاته الصارخة خلال أربعين عاما، ابتداء من الايدولوجيا اليسارية الثورية ضد الرجعية والامبريالية، وانتهاء بأيدولوجيا الدين والمد السلفي العارم، وذلك عبر خلق شخصيات تبدو قريبة من الواقع حتى تجعلك غير قادر على التمييز بين كونها حقيقية أو متخيلة، وكذلك الأحداث بكل تفاصيلها، فالرواية إلى حد ما تبدو تسجيلية واقعية، تؤرخ لحالة اليمن عبر تحولات لا منطقية أحيانا، وربما فانتازية أحيانا أخرى.
تبدأ الرواية من حيث بدأ الربيع العربي في اليمن، مستذكرا بطلها نشيد الصوفي الذي كان يقود الناس ليرشدهم إلى طريق الخلاص الروحي، لكن هذا النشيد يتحول مرة واحدة إلى نشيد عنيف، يضج بالقوة والسخط ... وهنا لابد أن نشير إلى أن «سوسلوف» هو أحد القادة الشيوعيين اليمنيين، الذي كان يقود الجماهير الثورية ضد النظام الرجعي، وقد تحول فيما بعد إلى متدين سلفي، وابنته هي بطلة الرواية، التي كانت تقود الجموع في ميدان التحرير أثناء ثورة الربيع العربي، وهي من قادة السلفية الجهادية في اليمن، وسوسلوف وابنته وغيرهم هم رموز التحول من اليسار الثائر إلى اليمين الحائر، فـ»صاروا جميعاً حينها مناضلين طليعيين»، ماركسيين لينينيين من الطراز الرفيع، لمدة عقدين، قبل أن يتحوّل بعضهم إلى ظلاميين من الطراز الرفيع أيضاً، في هذا الزمن الجديد؛ زمن انتصار الخراب والظلمات.

«بحجم حبة عنب»
وقالت الروائية منى الشيمي، التي وصلت روايتها «بحجم حبة عنب» للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، إنها تتمنى الوصول للقائمة القصيرة ومن ثم نيل جائزة البوكر.
وأضافت الشيمي في حديث «بوابة الأهرام « إنها لم تقرأ كل الروايات العربية المرشحة للبوكر، باستثناء رواية السوداني زياد حمور شوق الدرويش، وانحراف حاد لأشرف الخمايسي، قائلة: إنها امرأة فقيرة لا تشتري الروايات وإنما تنتظر تحميلها على شبكة الإنترنت لتقوم بقراءتها .. وسبق أن فازت رواية «بحجم حبة عنب» أول من أمس بجائزة ساويرس لكبار الكتاب؟
وأوضحت «الشيمي» أن الكاتبة غبريل متسرال، والتي حازت علي جائزة نوبل، في أربعينيات القرن الماضي، كانت ترعى في مزرعتها الخاصة، حين سمعت نبأ فوزها بالجائزة، وقالت قولتها الشهيرة « كيف استلم جائزة وأنا ليس معي فستان»، مشيرة إلى أنها ستقوم بشراء فستان من ثمن جائزة ساويرس، لو حالفها الحظ وفازت بجائزة البوكر هذا العام.
وأكدت الروائية أن ناشر روايتها وهي دار الحضارة تؤمن بأن الكاتب عليه أن يكتب فقط، وليس عليه تسويق إنتاجه، مشيرة إلى أن الناشر هو الذي طرح روايتها «بحجم حبة عنب» في قائمة البوكر، مضيفة أنها لن تغضب أو تحزن لو لم تنل الجائزة، وأنها ستفرح للفائز جداً.
وتنتمي رواية «بحجم حبة عنب» إلى أدب الاعتراف، حينما تناولت من خلال شخصية الأم ما أصاب ابنها من ورم خبيث، وهو «السرطان» إبان أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، ما دفعها إلى استعراض الواقع الاجتماعى والسياسي على مدار أربعين عامًا، من خلال أسرة صعيدية، فما واجه هذه الأسرة لا يختلف كثيرًا عما تواجهه أية أسرة مصرية من أزمات متتالية وفساد وتجريف ثقافي.
«الطلياني»
فاجأ الدكتور التونسي شكري المبخوت الوسط الأدبي بروايته الأولى «الطلياني» بعد أن عرفه الوسط الجامعي والأدبي باحثا في قضايا الأدب واللغة.
عن دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع صدرت رواية «الطلياني»، وتدور أحداثها حول عبد الناصر الطلياني، ذلك الشاب ذي الملامح الخليطة بين الأندلسية والتركية الذي يختلف كليةً عن والده الحاج محمود الذي يُعرف بورعه وتقواه.
تبدأ الرواية بمشهد لتشييع جثمان الحاج محمود أبو عبد الناصر الطلياني إلى مثواه الأخير، بحضور ابنيه عبد الناصر وصلاح الدين وأقاربه، إلا أنه يحدث موقف غريب عند الدفن يجعل جميع الحضور ينصرفون قبل أداء واجب العزاء، كان المتسبب فيه ابنه الطلياني.. كان ذلك في أواخر شهر حزيران من العام 1990.

«ممر الصفصاف»
اللافت في رواية «ممر الصفصاف» للروائي المغربي أحمد المديني، أن ما حمل الكاتب عليها، هو حدث اشتباك عيني الكاتب بعيني كلب شريد وتائه في نظرة كثيفة، مشحونة بإدراكات وأحاسيس لم يقو الكاتب على مداراتها أو تجاهلها، إذ احتوته لوعتها وداهمه إلحاح ندائها، فدفعت به رأسا، ومن حيث لا يدري، إلى الكتابة، مخالفا بذلك الوعد الذي سبق أن ضربه مع نفسه في إحدى رواياته السابقة «رجال ظهر المهراز»، بالكف عن الكتابة والتوقف عنها بسبب يأسه من وضع القراءة في بلاد لم تعد تعير للكتاب أدنى قيمة.
وجده أمامه، قليلا على الناصية، واقفا منفرج القائمتين الأماميتين، متراخي القائمتين الخلفيتين، بادي الإنهاك، ضائعا أو كالضائع، شريدا أو كالشريد لا يتقدم، ولا يرجع إلى الوراء، هو من هذا المكان ولا منه، لأنه يوجد هنا بالضبط، تفهم أنه ليس ضالا فلا أحد يطارده مثل كل الضالين أو لم يبق أحد حتى لينتبه إلى وجوده. أحس أن عينيه بوابتان ما تنفكان تضيقان لتنغلقا على من يحاول العبور منهما، وهو الآن، في حاجة للعبور إلى الجهة الأخرى نحو حي الرياض، إذ في هذا اليوم بالذات قرر أن يشرع في كتابة الرواية الجديدة التي تنغل في مخه منذ أشهر، وبها سيحنث، وسيدفع كفارة بعد أن أقسم أن «رجال ظهر المهراز» ستكون روايته الأخيرة.
لقد حملت نظرة الحيوان الشريد الذي وضعت له الرواية اسم «جاك»، كل معاني الألم والخذلان، واستبطنت كل مظاهر القسوة التي يمكن أن تخبئها الحياة حين تصبح حظا عاثرا وحسب، لكائن معزول وهش، طريد ومتوحد، يمضي سواد يومه في البحث عن مأوى يؤويه ليلا، وعن فضلات نادرة يسد بها رمقه، احتوتها أكياس قمامة رمت بها ساكنة شحيحة ومقترة.
وقد تداعت هذه النظرة، حين التقطتها الكتابة، الروائية تحديدا، سيرة تخييلية، لحيوان قدم من قرية سيدي يحيى بالغرب المغربي، بعد أن تخلى عنه أصحابه الذين هجروا من بلدتهم بسبب الجفاف، فيما مضى هو وحيدا في رحلة طويلة، محفوفة بالضنك والجوع، كي ينتهي المآل به إلى حي الرياض بالرباط الذي كان على وشك البناء والتشكل.
بذلك، تكون النظرة، أي الرحم الذي ولدت منه الرواية، قد تفتقت عن سيرة غريبة ومدهشة للكلب «جاك» الذي تحول في الرواية إلى منظور واسع، نكتشف من خلاله، إلى جانب منظورات أخرى، مكانا ووجودا بشريا حالا به، في سيرورة تكونهما وتشكلهما.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: