لــــمْ أكُــــنْ يـــومـــاً كـــافــيـــاً لـــكِ

2015-01-06

 

 محمد الحموي

اليومُ، أو ما أشكلَ عليَّ وخلتهُ وقتُ اللهاةِ،
الكابوسُ
القوسُ
رفيفُ السيفِ
وأنتِ تعبرينَ خفيفةً بين فصلين ولا ألئم
ولا تتركينَ ما يدلُّ الطيرَ عليكِ
ولا مجرد
بركة دم.

اليومُ كما أعرفهُ:
(هرجُ العميان، رقصُة البجعِ الذي ينتحرُ في الحمَّام، جهنمُ الفقراءِ، العصفُ اليومي بكل ما يدبُّ على الأرضِ، الحربُ بنباتاتها الخشبية؛ مات السوري في داخلي ولم يُطْبِق قبره أحدْ، مات غريبُ الأرض وحزينها ووحيدها المتشائم، واليومُ الذي أتركهُ ينتحبُ خلفي عمداً، متى يتوقف عن التكرار؟)
لكني...

أريده أكثر عمقاً مما تتخيلين
ولهذا اشتريتُ لكِ سيارتين دفعةً واحدةً
واسطوانة مطربك المفضل
ها أنا التقطت لكِ صورةً قريبةَ:
واحدٌ يغيبُ وعمرٌ كاملٌ لا يكفي لتثبيت الحب الذي كانَ
لكني...

أريدها أكثر عمقاً
الزجاجةُ
البندقيةُ
القبلةُ النادرة.

غريبٌ وبعيدٌ وكثيفُ الحديثِ. ممشوقٌ وباسقٌ وأعرجٌ أحياناً. أريدهُ أكثرَ عمقاً على أن يبقى العنصرَ الخفيَّ لكلِّ شيءٍ يتحركُ. أن يحدثَ كالراديو المحببِ. كأغنيةٍ لئيمةٍ من الراديو الكلب. الموتُ ربما الآن أفضلُ الشرور. التخلصُ من القلقِ، من يهبني هذهِ البدعةَ؟ توقفتُ منذ زمنٍ عن البحث عن الحقائق وأكتفيتُ بالشرود.  مراوغةُ التوترِ بالكلامِ العذبِ . بالكذب وحدهُ يحيا الإنسان. أجل بالكذب وكل خلاصةٍ غير ذلك هي كذب.  مواسمُ  تقتتلُ في الغرفةِ والبردُ أكثرُ طراوةً من الدوَّار المؤدي إلى شارع العشاقِ. يبتلُّ الليلُ الآنَ بما تبقى من بيرة «ستيلا ارتوا» التي تفتر ببطءٍ يتلفُ الأعصابَ في انتظاركِ.

وعلي سيرة انتظارك: كم نهاراً نهبتِ مني حتى اللحظة؟

نهاركُ نافقٌ تواً
تموتينَ ولا يَنْضَحُ من صدركِ سوى بابٌ صغيرٌ
يتلوَّى الآن عنبكِ الأسود
بينَ العينين.

مجنونةٌ في فرنسا. أراها أو أراكِ تلعقُ البرجَ من الأسفل وشمسٌ كالحةٌ تغيبُ. غزالةٌ في المقهى. تماماً كما أتخيَّلُ. ماءٌ يتكسَّرُ في الملاهي الليليةِ. فخذكُ النادر، أصابعي لا تقوى بعد هذه اللحظةِ على الحب. فليتوقفْ. فلتتوقفْ هذه الكارثة. لم أكن يوماً كافياً لكِ. لم أكن يوماً كافياً لأحدِ. لو كانَ نافذةً هذا الحبُ لقفزتُ منه كالدخانِ، لو كانَ جبلاً، لو كان الموسيقى الفاجعة، لو كانَ قد مضى دونَ أن يتركَ أثراً، لو كان الردهةَ هذا الحب لاستلقيتُ فيها وانتظرتُ مطراً ينهالُ عليَّ كالرصاصِ.

تمشينَ على مهلٍ
كمنْ يدخلُ في غيمةٍ
هنا أنظرُ إلى المحلاتِ القديمةِ
لو تمشينَ معي الآنَ
خببٌ لعينٌ ما اعتقدتهُ حباً
شيءٌ ما ينبضُ في الأسفلِ
على وشك أنْ يسيلَ دمي
فوقَ عيني اليسرى.

أستخدمكِ
كموضوعٍ للكتابةِ
كمن يقولُ: أستخدمكِ أنتِ
كموضوعٍ للكآبةِ،
يرتفع ما يرتفع
غيمٌ نائحٌ في البراري
عويلٌ مقصودٌ وساحرْ.


لم أكن يوماً كافياً لكِ، لا عندما كنتِ العصفورةَ المتراخية ولا عندما كنتِ الجرحَ الذي ينسى. كلامٌ كثيرٌ خرجَ من الراديو كالنابالمِ الحارق. شرفاتٌ زهرية طليناها بالأسودِ ولمْ تتغير وأخرى سوداءَ أحببناها بجوعٍ ولم تتغير. يحدثُ ما يحدثُ، كنتِ تقولينَ هذا كالدافعِ قطاراً إلى الخلفِ، كي لا يحدثَ ما سيحدثُ حتماً. العبرةُ في أنكِ ورقةُ خريفٍ. العبرةُ في أنكِ ما أنفخُ عليهِ فيطيرُ بعيداً. يخفقُ قلبي الآنَ كأنهُ يخفقُ لآخرِ مرةٍ بينما يخفقُ قلبكِ الآنَ كأنهُ يخفقُ لأول مرةٍ. أحسدكِ.  (مشتقلي؟) تموتينَ ولا أقولها. أسألكِ عن الأولاد ثم أبكي وحيداً كمن يتفرج على فردٍ يبكي وحيداً.

أمحوهُ وأكتبُ غيرهُ
جيدٌ جداً جزيلاً
عشبٌ في المنتصفِ
والشتاءُ الذي أحدّثكِ عنهُ
يا ليتهُ لمْ يقعْ.

نشاطٌ خارقٌ لهذا الكسلِ،
لو تقتلينَ عصفوراً بيدٍ
لو تشنقينَ الندمَ
بالأخُرى.

بدأ ما بدأ
كي لا ينتهي ما سينتهي
يُطْبقُ على قلبي الآنَ حنينٌ قاتلٌ
كالذي تركتهِ لي
في الغسالة:
صورةٌ داميةٌ
طفلانِ ولا أجمل؛
لو كانت المسافةُ رجلاً
لقتلتهُ.

تتمرنينَ هنا على الشوقِ
يعلوُ نشيدكِ
يأتيكِ الشتاءُ عشرَ مراتٍ متواصلةٍ لا ترحمُ
تستيقظينَ ويدكِ الطريةِ
مبللةٌ
يكتملُ بهذا
المشهدُ الذي وعدتكِ بهِ
مراراً
وكَذَبتُ.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: