الـتـغـريـبـــة الأخـــيـــــرة

2015-01-06

تيسير ناصر


(للذين صمدوا كشجرة
صبروا كنبي مبتلى
للذين أداروا ظهورهم
كحنظلةَ الصبي
لإخوةٍ تركوهم
ليعبروا خارج الطوق).
هو التيه الجديد
أحفاد النكبة الأولى
إذ يسيرون ثابتي الخطى والأعين كأنهم خبروا الحادثة جيداً.
في مشهد يبدو مألوفاً لكثيرين؛ سيسميه الحالمون القدامى (التغريبة الثانية) ويسميه اليائسون الجدد (الخروج الآخر والأخير).
في المشهد الطاعن في رمزيته، لن ينتبه أحد لامرأةٍ ثمانينيةٍ تحمل بقجةً على رأسٍ لا يميل، بقجة توأم لما حملته في رحيلها الأول، ولن تفلح عدسة المصور العجول في التقاط عينيها المؤنبتين، وحديثهما الواضح عن الفارق القاسي بين البقجتين، وعن وجع الانتماء المسلوب، انتماء تضاءل من الأصل للأثر، من أرض الولادة الضائعة إلى مكان لازمته صفة المؤقت ليمنح ساكنيه - ولو على ورق - صفة (قيد العودة).
كان الخروج هادئا هذه المرة، بلا دم زائد، بلا لغاتٍ غريبة على المعابر، بلا حيرة في الوجهات.
الجميع يحمل متاع الفارّين الخفيف، ثيابا لفصل واحد، أوراقا ثبوتية كثيرة وكثيرة (ستلزم لاحقا لإقناع أفراد السوسيال المتعاطفين في المنافي الجديدة، أن حامليها لاجئون نالوا حصتهم من اللجوء ويزيد، وسيستجدون بها هوية لا تشبههم).
الجميع مثقل بحنين واخزٍ كشوك، لكن بذاكرة محايدة وضمير معافى من الندم الوطني.
سيغرقون لأجيال في جدال عبثي، باحثين عن مشجب ملائم لتعليق خطيئتهم المكرورة، سيتحدثون عن حسن سريرتهم وغدر الآخرين، عن وعود الأخوّة المعلقة في الهواء، يشتمون دولا و رؤساءها، جماعات وأفرادا، ومنظمات العالم بأسره، لكنهم سيفشلون في تبرير التخلي لأبناء واجمين يتساءلون (لماذا خرجت؟).
الجميع يمضي، كما مضى أسلاف لهم، يستبدلون السؤال العفوي القديم (متى نعود؟) بـ (إلى أين؟).
يختصرون جزء الحكاية الرومانسي، فلا خيام ترابط على الحدود كطيور تنتظر ريحاً تواتي العودة، ولا وقت لتخيّل شكل الإياب.
يمعن أكثرهم في الابتعاد متبعين نجم الشمال، الشمال البارد المناسب للنسيان.
سيختلفون في الطريق على من تركوا وراءهم في المكان، سيصمهم البعض بالحمق، والآخر بالصدق، ويمنحهم البعض مواصفات الأسطورة لينفي عن شخصه البشري الضئيل تهمة الفرار، لكن الجميع مجمعون على رثاءٍ مبكرٍ لبضعة آلاف سيلتهمهم الجوع والقتال والأمل الزور.
سيهاتفونهم يومياً في شهرهم الأول، ثم بضع مراتٍ كل شهر، وقد يسمعون نعيهم مصادفة في وسائل التواصل ونشرات الأخبار.
يحزنون، يترحّمون، يتذكّرون، ثم يعاتبون الموتى على فرصٍ لاحت للنجاة كانوا قد أضاعوها، قبل أن يخلدوا للوقت مطمئنين إلى صحة خياراتهم.
في غد آتٍ
لن يخطر ببال كثيرين، أن بضعة آلاف من (الحمقى) تعلقوا بأستار مهترئة لمخيم للاجئين، كانوا يتمسكون بخيط الوطن الأخير.
وأن تذاكر الإقامة المؤقتة التي لم يفرطوا بها كانت طريقتهم الوحيدة للبقاء كفلسطينيين دائمين.

التعليقات


1 . Taghrid gharabli/ Sandviksvägen19B
الخميس 15 كانون الثاني 2015 11:33:23

جلّ ما أخشاه أن لا تكون التغريبه الأخيرة وما ينتظرنا أعظم مما راح ....الله يحميك لشبابك أصيل


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: