ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (3)

2015-01-06


في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، وفيما يلي الحلقة الثالثة.
غ.ز


الدرب إلى رام الله..
وحديث ذو شجون مع الأحباء.. يقول سامح خضر: محبة القلب لك من فلسطين.
 ينتشي يوسف الشايب قائلاً: بعد ثلاث محاولات لاستخراج تصريح دخول لك إلى فلسطين، ها قد نجحت المحاولة الرابعة.
 يعلق زياد خداش: كأنك إرهابي يا صديقي ونحن لا ندري بهذا!!
قلت بتحدٍ ونشوة: ها قد تحقق المراد، دخلت فلسطين كما أريد، وأعتز بهذا، وأنا الآن في طريقي إلى رام الله.

«وين عَ رام الله»
أغنية أسمعها في الأردن كثيراً.. كأنها تذكر بأيام كانت رام الله مصيفاً يتجه إليه الأهل، وكانت الدروب متاحة إليها.. مضى على تلك الأغنية عشرات السنين، ولكن وقعها، وموسيقاها، تجيء، كأنما الحنين هو الذي يجسدها، للقادم إلى رام الله، وها أنا أعيش الحالة، وأكاد أحس نبض المشتاقين عندما تتردد على مسامعهم.. أنا أمام أبواب المدينة القادمة التي سأزورها.. أنا أستعيد هالة الأغنية، وبساطتها، وحجم الدفء فيها:
«وين عَ رام الله.. وين عَ رام الله..  وِلفي يا مسافر، وين عَ رام الله..
ما تخاف من الله.. ما تخاف من الله.. خَذيت قليبي.. ما تخاف من الله..».
ها قلبي يخفق، ينبض، مأخوذاً، بالحنين.. ياه أي شوق، ووجد، تحمل في طياتها هذه الكلمات.. ياه.. وها أنا وسط مزرعة زيتون في رام الله، والأهل هناك يجدّون الزيتون، ليعصروه.. تباركت المدينة وأشجارها.. وقبل أن أترك ذاكرة الشجر، لأدخل المدينة، حيث سيرة البشر، ونقوش الحجر، أحسّ كأن كهلاً يجلس تحت زيتونة، وكأنه عرفني، وبدأ يسرد لي شيئا من ذاكرة المدينة التي أقيمت على عدة تلال، تتخللها أودية منخفضة، ويرجع اسمها إلى كلمة الرامة، بمعنى العالي والمرتفع، حيث أن (رام)، هو جذر سامي مشترك يفيد العلو.

دوار المنارة
ودعت الكهل تحت زيتونته، ودخلت رام الله.. تركني الأصدقاء لأسير بها وحدي نهارا، وكانوا معي ليدلوني على مفاتيح أسرارها ليلاً.. سرت في شوارعها، ارتحت قليلا في مقهى رام الله، وجه «أبو الياس» صاحب المقهى، سمح، أليف، ودود، ورحب بي كأنه يعرفني منذ زمن بعيد، أو أنه يترجم ألفة المدينة من خلال الاستراحة التي يوفرها مقهاه، المعروف بأنه ملتقى للمثقفين والساسة؛ وجدت هناك صديقي مهيب البرغوثي، عاد من الأردن إلى رام الله منذ سنوات، والتقيت كثيراً من الأسماء والأصدقاء المعروفين لي، بعضهم بشخوصهم، وبعضهم من خلال أسمائهم.. الاستراحة لا بد منها، والأرجيلة تستثيرني إذ كان المعسل الخاص بي أحمله معي، فقد أوصاني الأصدقاء أنه قد لا أجده هناك.. أخرجت معسل «الزغلول» من كيس أحمله، وكانت توجيهات «أبو الياس» حميمية بتعمير الأرجيلة، ومعسلها، وجمرها.. في هذا المقهى، يمكن أن يمر عليك في النهار عشرات الأشخاص الذين لم تلتق بهم من زمان، وقريبا منه هناك مطعم زرياب، غير أني بعد أن أنهيت أرجيلتي، فنجان قهوتي.. قلت للأصدقاء الذين التقيتهم هناك، إنني أستأذنهم، وإنني سأتجه إلى دوار المنارة، هو ليس بعيداً عن مقهى رام الله، وأنا في طريقي إلى دوار المنارة، تذكرت طائر الفينيق الذي غاب عني، جانبا من الزمن ما ان دخلت رام الله، في هذه اللحظة، وكأنه قرأ أفكاري، لمحت طيفه، كان يحلق فوق رأسي مباشرة، ولا أحد يراه إلاي.. سألته: لم الغياب. قال: أنت بين أهلك، ولا خوف عليك.
وقبل أن يحتجب، قال سأكون قريبا منك حين ترحالك بين المدن، وعندما تكون محاطا بالآخر العدو.. تابع مسيرك إلى دوار المنارة، فهناك قصة لاظمة لضفتي القلب هناك.
مشيت حتى دوار المنارة، وقفت قريبا، واستحضرت صديقي الروائي أكرم مسلم، في كتابته رواية سيرة العقرب، كيف أنه أخذ مساحة صغيرة قرب دوار المنارة، و»كَرّج»، هناك بدل سيارة، كان يستأجر مساحة هذا الكراج، ويأتي كل يوم ليرصد الحياة الاجتماعية، ويستعيد لحظات يريد أن يكتبها، ومعه في زاوية من الدوار، يستذكر الأديب والمفكر المهم حسين البرغوثي، وأنا أستذكره أيضا، وروايته الضوء الأزرق.. ها أنا حالي مثل حال أكرم مسلم، أقف في زاوية من دوار المنارة، لكن ذاك الكراج، في رواية سيرة العقرب، لم يعد موجوداً، ولذا فقد اتكأت على جدار مواجه للدوار، لأتأمل الأسود التي نحتت ووزعت على زوايا الدوار، ليس فقط تأملاً للمنحوتات، بل أحاول هنا أن أستعيد حكاية مرت عليها أجيال، ورددها الكثيرون، لكن الحيرة في من أين أبدأ؟ يقال إن هذه الأسود كانت أثناء فترة الاحتلال محفوظة في مخزن البلدية، حتى لا يدمرها الأعداء، وقد تمت إعادتها الى أمكنتها، على الدوار، بعد خروج المحتل من رام الله، وعودة أبنائها ليديروا شؤون مدينتهم.

أصل الحكاية
ترددت حكاية هذه الأسود، على مسمعي، عدة مرات أثناء جولاتي في غير قرية من قرى الأردن، وكل تلك التفاصيل شكلت في مجملها حكاية كان جانبا من نهايتها، تأسيس رام الله، أو الإقامة في منطقة من فلسطين.
إذن فللقصة شقان؛ جزء منه في الأردن، وهذا ما سمعته من أفواه أحفاد الحدادين في قراهم، والجزء الثاني في فلسطين، وهذا ما قرأته، أو التقطت نتفا من تلك التكملة من الأهل الذين التقيتهم أثناء زيارتي هذه إلى رام الله.
تشير الحكاية الى أن الحدادين  كانوا يقيمون في جنوب الأردن، وبالتحديد في الشوبك، ولهم مواقع في أذرح، ولكن قدوم كثير من العشائر العربية إلى جنوب الأردن جعلهم يفضلون الانتقال من هناك الى أماكن أخرى.
وقد تجاورت الحدادين في الشوبك مع إحدى عشائر العمرو وهم القياصمة، وبقوا معهم فترة من الزمان، ثم خرجت العشيرتان (الحدادين والقياصمة) من الشوبك الى الكرك، وهذا حدث في القرن السابع الميلادي، ولكن الحدادين رغم خروجهم من الشوبك إلا أنهم بقوا محتفظين بأراضيهم الزراعية هناك، وبقوا يعطونها «مثالثة» لمن يريد زراعتها، في البداية، ثم باعوها نهائيا، واستقروا بالكامل في الكرك بعد العصر المملوكي.

قصة صبرة وراشد
شقيقان اثنان.. كانا في الكرك.
وكان اسمهما صبرة وراشد، وكانا من رجال الحدادين، ولهما ذكرهما الطيب، ووضعهما الحسن في الكرك.
 كان جيرانهما في تلك الفترة عائلة تعرف باسم «البنوية»، كما كانت تربطهما مع ابن قيصوم زعيم المنطقة، في تلك الحقبة من الزمان، علاقات وثيقة.
كان الأخوان متفقين، ولكن صبرة كان يمتلك حسا قياديا، وكان حكيما، وذكيا، حتى أنه كان يخزن الحنطة في الآبار الرومانية، ويدبر أمور الزراعة، ويتطلع دائما إلى المستقبل مخططا لتفاصيله، وبانيا حساباته للقادم من الزمان.
تشير أقوال الرواة الى أن صبرة رزق يوما ببنت وكان ابن قيصوم عنده، فقال له: «الحَذِيا يا حداد»( أي أطلب البنت المولودة منك)، فأجابه صبره: «ابشر، جَتَك، وعلى حسابك».
وتمر الأيام، وتكبر الطفلة، وتصبح فتاة، ويتفاجأ صبرة بأن ابن قيصوم يرسل وفدا طالبا يد ابنته، فيرفض.
 يصر ابن قيصوم، ويكرر إرسال الوفود، وصبرة يرفض، وبعد ذلك يغير ابن قيصوم على مواشي صبره، ويسلبها.
 لكن صبرة يبقى مصرا، فيختطف ابن قيصوم اثنين من أبناء صبره كرهينتين، ويهدد بقتلهما، فيرفض صبرة، ويعمد ابن قيصوم إلى ربطهما بحجر ودحرجتهما من مرتفع «باطن الطويل»، ويتحول اسم هذا المكان بعد موت ولدي صبرا إلى «مدحل ولدي حداد».
 وبعد هذه الحادثة فكر صبرا، وعمد إلى التحالف معه جيرانه «البنوية»، وبعد ذلك أرسلوا إلى ابن قيصوم بمرسال يخبره بالموافقة على الزواج، ويحضر رجال ابن قيصوم، ويدخلونهم إلى المضافة، ويقدم لهم صبرة الطعام بلا ملح، وبعد ذلك يتم الهجوم عليهم ويقتلونهم، ثم يخرج «الحدادين» وعائلاتهم، ومعهم جيرانهم «البنوية» إلى فلسطين عن طريق اللسان في البحر الميت.. وعندما بلغ الخبر ابن قيصوم ركب مع قومه، ولحقوا بالحدادين إلى البحر الميت، ولكنهم لم يدركوهم.. وبعد ذلك يصل الراحلون إلى حلحول في قضاء الخليل، ويمضون فيها ستة أشهر، ثم يتجهون شمالا إلى بيت جالا وبيت لحم، لكنهم لا يرتاحون في الإقامة هناك، فيلتجئ راشد إلى رام الله، ويستقر البنوية في البيرة، أما صبرة، فإنه لا يستطع الإقامة في تلك المناطق، ويحن إلى الكرك، وبعد ست سنوات، يعود مغامرا وحده، وهناك قصة طويلة حول تفاصيل عودته تلك، وتسويته للوضع مع الشيخ ابن قيصوم.
مكث صبرة الحداد عند ابن قيصوم عدة أسابيع، مكرما في الكرك، ورأى حالة سيئة من الجوع عند الناس، ففتح إحدى الآبار التي كان يخزن فيها الحنطة، ووزعها، وبعد ذلك عاد إلى فلسطين، وأخبر أهله، وإخوته، وأصدقاءه البنوية، لكن أخاه راشداً لم يعد معه، وفضل أن يبقى في رام الله، كما أن «البنوية» استقروا في البيرة، بينما عاد صبرة وأولاده إلى الكرك.

الأسود الخمسة
هذه قصة البدء، أما ما تبقى من متن الحكاية، فيشير الى أن هذا المهاجر الذي اسمه راشد الحدادين، اشترى خربة رام الله من عائلات البيرة القدامى، دون أن يعلم انه كان يؤسس لمدينة سيكون لها دور مهم في تاريخ الفلسطينين.
 ولكن راشد الحدادين، الذي نجح في موطنه الجديد، لم يفارقه الحنين إلى الكرك، وتقول بعض الروايات إنه قرر العودة إليها، بعد وفاة الشيخ المتسبب في رحيله، ولكنه ترك خلفه أبناءه الخمسة، الذين أسسوا عائلات رام الله، وتلك التماثيل للأسود الخمسة في دوار المنارة، في مركز مدينة رام الله، تمثل هؤلاء وهم : صبرة، وإبراهيم، وجريس، وشقير، وحسان، وهم أجداد العائلات المعروفة بأسماء: آل يوسف، وآل عواد، وآل الشقرة، وآل الجغب، وآل عزوز.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: