آراء

الواعظات وبيوت العزاء

ريما كتانة نزال

2015-01-04

دائما أعود من واجب العزاء مثقلةً بالحزن واليأس إن تصادف وجودي أثناء المحاضرة التي تقدمها الواعظة، لا سيما وان غالبيتهن محدودات المعرفة بالثقافة الدينية. في نهاية الدرس، أسجل لهن نجاحاً مبهراً في جعل اليوم الأسود أكثر اسوداداً ولاستشعاري الخوف الذي يطل من ملامح المعزّيات، بسبب الرعب والظلمة التي يحيطونهن بها.
كنت أرقب مسار المحاضرة، وكيف يطغى حديث الآخرة ويوم الحساب وعذاب القبر، بينما يتم تهميش الحديث عن أمور الدين وتعليماته وأصول المعاملة الحياتية، رغم الحاجة الماسة للتذكير بها، مع ملاحظة الزيادة الفائضة في الحديث عن شكل التديّن على حساب البحث والتعمق في جوهر التدين باعتباره دين المعاملة والأخلاق. وكنت أتابع باهتمام أيضا مرور بعض الواعظات على الشأن السياسي الذي غالبا ما يشق طريقه في منحيين: إيجابي حيث التطرق للنضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال، ومنحى سلبي بتديين السياسة واستخدام الدين للفرز والتفرقة ونبذ المختلف والتشكيك به.
مؤخراً، شهد خطاب الواعظات تطوراً جديداً وبدأ يأخذ سياقاً مختلفاً بعض الشيء، سياقُ سياسي يعبِّر عن نفسه بدخول مصطلحات جديدة على خطاب الداعيات، ومنها استخدام قصدي متكرر لمصطلح «الصليبيين» والتطرق إلى التحالف «الصليبي اليهودي» ضد الإسلام. وهذا يعني إخراج الخطاب السياسي من خصوصيته الفلسطينية، ودمجه بالخطاب الأكثر تشددا في الإقليم والمنطقة العربية. كما بات ملحوظاً أن الخطاب الاجتماعي هو الآخر اصبح أكثر تشدداً في تناول موضوع المرأة، حيث لا تتردد الواعظة بتوجيه دعوة صريحة للمرأة بالتزام البيت بحجة حمايتها من التعرض للإغراء والمخالطة والمصافحة والانحراف، وهو الكلام الذي يولد مشاعر اليأس والإحباط بين الحاضرات ويتملكهن تأنيب الضمير من سعيهن للتعلم والعمل والاجتهاد بهدف تطوير أنفسهن وتحسين جودة حيواتهن بهدف المساهمة في تغيير الواقع نحو الأفضل وكأنه سعي وكدّ وجهد بلا قيمة.. بل قد يقودهن إلى دوائر الشبهات.
ومما تقدم، يمكن القول ان الدروس الضحلة والتي تجد في بيوت العزاء المناخ المناسب، لوضع الحاضرات أمام معادلة عليهن الاختيار خلالها: الانعزال انتظارا ليوم الآخرة والحساب وإلغاء رفاهية الحياة من قواميسهن والانقطاع عنها، أو التشكيك والتخويف من كل تصرف قد يؤدي للوقوع بالإثم، فيصبح الجلوس على الكرسي حراماً، ولبس الكعوب العالية مكروهاً وترتيب المرأة لحاجبيها ملعوناً.  
الواعظات اللواتي يغشين بيوت العزاء نوعان: مؤهلات ويمتلكن الكفاءة العلمية، وواعظات جاهلات يمسكن بنشرات وأوراق غير معروف مصدرها ومرجعياتها يلقين مضامينها على الحاضرات. ولا يخفى ان بعض الواعظات لديهن أجندة سياسية وفكرية سلفية، والبعض الآخر عفوي يبتغي الأجر ونشر تعاليم الدين، لكن يسهل وقوعهن دون دراية في براثن الفكر الوهابي المتشدد الذي يدفع المجتمع إلى الانغلاق والتأخر الاجتماعي، ويودي به سياسياً إلى مصير مجهول الأبعاد.
بالخلاصة لا مجال للشك ان عملية الوعظ والإرشاد هي من المهام والوظائف الحساسة والخطرة، خصوصاً إذا ما كانت تتم دون رقابة وتدقيق، حيث من الملاحظ عدم وجود مرجعيات تتأكد من كفاءة الواعظات العلمية ومرجعياتهن وصلاحيتهن للوظيفة، انطلاقاً من اهمية المعلومات المقدمة للجمهور، وانتشارها أكثر في المناطق والأحياء الشعبية البسيطة. ان الواعظة غير المؤهلة للتحدث بامور الدين، تجعل من بيت العزاء، بوعي أو دون وعي، ميدانا للصراع مع الآخر الذي يعتبرنه مارقاً ومنحرفاً وعدواً للدين، ويكفرن ويحللن ويحرمن كما يشأن انطلاقاً من الفتاوى والمناهج الجاهزة في المنشورات والمحطات الفضائية.
من الصعب السكوت عن الوضع، بسبب كونه قد أصبح ظاهرة لانتشاره بكثرة ووجود كثير من الواعظات غير المؤهلات، علمياً ودينياً، لإعطاء الدروس الدينية من خلال طرح أفكار صارمة ومخيفة في ظل الواقع المعاش، ومن الصعب السكوت في ضوء استسهال البعض لعمل الواعظة، فما عليها سوى أن يكون لديها بعض القدرة الخطابية مع بعض النشرات لتصبح واعظةً يشار إليها بالبنان.
 

التعليقات


3 . طه نصار/ الخليل/فلسطين
الثلاثاء 13 كانون الثاني 2015 19:18:46

معالجة جريئة من الكاتبة...لقضية اجتماعية حاولت القاء الضوء على مسالة الوعظ والارشاد في أماكن استقبال المعزين ....وهنا في المقالة موضوع البحث ...دور الواعظات أمام النسوة المعزيات....انهت الكاتبة مقالتها بانه " من الصعب السكوت عن الوضع " القائم....صحيح من الصعب السكوت عن الوضع....ولكن .....كيف ؟ الحل امام المعضلات التي طرحتها الكاتبة....ليس من خلال وضع رقابي على الواعظ او الواعظة وطريقة الارشاد والتدريب لهؤلاء ....حول المواضيع التي يجب ان تطرح والتي لا تطرح والكيفية التي يتصرف بها هؤلاء في أماكن العزاء. الحل هو ممارسة الضغط على الاوقاف الاسلامية باصدار التعليمات لمنع هؤلاء منعا باتا استخدام اماكن العزاء للترويج لما يطرحون .... مؤسسات التعليم المدرسية والجامعية و أماكن العبادة تقوم بهذا الدور الوعظي والارشادي ضمن رقابة تمنع هؤلاء الانزلاق للخروج عن التعاليم السمحة للدين الاسلامي من جانب ومن جانب آخر منع استخدام الخطاب الذي يقود الى تسييس الدين....كمقدمة لتوظيف النصوص الدينية لخدمة سلطة النص....سواء كانت هذة السلطة نظام حاكم ...او سلطة نص لتنظيمات سياسية .

2 . المهدي عبدالوهاب/ لندن/ ادجوير/ بيرنت أوك
الأحد 04 كانون الثاني 2015 20:11:04

لا شيء أخطر من الجهل النشط

1 . عدنان حطاب/ طولكرم
الأحد 04 كانون الثاني 2015 13:36:51

أبدعت -مقالة رائعة معبرة وتصدق الحال - مع التحفظ على وظيفة الوعظ والارشاد والتوجيه -هذه الوظائف قد تكون ضرورية في مجتمعات الجهل والأمية -اما في عصر العلم فلا معنى لها -اصبحت شبكة الانترنت اكبر واعظ في التاريخ لمن اراد العلم والتعلم .


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: