ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين (2)

2014-12-30


في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام إبراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، فيما يلي الحلقة الثانية، الطريق إلى الجسر ومقهى «حنا السرياني» ووصاياه:
«قال حنا: أيام البركة والخير، كانت المدن مفتوحة على بعضها، وكانت السلط مثلها مثل نابلس، والخليل كما الكرك، وإربد كأنها بيسان، وبقية المدن والأرياف والأمكنة شرقا وغربا، درب محبة يصلها، وترتبط كلها بالعروة الوثقى بينها، كأنها مدينة واحدة..، تابع مسيرك على بركة المحبة».
غ.ز


مفلح العدوان*

منتشياً بالتوق والتحدي، أصل الجسر..
خطوة أولى، وأكرر أنه لا يكفي أن نتابع معاناة الأهل هناك، من أمام شاشات التلفزة، فنراها بأعين الفضائيات التي لا تنقل لنا سوى النزر القليل من فيض الضيم الواقع عليهم في فلسطين..
خطوة ثانية، يتداعى خاطر في ذهني، بأن لا بد من كسر حاجز الخوف مما ينتظرنا في الضفة الأخرى، هو وَهْم صنعناه، فصدقناه، والعدو يريد هذا، ويستثمره، لتبقى القطيعة، ولقد تمت، في ظل هذه الظروف، بحيث أنه تمت أسطرة تفاصيل كثيرة، بعد أن زادت المسافة، بفعل الاحتلال ونتيجة قصر نظر المتحمسين منّا، فقلّت مساحة القُرب، ودائما تتشكل الحكايات، والقصص، بغموض، حين يكون الحديث، من وراء ستار، عما يحدث هناك وراء النهر، أو عندما تتنامى الأمنيات، بعيدا خلف تلك الجبال!!

فَكّر بغيرك
ترى لماذا لا نكون نحن في منتصف الـ«هناك»، إن أتيحت لنا الفرصة للوصول، لنتلمس تلك المعاناة، ولنخفف بوجدانيات القُرْب بعضا من معاناة الأهل، كي نشاهد بأم العين تلك الأحداث اليومية، ونبض الناس، ونقرأ مباشرة هاتيك الحكايات، والقصص، أو نسمعها مباشرة من أهلها.
همست لروحي «علينا أن نفكر بهم أكثر»، ولمعت في الذهن تلك اللحظة ترانيم محمود درويش، قصيدة تداعب الروح:
«وأنت تعدّ فطورك، فكّر بغيرك
لا تنس قوت الحمام
وأنت تخوض حروبك، فكر بغيرك
لا تنس من يطلبون السلام
وأنت تسدد فاتورة الماء، فكر بغيرك
من يرضعون الغمام
وأنت تعود إلى البيت، بيتك، فكر بغيرك
لا تنس شعب الخيام
وأنت تنام وتحصي الكواكب، فكر بغيرك
ثمة من لم يجد حيزا للمنام
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك
قل: ليتني شمعة في الظلام»

إطلالة أولى
خطوة ثالثة.. ها أنا وجها لوجه أمام جندي يسألني عن تصريح المرور/ الدخول/ العبور/ الوصول..
هَجَست: (أمثلي يُسأل عن وثيقة مرور، وهذه أرضي؟!)..
(ترى هل أكمل الخطوة التالية، أم أعود؟!).. سؤال جال في الذهن، وتصريحي بيدي، كما التميمة، وقد كان طائر الفينيق يراقبني، كأنه ينتظر إشارة مني ليتدخل، ليهبط كما تلك العربة التي كانت قبل آلاف السنين، هبطت على مرمى التفاتة من هنا، حيث كان النبي إيليا (إلياس) قرب مغطس سيدنا المسيح، وكانت تجر تلك العربة خيول من نار، هبطت رويدا، رويدا، وانتشلته من على ضفة النهر، تاركا رداءه فوق صخرة هناك، شاهدا على حضوره وغيابه.
كان طائر الفينيق، بنظرته من علٍ، يتأهب بانتظار خطوتي القادمة، وأنا لمحته، كأنه يقول لي استمر، وأكمل المسير، فما ينتظرك، أهم من هذه اللحظة العابرة، وأَبْلَغ من سحنة هذا الجندي الطارئ الهامشي.. ما ينتظرك وطن، عليك أن تصله، وتلثمه، تعانقه، وتحبه، وتعيد قراءته، وتكتبه، وتُعلّم أبجديته لكل من يأتي بعدك.
خطوة أخرى.. كظمت ترددي، ومشيت.. ناولت الجندي تصريح الدخول، وتابعت.. وتابعني طائر الفينيق فرحاً، وحملت حقيبتي، وفتحت باب الجسر من الجهة الأخرى.. ها أنا في الـ «هناك».. استنشقت أول فلسطين، أول إطلالة على مرآة روحي، هذا يعني أنني وطأت الأرض التي أحب، تلك الإطلالة تستحق الانتظار قليلاً: أول نظرة، فيها لذة أول حب، أول نبض قلب، أول صرخة مولود، أول بزوغ شمس، أول قطرة زيت، أول وحي آية، أول دهشة.. كانت الإطلالة الأولى، تحمل أعمق رعشة هزّتني، وقرب البوابة، جلست على أول مقعد صادفته، وكأنني بلغت نشوة مقام الوصول، كأني وصلت، فجلست.

حديث القلوب
للوهلة الأولى ظننت أني وصلت، هذا يعني أن هناك من يستقبلني، وقد كان بالفعل الهاتف يقرع، يرن مكررا إيقاع موسيقى لم أميزها بحكم انشغالي بالتأمل فيما حولي.
كانوا ثلاثة أصدقاء يترقبون وصولي، ها هم في مدينة أريحا: سامح خضر، وزياد خداش، ويوسف الشايب.. ما أروعهم.. قلت لهم: أنا في دياركم/ دياري. قالوا: ونحن وصلنا، وننتظرك. قلت: ها أنا على مقعدي. قالوا: سنبحث عنك، حتى نجدك!!
وأقفلت الهاتف، وانتظرت ساعة بأكملها، كسرت حدة إيقاعها، بأن فتحت الحاسوب المحمول، وبدأت أقرأ ديوان شعر أرسله لي صديق، وما كنت أتوقع أن أبدأ قراءة ترجمة ديوان المتصوف الفارسي العظيم حافظ الشيرازي، على مقعد بجوار بوابة الدخول إلى فلسطين.
تصفحت الديوان.. أخذني التصوف، كأني أستحضر حالة النشوى، وأطرق أبواب السماء، مترجما أحرف السر.. مضى وقت وأنا أقرأ.. والهاتف رن عدة مرات.. لكن قبل أن أرد، توقفت عند هذا المقطع للشيرازي:
إذا ما استمعت لأهل القلوب فحاذر تصفهم بقول العيوب
فإنك لست الخبير المرجى بسرّ الضلوع وسر القلوب
فإني بقيت عزيزا كريما، ولم أحن رأسي لدنيا الذنوب
فبورك رأسي، وما فيه يجري، إلى يوم أقضي، ورأسي طروب
ولست لأدري، وقلبي جريح، طوية نفسي، إذا ما تذوب
فإني صموت، كثير السكوت، وها تلك مني تطيل النحوب
وها ذاك قلبي، تعدى الحجاب، فأين المغني بقول يطيب؟
تعال فحدّث، وزدني كلاما، فقولك ذلك قول لبيب!!
ولم يك شغلي بتلك الحياة، أمور الحياة وشغل الرقيب
فوجه الحياة جميل التمني إذا كان فيه حديث القلوب»
كان زياد المتحدث في الهاتف، قال ننتظرك في استراحة أريحا، وقال أيضا، إنك لم تخرج بعد من محيط الجسر، ونقطة العبور الأولى في فلسطين.
سألت أحد السائقين القريبين، فنبهني أنه عليّ أن أنتقل بالحافلة من هنا إلى استراحة أريحا، وهناك مكان انتظار المستقبلين للقادمين إلى فلسطين.. كانت ضحكة زياد ترن في أذني، وقلبي منتشٍ، ولساني يدندن بآخر مقطع قرأته للشيرازي:
«فوجه الحياة جميل التمني، إذا كان فيه حديث القلوب».

لا مسافة تذكر!
بعد أن عبرت الجسر، وجزت المسافة التي لا تذكر، وأثناء ما نقلتني الحافلة إلى استراحة أريحا، تداعى في الذهن، ما كان يتحدث به كبارنا، عن واقع الحال، قبل الاحتلال، في هذه المساحة من الوطن، فالذاكرة تشير هنا، إلى أن قبيلة العدوان، في الشونة الجنوبية، نقلا عن بوح الرواة، ممن وعوا الحال قبل هذا الزمان، حيث يقولون إنه حين كان يموت أي واحد من الشونة الجنوبية والمناطق المجاورة، كانت جنازته تسير باتجاه أريحا، وكانوا يدفنون موتاهم قريبا من مقام النبي موسى، هناك.. هذه أولى حكايات الربط، هذه أول إشارة، حكاية دالة للمشترك الطيب دون زيف ولا تنظير ولا ادعاء.
ها أنا هناك..
أبتسم لكل الأشياء.. بل حتى الذباب.. ذباب أريحا، وقد كان نهما حين كان يحوّم حولي، وأنا أقرأ الشيرازي، منتظرا، وكأنه في ملاقاته للضيوف، لا يتورع في أن يقبلهم على كل مساحة متاحة، وكأنه يريد أن يبوح بكل تجليات الشوق، مرة واحدة، حيث إنه جماعات يحضر، يهمّ بقوة، يراوح في إقباله أو غيابه، لحظات قليلة فقط، لكنه يبقى يحوّم حول الجالس منتظرا في أول استراحة في أريحا بعد تجاوز الجسر، ونقاط التفتيش، وكأنه يريد أن يشعر القادم بألفة مختلفة، يعيده إلى حالات موجودة في الشونة من الضفة الأخرى، كأنني هناك، الشمس ذاتها، والنخيل، وسمرة الوجوه، وحدة طبع الذباب، والضغط الكابت على الأذنين، والانتظار.. ذباب أريحا، حالة أخرى للتأمل، بعد الجسر بقليل!!  
لا مسافة تذكر.. وأنا لم أشعر بأن هناك إيقاعا مختلفا بين أريحا وبين الشونة الجنوبية، وعلى ترنيمة هذا القرب كنت جزت الجسر، جسر الملك حسين، من ضفة القلب، إلى حجرته الأخرى، تقربا من أرض الأمنيات، والحلم، والذاكرة.. ها قد تحقق بعض الحلم، وها أنا أسابق خطواتي، باتجاه أصدقائي الذين ينتظرونني، على أرض ليست مثل أية أرض أخرى، سلام على كل ما فيها، ومن فيها، سلام مذ أول نسمة هواء، وأول شعاع شمس، وأول ذرة تراب، لامستها، وعايشتها، وتلمست فيها فلسطين الفردوس الذي أعشق، وإليه أتوق.

استراحة أريحا
وصلت استراحة أريحا، وكان الأصدقاء، في الانتظار..
عانقتهم، ومن خلالهم عانقت كل البلاد، ورحبت بي معهم دروب أريحا، في طريقي إلى مدينة رام الله.
قبل أن نخرج من أريحا نبهني طائر الفينيق إلى ضرورة النظر إلى فضاء المدينة حولي، ونحو موطئ قدمي، والذاكرة المختزنة في أريحا.
كنت أخطو في أريحا على أثر الإحدى وعشرين حضارة التي سكنتها، منذ أقدم العصور، أعود وأنا واقف فيها إلى الألف الثامن قبل الميلاد.
أريحا.. بوابة فلسطين من الشرق، تلك المدينة الكنعانية، هي أقدم مدن العالم على الإطلاق، وكانت حاضرة قبل مدينة دمشق بخمسة آلاف، وكانت أريحا مأهولة بالسكان قبل أيام أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، بحوالي ستة آلاف سنة.. تلك أريحا التي أنا فيها الآن، حيث كانت معرفة الفلاحة والزراعة الأولى، على هذه الأرض بالذات.
قلت للأصدقاء «تمهلوا قليلا قبل أن نغادر أريحا».. واستحضرت في الذاكرة، تداعيات أصل تسميتها (أريحا) التي أعادتني إلى تلك الجذور السامية، فهي عند الكنعانيين تعني القمر، والكلمة مشتقة من فعل يرحو أو اليرح، وهذا يعني في لغة جنوبي الجزيرة العربية شهرا، أو قمرا، وريحا في السريانية معناها الرائحة، والأريج... انتشيت من رائحة المكان، وعبق تاريخه وذاكرته، ولوحت لأريحا، بالقلب، فلسوف أعود إليها في رحلة عودتي، من هنا، وأخذني الكلام مع الأصدقاء، ونحن باتجاه رام الله.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: