صاحب «حرمة» و«اليهودي الحالي» و«بخور عدني» ينحاز إلى هواجسه الخاصة بالكتابة

الروائي اليمني علي المقري لـ «أيام الثقافة»: على كهول الرواية أن يتـعـلمـوا من الـشـبـاب ولو كـنـت أمـلـك الأجـوبة لمــا كتبت

2014-12-30

حاورته بديعة زيدان:
يرى البعض في الروائي اليمني إنساناً فريداً، يجمع ما بين العلمانية والإخوانية واليسارية والصوفية والتحررية، فهو يكره التصنيف الأيديولجي والفكري الضيق، ويبحث على الدوام عن الإنسان في هذا الكون، وخاصة من لا يؤذي شعور الآخرين ولا يتلصص عليهم أو يتدخل في خصوصياتهم، وهذا ما انعكس في رواياته الأربع الشهيرة: «طعم أسود ... رائحة سوداء»، و»اليهودي الحالي»، و»حرمة»، و»بخور عدني» .. معه كان هذا الحوار الخاص بـ «أيام الثقافة»:

• بدأت شاعرا ثم اتجهت إلى الرواية متأخرا، ما الذي دفعك للاتجاه نحو الرواية ولماذا التأخير ؟
- وصف أحد النقاد نصوصي الشعرية بأنها سردية، وأظن أن السرد بقي معي منذ بداياتي، إذ نشرت الكثير من القصص قبل نشر الشعر الذي لم أعد أكتبه منذ عشر سنوات أو أكثر.
طبعاً هناك في الثقافة العربية حساسية عند البعض حول الجمع بين الشعر والرواية، فيما هناك مئات الكتّاب غير العرب الذين يجمعون بين الفنين بل وأكثر من فن، كالرواية والشعر والمسرح مثل: غونتر غراس، وجوزيه ساراماغو، وهارولد بينتر.

• ولماذا لم تكتب الشعر منذ عشر سنوات أو يزيد ربما؟
- الشعر يرى العالم من زاوية أكثر كثافة واختزالاً، ولا يتسع كثيراً لبهاء التفاصيل في الأشياء.. لقد نشرت الكثير من القصص قبل نشر الشعر، ولهذا بقي عالم السرد هو الأكثر قرباً وحميمية فواصلت معه، وتركت الشعر.

الرواية والنضوج
• هل ترى أن كتابة الرواية تحتاج لسن معينة لتحقيق النضج أم ان الابداع غير مرتبط بسن، خاصة ان الرواية الاولى لكثير من الكتاب الشباب تحقق نجاحاً كبيراً؟
- بالنسبة لتجربتي الشخصية، أعترف أنني واجهت مشكلات بنائية في كتابة الرواية، ولم أستطع حلها سوى بعد أن تجاوزتُ سن الأربعين.. كان السؤال الذي يلح عليّ هو ما الذي يمكن أن أضيفه إلى المنجز الروائي المحلي والعالمي، وهل هناك ما يمكن روايته ولم يرو من قبل، إلى جانب إشكالية التقنية الفنية، وكيف يمكن تقديم سرديات لها خصوصية ثقافية مكانية تتعلق بالمجتمعات العربية.
طبعاً، هذا ليس بحكم عام فقد يستطيع شاب أن يكتب روايته الأهم وهو في مقتبل العمر انطلاقاً من خبرته الخاصة، التي قد تكون قصيرة ولكنها حميمية ومكثفة.
• نلاحظ ظهور كتّاب شباب جدد .. هل من الممكن أن يوثر سلبا على اللغة ومستوى الرواية العربية؟
- تجارب الشباب تؤثر، كما أظن، إيجابياً فهم يعيشون في واقع صارت فيه المصادر المعرفية متوفرة أكثر من قبل، وقد يكون، أحياناً، على كهول وشيوخ الرواية أن يتعلموا من كتّابها الشباب، لكن تظل في الأخير المسألة الإبداعية فردية ولا يمكن الحكم عليها بشكل جمعي.

الخمر والنبيذ
• عند نشرك كتاب «الخمر والنبيذ في الإسلام» قلت إنه جاء لتحقيق العودة لقراءة التراث الإسلامي لكنك هوجمت بشراسة من رجال الدين.
- نعم، قمت بقراءة ثقافية لهذا الموضوع، كمثال لتعدد مرجعية التراث الإسلامي، إذ يمكن القول عن الشيء نفسه إنه حرام وحلال في الوقت نفسه.
وبالتأكيد لم أنطلق من موقع ديني لأصدر فتوى في ذلك، بل قمت بقراءة تفكيكية آملاً تجاوز ذهنية التحريم في الثقافة العربية الإسلامية، والابتعاد عن الأحادية في  الحكم والفتوى.

الرواية الأولى
• البعض وصف روايتك الأولى بأنها نافذة على البؤس وآخرون وجدوا أنها كانت نافذتك على الشهرة بوصولها للقائمة الطويلة للبوكر؟
- ربّما يكون الأوّل محقاً كما الثاني، ففي هذه الرواية حاولت أن أقترب من العالم البائس والمبهج في الوقت نفسه لفئة الأخدام، وهم السود في اليمن، الذين يعيشون بطريقة لا حدودية وخارج محددات الأيديولوجيا والتاريخ والجغرافية، أمّا أنها كانت نافذتي على الشهرة، ففي الحقيقة بعد أن كتبت هذه الرواية وصلني الكثير من الرسائل التي لم يسبق أن تلقيت مثلها من قبل، ولا أعرف إذا كان هذا من قبيل الشهرة.
في الحقيقة، وبسبب الحرج من الأصدقاء، صار عليّ أن أستجيب لمقابلات صحافية وأظهر في برامج تلفزيونية، وأنا الخجول الذي لا أقوى على المكاشفة سوى مع نفسي.

اليهودي الحالي
• عنوان رواية «اليهودي الحالي» لا يعكس مضمونها الذي يعيد القارئ إلى قرون مضت .. ما سر التسمية؟
- أظن أن العنوان قابل للقراءة من زوايا مختلفة، حسب ما يريد القارئ. طبعاً مع الأخذ بالاعتبار أن فاطمة كانت تنادي سالم اليهودي بـ «الحالي»، وتعني به المليح.
• تطرقت في ذات الرواية الى صراع الاباء المسلمين واليهود وغرام الابناء، ما الرسالة من هذه الجدلية؟ .. هل هي اختراق لجدران الديانات ام تكريس لصراع الدم والفكر مثلا؟
- لا أظن أنني قصدت أن أحمل رسالة ما، لقد حاولت أن أختبر هذا الصراع المرير والطويل عبر محن إنسانية. ولا أظن أنني قدّمت حلولاً لهذا الصراع أو أجوبة لأسئلته. لو كنت أملك أجوبة لما كتبت الرواية واكتفيت بتقديم مقالة إرشادية أو نحو ذلك.
حرمة .. الرواية الجدلية
• في «حرمة» أرى أنك كسرت كل الخطوط الحمراء؟ هل لك خطوط حمراء خاصة أم انك لا تعترف بها؟
- لا أعرف في الحقيقة إذا كنت قد كسرت كل الخطوط الحمراء، وإن كان البعض يقول ذلك مثلك. لا أظن أن كاتباً عربياً يستطيع عمل ذلك مهما وصلت جرأته وشجاعته.
صحيح أنا أشعر بحرّية مطلقة أثناء الكتابة، لكنني لستُ حرّاً في الواقع، فالعملية الإبداعية ليست كتابية فقط، وإنما هي أيضا نشر ومجتمع وقرّاء، وقد يتحول هؤلاء القرّاء إلى رقباء أشداء على الكاتب.
• ماذا عن الحملة الشرسة التي وصلت إلى تكفيرك بسبب «حرمة» وكيف تجاوزت الأزمة؟
- لقد انشغل تنظيم القاعدة في الحرب مع الحوثيين و»تركونا لحالنا»، لكن هناك ما هو أسوأ من التكفير .. لقد هُدِّد الأكاديمي أحمد العرامي بقطع رأسه وتم فصله من عمله في جامعة البيضاء بسبب اقتراحه على بعض طلابه وطالباته أن يقوموا بعمل أبحاث عن هذه الرواية.
• ما الذي دفعك إلى اقتحام عوالم مسكوت عنها مثل مجاهدات القاعدة والكبت الجنسي وفتوى ارضاع الكبير مع انك في مجتمع محافظ؟
- لا أظن أن هذه المواضيع هي التي أثارت هواجسي.. ما كنتُ أهجس به هو اختبار لمحن إنسانية أكثر إشكالية كتحقق الذات في عالم مضطرب ومحدود، كحال شخصية «حرمة» المقموعة رغباتها، فهذه الرغبات لا تنحصر على شخصية «حرمة» التي هي بلا اسم لأن اسمها أيضاً حرمة،  فقد تكون رغبات رجل أيضاً، وقد تكون الشخصية الساردة يهودية أو مسيحية أو هندوسية، وليست إسلامية فقط، لهذا فالإشكالية لا تنحصر على هيئة الشخوص الظاهرة من قبل السرد، إذ تمضي إلى أبعد من ذلك.

بخور عدني
• في رواية «بخور عدني» ابتعدت عن اسلوبك الروائي السابق وكأننا نقرأ لكاتب آخر، الا تشعر بمخاطر ذلك أم هي رغبة في اخراج فنونك الكتابية؟
- نعم، كان يمكن وصف أعمالي السابقة بأنها من السهل الممتنع، ولا أظن أنني ابتعدت عن هذا الأسلوب كثيراً، لكن القارئ لم يعد صبوراً ليبحث في التفاصيل.. في هذه الرواية بدت لي التفاصيل ضرورية، حتى في شتاتها وتفككها، فعبرها تقيم الرواية ما يشبه الحوار مع القارئ، يصبح معه هذا الآخر مشاركاً في إعادة تركيب هذه التفاصيل وتكشفها.
• لماذا اتجهت إلى تقنية جديدة؟
- كان عليّ أن أجد صيغة تقنية قريبة لهواجس الشخوص في الرواية، حيث تتداخل هذه الشخوص فيما بينها وتتماهى حد التماهي، وأحياناً تتعدد وتتنافر حد الاختلاف.. يبدو لي أن الحديث حول هذه التقنيات بحاجة إلى حوار خاص أو فسحة أكبر قد لا تكفيه هذه المساحة.
• في ذات الرواية تسعى إلى اعادة الاعتبار إلى عدن الثائرة على الاحتلال بكل الاتجاهات، هل هو الحنين إلى ماض جميل أم ثورة على واقع اليم؟.
- قد تكون هناك أشياء أخرى: ربّما هو امتحان للتعايش في إطار مفهوم الوطن الذي قد يتحوّل إلى محنة.. ربّما هو ترميم للذاكرة، حشد من الأسماء والأفعال والهواجس تدعو القارئ إلى ترميمها والمشاركة في إعادة صياغتها.
• هل توافق على اعتبار بخور عدني تتويج لسردية علي المقري حول موضوع تعددية القوميات والأعراف والأديان وامكانية التعايش بينها؟
- لا أدري في الحقيقة من أي منطلق صدر هذا القول.. أحترم عادة كل ما يقال.. وأهتم أكثر بهواجسي الخاصة في الكتابة.

المقري والرومانسية
• نلاحظ في الأدب المصري الحديث والشاب، إن جاز التعبير، طغيان الرومانسية بأسلوب السيناريو على المنتج الجديد، هل يمكن أن نرى لعلي المقري رواية من هذا الاطار؟
- لا أدري إلى أي مدى يتحقق قولك.. يبدو لي أن هناك من يخلط أحياناً بين القص الرومانسي، الذي يستعيد التجربة الرومانسية في الرواية والفنون عامة وبين السرد الشعري، الذي يصور المسرود من زوايا شعرية، لكنها بعيدة عن أجواء الرومانسية ومفرداتها.

المشهد والبوكر
• ما تقييمك للمشهد الروائي الحالي في الوطن العربي؟
- أظن أن الرواية العربية تعيش منعطفاً جديداً ولا أدري إلى أين ستمضي.
• هل ترى أن جائزة البوكر وغيرها من الجوائز العربية محفز للكتابة عند الكثيرين، ما ايجابيات وسلبيات هذا النوع من الجوائز برأيك؟
- طبعاً، يمكن أن تساهم هذه الجوائز بشكل كبير في التحفيز للكتابة، وأظن أن الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) قد أحدثت ثورة في الرواية العربية، ليس من خلال تحفيز الكتّاب إلى الاتجاه للكتابة في هذا الفن، فحسب، بل وفي تحفيز القرّاء على متابعة قوائم الجائزة وقراءة رواياتها. وما يرجى من هذه الجوائز أن يكون اختيارها للروايات الفائزة نموذجياً، حيث إن الفن الروائي في العالم العربي مازال في طور التأسيس وليس فيه أي تجارب تراكمية لافتة. لهذا من المهم، كما يبدو لي، الاهتمام بالتجارب الحديثة المتكئة على خبرات تقنية تتجاوز التعثرات الأولى للرواية العربة.

الحضور اليهودي
• أخيرا .. نلحظ أن ليهود اليمن حضورا واضحا في رواياتك ما سر ذلك؟
- يمثل اليهود في اليمن خلاصة لعذابات إنسانية قد نجدها في أي مكان في العالم، وقد تعيشها أية فئة أو طائفة .. وقد رأيت فيهم إمكانية لاختبار مفهوم الوطن بين الحلم والمعاش، وإلى أي مدى يمكن تحققه، وهي المحنة التي يواجهها السود في اليمن، كما يواجهها الفلسطينيون وغيرهم.

السيرة الذاتية
علي المقري روائي يمني له عشرة كتب، منها أربع روايات صدرت عن دار الساقي في بيروت: «طعم أسود... رائحة سوداء»، وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في العام 2009، ورواية «اليهودي الحالي»، ووصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2011، وقد صدرت رواية «اليهودي الحالي» بالفرنسية بعنوان «Le Beau Juif»، وبالإيطالية بعنوان «IL BELL›EBREO»، كما صدرت باللغة الكردية.
وله أيضاً رواية «حُرمة» في العام 2012، والتي ستصدر قريباً بالإنجليزية وبالفرنسية، وصدرت له أخيراً رواية  «بخور عدني».

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: