ســـــــــمــاء الـفـيـنــيــق: الأردن.. فـلـسـطين

2014-12-23


(1)

في زيارته لفلسطين تجول الكاتب الأردني مفلح العدوان في مدن الجبال الفلسطينية الخمس من نابلس حتى الخليل مرورا برام الله وبيت لحم والقدس، عبر تحت أقواس قصبة نابلس واتكأ على السور في كنيسة المهد ووقف أمام مقام ابراهيم الخليل، وصعد الدرجات المضاءة لمتحف محمود درويش وحديقة البروة المطلة على القدس.
مفلح العدوان كتب رحلته على حلقات سننشرها تباعا في «الأيام الثقافي»، فيما يلي الحلقة الأولى، الطريق الى الجسر ومقهى «حنا السرياني» ووصاياه:
« قال حنا: أيام البركة والخير، كانت المدن مفتوحة على بعضها، وكانت السلط مثلها مثل نابلس، والخليل كما الكرك، واربد كأنها بيسان، وبقية المدن والأرياف والامكنة شرقا وغربا، درب محبة يصلها، وترتبط كلها بالعروة الوثقى بينها، كأنها مدينة واحدة..، تابع مسيرك على بركة المحبة».
غ.ز
مفلح العدوان*

بجناحي طائر أسطوري أحلّق عاليا..
أحمل التحيات الطيبات، ونبض القلوب المحبة، ورسائل جبال عمان السبعة، وأنا أتجه بكل شوقي الى أرض فلسطين.
ها أنا أمضي إلى تلك الأرض الطيبة، وكلي حنين، غير أني ستكون لي محطات قبل لحظة الوصول، فهناك إشارات لا بد من الاستدلال بها، ورسائل لا بد من حملها من أرضها، وتحميلها لكل تداعيات معانيها ومراميها.
سأتوقف فوق جبال السلط، هي دائما تحدّق بمحبة غربا، وتهدي السلام الى كل المرابطين هناك، تلوّح لـ»أهل البلاد»، وتزف اليهم ريحانها، ومعتق عشقها، منتظرة مرورهم بها، كما كان الحال «زمان أول».. يا لشجن الحنين الى ذاك الزمان.

امتطاء الطائر
أتابع التحليق..
فتستلبني الأسئلة: لماذا تتقمصني روح طائر الفينيق، في هذه الرحلة التي تمنيتها منذ سنوات طوال؟ لم أمتط صهوته براقا متخيلا، في تحليقي نحو معارج الروح المنتظرة هناك؟  ثم، ما سرّ هذا العشق الحقيقي لتلك البلاد؟ ولأهلها؟
سأهدئ المسير قليلاً، فوق الغور، لألقي السلام على أهلي في الشونة الجنوبية، وأرتاح ما تيسر من وقت، في تلك الربوع، بحثا عن إجابات، قبل أن أدخل في الحالة/التجربة/المغامرة/الرحلة/الحج/العبور/، وأنا في حالتي المشظاة بين روح الإنسي الذي سيسير نحو الأمكنة التي تتاح له، وبين تقمص/وامتطاء طائر الفينيق الذي سيدخلني الى المدن والدروب المغلقة بأقفال الاحتلال، غير أني لا بد من أن أطرق أبوابها، وألثم طرقاتها.

قبل الجسر بقليل
مهيبة هي المسيرة الآن..
والدرب الى المبتغى، ليس أقل أهمية من منارة المنتهى.. سأخفف الوطء قليلا.. سأقلب كثيرا من الأوراق، ومعها أنبش الذاكرة، والتاريخ، والجغرافية، قبل أن ألج الحالة القادمة، يجادلني طائر الفينيق أحيانا، وفي مرات أخرى أتحاور مع البشر والحجر في آن، وتارة سوف أطلب شفاعة الأبواب لتحكي لي الكثير عن الحاضرين، والغائبين، والمارين، والعابرين.. لن أستعجل الرحلة، فكلما طالت زاد شوقي، وفي الشوق دلالة عشق، وفي العشق تماهي الطالب بالمطلوب.. وهذا مقام الاكتفاء الذي ما بعده ارتواء!! 

قبل الجسر بقليل..
الكل يريد أن يعبر الجسر، لكنهم ليسوا مثلي، أنا أريد أن أصله، وأوصله، وقبل مقام الوصل هذا، أتوق لأن أستحضر جسورا أخرى في الذاكرة، أتخيلها بذاكرة غيري، حينما كانت الأحوال غير ما هي عليه الآن.
قبل أن أصل الجسر، جسر الملك حسين، أجلس قليلا عند مقهى له في الذاكرة كثير من سواليف الأهل، أيام الخير، حين كانت الدروب متاحة الى أرض فلسطين.. أتبع بوصلة قلبي، قريبا من الشونة الجنوبية، أسير نحو الرامة، فأجد أطلال ما تبقى من «قهوة حنا».. أستريح قليلا هناك.
«قهوة حنا»
للمقهى قصة تُروى: صاحبه كان اسمه حنا السرياني، ويقيم في مأدبا، في ذاك الوقت الذي تم فيه فتح الطريق من عمان إلى البحر الميت، حيث نشطت حركة النقل والتجارة بهذا الاتجاه. آنذاك، فَكّر «حنا» بإقامة مشروع بالقرب من هذا الطريق، فتوجه من مأدبا إلى الرامه، باحثا عن قطعة أرض قريبة من الطريق، ومن السيل الذي يمر بوادي الرامة، فوجد ما يطلبه عند أحد أبناء قرية الرامة، وهو «عبد الله المفلح العدوان»، الذي ضمّنه قطعة أرض بجانب الطريق، وما زالت المنطقة حول هذه الأرض تأخذ اسم المقهى حتى الآن، «قهوة حنا السرياني»، التي أخذت اسمه بعد أن بنى فيها مقهى، وكان يقدم فيه أيضا المشروبات الروحية، وكانت الماء تجري عند القهوة، فكان كل من يأتي من الضفة أو من عمان، يغسل، ويتوضأ، ويستريح عند «قهوة حنا»، التي زرع حولها أشجارا من نوع «شجر جميلة»، وهي باقية حتى الآن، ضخمة، منتشرة حول المقهى الذي لم يتبق منه سوى بعض جدران من بنائه، وتلك الأشجار، غير أن المكان بقي وفيا لتلك الذاكرة، محتفظا بالاسم القديم؛ «قهوة حنا»، بالرغم من أن «حنا السرياني» ترك المكان، وأغلق المقهى بعد حرب الـ»73»، حيث فتح محلا تجاريا في مأدبا بالقرب من مبنى البلدية فيها.

مدن شقائق النعمان
الآن.. ها أنا في «قهوة حنا»، ما زالت ملامحها حولي: الجدران، الأشجار، الطاولات، الكراسي، ثرثرة المسافرين، رائحة النعناع في كاسات الشاي، فناجين القهوة تدور على الناس، وزجاجات خضراء يلقونها في مجرى السيل، لتبرد، قبل أن يطفئ بها المسافرون حرارة الغور، وتعب المسير..
ها أنا أبني معمار الذاكرة التي كانت عليها «قهوة حنا»، قبل عشرات السنين.. أنا أريد أن أستزيد من طاقة المحبة التي تسكن فيها، وقد كانت الأردن وفلسطين، على مراحل طويلة من الزمن يتم تقسيمها عرضيا، وليس طوليا، كما جزأته السياسة، وقسمه الغرباء، يمكن الحديث حول هذا الجانب بتفصيل أعمق حين كان ميزان الوصل لا الفصل، عرضيا بين مدن شقائق النعمان، حيث مؤاخاة الدم والمصلحة، شرق النهر وغربه، شرق بحر الملح وغربه، شرق وادي العربة وغربه.. مؤاخاة شقائق النعمان، لا قسمة المسطرة، والخطوط المنقطة.
 ربما، كان لا بد لي من هذه الاستراحة، في «قهوة حنا»، قبل أن أعبر الجسر، حتى أستعيد الحالة المثلى، مترفعا عن كثير من السائد الملوّث، الذي حمّلنا إياه الواقع، الذي لا يد لنا فيه، لكن، على أي حال، لا بد من لحظة تطهير، وبعض تراتيل، وعزم أكيد لطرق صوان الصمت، كي تشتعل قدحة الكلمات، منيرة، متلألئة، نقية، مشربة، بحال البلاد كما كانت قبل أن تجتاحها أكاذيب ودسائس الاحتلال، والتقسيم، والنزاعات، وحسابات السياسة، والجغرافية!!

عِقد الأمكنة
يقول «حنا»!!
نعم، سيقول شيئا، فهو قد حضر فجأة، كأنه انبثق من باطن الأرض، كأنه رصد، أو مبعوث من باطن الغيب، جاء، بلمح البصر من مأدبا، في هذه اللحظة بالذات، لينتظرني بين تلك الأطلال، وعند بقايا مقهى يحمل اسمه. جاء «حنا السرياني» ليقول لي كلمة خير، ويعود الى موقعه الذي جاء منه.
قال حنا: أيام البركة والخير، كانت المدن مفتوحة على بعضها، وكانت السلط مثلها مثل نابلس، والخليل كما الكرك، واربد كأنها بيسان، وبقية المدن والأرياف والامكنة شرقا وغربا، درب محبة يصلها، وترتبط كلها بالعروة الوثقى بينها، كأنها مدينة واحدة.. كان التحرك شرقا غربا، لا بشكل طولي، غير منطقي، كما هو الحال الآن.
ووقف «حنا»، فجأة، كأنه أبلغ رسالته المبعوث بها، وقال سريعا: أريد أن أعود الى مأدبا، وتابع مسيرك، على بَرَكة المحبة، ولا تتأخر عما ينتظرك هناك، أما هذا المقهى، فلا تتأخر فيه كثيرا، فما هو إلا ذاكرة محفّزة لك، ولم يتبق منها سوى الاسم، بعد أن تغير الحال حوله، والمسافرون غيّروا اتجاه مسيرهم، وقلّت أعدادهم.
قلت: يا «حنا»، أريد أن أتابع مسيري عكس التيار، ومعي الفينيق الذي يتلبسني، يتقمصني، يأخذني الى حيث أريد أن أنقش روحي، ونبض أهلي.. حينئذ.. لوّح لي «حنا» مبتعدا، وامتطيت الفينيق المتخيّل، محاولا لظم عقد الأمكنة والتاريخ والناس، هناك، رائيا كيف تلتحم ضفة النهر، مع رمل البحر، وكيف تشي المدن والقرى بكل ما لديها من أخبار عن مخطوطها الجامع للأرض، كل الأرض، هناك من شمال القداسة إلى جنوب البركات، ومن شرق الدفء، إلى غرب الجَمال، كلها تعبر عن نبض فلسطين.

«جَفرا وهي يا الرَبِع»
أحلّق عاليا إلى هالة المحبة، هناك..
أشد الرحال إلى نهر الأردن، في البدء، كأني أريد أن أتوضأ مرة بمائه، وأتعمد بسماحته مرة أخرى، وأسمع وشوشته ووصاياه لي: تلك أرض اللبن والعسل، نبضها غرب النهر، كما هو النبض في شرقه، وأوصاني خيرا، ودلّني النهر على الدرب الذي أسير فيه لأصل كل مدن فلسطين، لأحضنها، وأعانق الذاكرة البكر فيها، وأسطر بعضا من التاريخ العتيق هناك.
من على ضفة النهر أطل..
أمتطي صهوة الفينيق الذي أخذ عهدا على نفسه، بأن يكون قريبا مني، لأرى بأم عيني ما اريد أن أرى، حتى إذا ضاقت عليّ الأمكنة والحواجز ونقاط التفتيش وإشارات المنع، جاءني طائري، فإما أن أمتطيه لأصل ما انفصل، أو يتجلى لي سر الفينيق، يمنحه لي، يسلمني مفتاح كينونته، لتنبعث الأمكنة التي منعوني عنها، والأحداث التي حجبوها عني، ويعاد تشكيل الأشياء والتفاصيل، كنعانية الجوهر، كما كانت قبل فيض من الزمان، وكما ستكون عليه حالها بعد الآن، متجددة كما هو الفينيق في انبعاثه، وتساميه، ودورته حياة، وراء حياة.
ها أنا أصاحب الفينيق، أرافقه ليدلني على فلسطين التي أحب، وأريد، فأُلوّح من بعيد، للأشقاء هناك وهم يحرسون التاريخ والأمكنة والذاكرة، وأُقَبّل أشجار الزيتون، وعتبات البيوت، ووجوه الجدات، ونقوش التفاصيل، مرددا:
 «جفرا وهي يا الربع.. بين البساتيني..
مجروح جرح الهوى.. يا مين يداويني..».
 أعيد اللحن شجيا، وأرتل معه سور النبض الذي يتجلى ما إن يهل «طاري» البعيدين/القريبين في تلك الربوع قرب النهر.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فاتحة لبدايات القرن !
آراء
مهند عبد الحميد
دعوا الشعب اليمني يعيش ويقرر!
آراء
عبير بشير
حسن نصر الله: الأمر لي
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أنا والغريب
اقرأ المزيد ...