جمال ناجي: عندما تشيخ الذئاب سؤال المكان والهُوية و... التلقي

2014-12-23


عادل الأسطة
لم أقرأ للروائي جمال ناجي أعماله كلها، ويعود السبب إلى عوامل عديدة أهمها: أن أعماله تصدر في الأردن وفي العالم العربي، وسرعان ما يتلقاها النقاد بالقراءة والدرس والتحليل، فلا يبقون الكثير لمن تأخر في الحصول على رواياته ومجموعاته القصصية وقراءتها، وأنني شخصياً مشغول بأدب فلسطين المحتلة، لأنه لا يحظى بما يحظى به أدب الفلسطينيين في المنافي، وجمال يعد واحداً منهم، وإن أثار بعض قارئي نصوصه سؤال الهُوية فيما يخصه ويخص أدبه، وهذا جانب سأتوقف إزاءه، ولو بإيجاز، ثم إن الكاتب، أي كاتب، في زمننا هذا، حيث الإنتاج الأدبي غزير ووفير، مضطرٌ لاختيار عمل أو عملين لهذا الكاتب أو ذاك لقراءتهما، وستكون أعمال الكاتب الكاملة من خيار دارسه المتخصص بنتاجه، فعلى عاتق هذا تقع مسؤولية متابعة نتاج كاتب واحد وملاحقته وتبيان التطورات التي ألمت بنتاجه فنيا وموضوعياً ـ أعني ما يخص الموضوع.
أذكر أنني قرأت رواية جمال ناجي الأولى «الطريق إلى بلحارث» يوم كنت أقيم في الأردن لدراسة الماجستير، وفي أثناء ترددي على رابطة الكتاب الأردنيين، وفيها تعرفت إلى جمال والتقيت به لقاءً عابراً، ومن يومها، حتى اليوم، لم ألتق به، لكنني كنت أعرف أخباره الأدبية من خلال قراءة مراجعات لها، فيما يصلنا من صحف، على قلة ما يصلنا في فلسطين المحتلة، ولم تحظ أعمال جمال الرواية والقصصية بعناية دور النشر الفلسطينية إلاّ مؤخراً، وتحديداً منذ أدرجت روايته المذكورة ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية، فقد أعيدت طباعتها والتفت إليها بعض المهتمين بالأدب، ونوقشت في ندوة اليوم السابع التي تعقد في القدس مرة كل أسبوع (ينظر نص الندوة في الحوار المتمدن، 13/2/2010) كما أعيدت طباعة إحدى مجموعاته القصصية، ولا أعرف إن كان الكاتب زار فلسطين بعد أوسلو، ولو كان زارها لربما التقيت به.
ولا أنسى موضوع روايته الأولى «الطريق إلى بلحارث»، وأذكر أنني قرأتها بمتعة، وقد ذكرتني برواية أخرى وجدت صدى في الأدب الفلسطيني، هي رواية يحيى يخلف «نجران تحت الصفر»، فقد تشابه موضوع الروايتين، وإن اختلفت المعالجة، ويعود هذا على الزمن الروائي لكلتا الروايتين، فالأولى تأتي على 60 ق20، حيث كان المد القومي قوياً وظاهراً، وكانت ثمة حرب مشتعلة في الجزيرة العربية، والثانية تأتي على 70 ق20، حيث أخفق المشروع القومي. هاتان الروايتان ستكونان فاتحتين لروايات فلسطينية وعربية تخوض في الموضوع نفسه: إبراهيم نصر الله في «براري الحمى» وراشد عيسى في «مفتاح الباب المخلوع»، ولا أنسى روايات لهاني الراهب السوري الذي عبر عن تجربته في الكويت، ومحمد المنسي في إحدى رواياته التي قاربت المكان السعودي، والقائمة بدأت تطول.
وكانت الروايات التي خاضت في تجربة مكانية طارئة على الكاتب موضع دراسات أو موضع عناوين فرعية في دراسات، مثل دراسة أحمد ابو مطر «الرواية في الأدب الفلسطيني» (1980) ونزيه أبو نضال في «علامات على طريق الرواية في الأردن» (1996)، وهناك من عالج هذه الروايات منفردة، ملتفتاً إلى أزمة بطلها، مثل ابراهيم خليل في كتابه «الرواية في الأردن في ربع قرن 1968 ـ 1993» فقد كتب عن البطل الإشكال في «الطريق إلى بلحارث» ، وعالج الموضوع متسلحاً بأدوات الناقد الماركسي.
حظيت روايات جمال ناجي، عموماً، بعناية النقاد، بخاصة في الأردن، وكتبوا عنها الكثير، ومنذ رشحت «عندما تشيخ الذئاب» لجائزة بوكر اتسعت دائرة تناول أعمال الكاتب وشرحها ونقدها، بل واتسع مكان نشرها، هذا إذا غضضنا النظر عن النشر الإلكتروني الذي جعلها بمتناول يد من يجيدون التكنولوجيا، ومع اتساع تناولها ونشرها أثار بعض دارسي نتاج الكاتب سؤال هُويته: أهو أديب فلسطيني أم أديب أردني، علماً بأن هذا السؤال الآن ما عاد كما كان من قبل، في 60 و70 و80 ق20، وهو سؤال يثير سؤالاً آخر، ولعله آثاره لدي شخصياً، فهل ترك سؤال نازك ضمرة، وهو يراجع رواية «عندما تشيخ الذئاب» (الحوار المتمدن في 13/2/2010) أثره على جمال ناجي، فدفعه لكتابة روايته الأخيرة: «غريب النهر» (2012) التي باشرت بقراءتها، منذ يومين، وقالت لي بعض مراجعاتها إنه يقارب الموضوع الفلسطيني فيها، كما لم يقارب في أعمال سابقة للكاتب (مخلفات الزوابع الأخيرة، عندما تشيخ الذئاب، وإلى حد ما الطريق إلى بلحارث، علماً بأن شخصيتها الرئيسة من مخيم)؟
توقف نازك ضمرة وهو يراجع «عندما تشيخ الذئاب» أمام كتابة جمالعن عمان، ولاحظ الاختلاف بينه وبين ابراهيم نصر الله في مقاربة الموضوع الفلسطيني وتساءل: «هل يمكن أن نعتبر رواية (عندما تشيخ الذئاب أدباً فلسطينياً؟» وأضاف: «ومع إعجابي بأسلوب كتابته، لكن يبرز إلى الذهن تساؤلات إن كانت كتابته هذه الرواية تعكس أدباً فلسطينياً؟ وربما كانت له أجندته الخاصة وما زال وعينه على نزعة علمانية وعالمية وعولمية. فمن قراءتنا لشخصيات روائية والتصاقها بعمان تجعله أقرب إلى أن يكون عمانياً من الدرجة الأولى أكثر من كونه لاجئاً فلسطينياً يرشح الألم الفلسطيني ولو أحياناً عبر أدبه، كما يفعل إبراهيم نصر الله في كل فقرة أو رواية أو قصيدة يكتبها مثلاً، سواء مباشرة أو رمزاً».
هل تساؤل نازك ضمرة في محله؟ وهل هو محق في هذا؟ ولا أريد أن أجيب بالإيجاب أو بالنفي قدر ما يهمني شخصياً كتابة الكاتب عن مكان لا يعرفه. فهل كان جمال ناجي سيكون موفقاً لو كتب عن يافا وحيفا أو القدس، وهي مدن لم يقم فيها ولم يزرها، خلافاً لعمان التي عرفها منذ العام 1967، منذ نزح إليها بسبب حرب حزيران 1967؟
في كتابه «فن القصة» يعالج محمد يوسف نجم هذه القضية ويرى أن على الروائي أن يترك الكتابة عن أماكن لا يعرفها، وأن يكتب عن الأماكن التي ألفها، وهذا يذكرني بروايتين «الزلزال» للطاهر وطار و»مدينة الله» لحسن حميد، عدا تجربة نجيب محفوظ الكتابية، وهي معروفة لمن قرأ أعماله، فلم يكتب إلاّ عن القاهرة وأحيائها، وثمة رواية واحدة خرجت عن مألوف مكانه، هي رواية «ميرامار» التي كتب فيها عن الإسكندرية التي تردد عليها، وآمل ألاّ تكون الذاكرة خانتني.
في «الزلزال» يكتب الطاهر وطار عن مدينة قسنطينة التي لم يُقم فيها، ولكنه زارها ودرس أماكنها، وحين كتب عن المدينة وصف شوارعها ومطاعمها وجسرها، ولكنه لم يصف بيوتها من الداخل، ويعود السبب في هذا إلى أنه، كما يقول، لم يدخل بيوتها. وفي «مدينة الله» يكتب حسن حميد عن القدس التي لم يزرها، يكتب عن أماكن يعرفها ويقيم فيها ويتشرب مناخاتها، وهذا ما لاحظته في ثلاث روايات قرأت اثنتين منها وباشرت بقراءة الثالثة وهي «الطريق إلى بلحارث» (السعودية/ القنفذة) و»عندما تشيخ الذئاب» (جبل الجوفة وعمان الغربية) و»غريب النهر» (الشونة) وأماكن أخرى).
في مقاربة أخرى لكاتب آخر هو أحمد حسن المعيني يقر صاحبها بأن نص «عندما تشيخ الذئاب» نص ممتع، وأن أفضل ما أنجزه جمال ناجي هو إتقانه لتطور الشخصيات وانتقالها من البراءة إلى الانحراف الكامن فيها الذي كان ينتظر شيئاً ما ليخرج، وهذا الإتقان في الحقيقة يحتاج إلى روائي ماهر. (ملحق شرفات في جريدة عمان بتاريخ 17/2/2010، والمادة مدرجة على الشبكة العنكبوتية) ومع مديح المعيني للنص جمالياً إلاّ أنه يرى في النماذج التي أظهرها الروائي، وهي المتدين المنافق والسياسي الفاسد والمتدين المتطرف والزوجة الصغيرة اللعوب كلها صور استهلكتها المسلسلات العربية مؤخراً.
في كتاب «مدخل إلى مناهج النقد الأدبي» (عالم المعرفة، الكويت، أيار 1997) مقاربة موجزة لعقدة أوديب وهاملت وتشابه فكرتهما، وقد يحيل هذا إلى مقولات بنيوية حول الأنساق الثابتة التي تذكرنا بقول الشاعر العربي «ما أرانا نقول إلاّ معاداً مكروراً». حقاً إن النماذج التي ظهرت في رواية «عندما تشيخ الذئاب» هي صور أبرزتها المسلسلات العربية، بل يمكن القول إن هذه النمائج برزت في روايات عربية عديدة اتكأت المسلسلات العربية على بعضها، مثل رواية «شيكاغو» لعلاء الأسواني، إلاّ أن ما يجدر ذكره هو أن هذه النماذج موجودة، بالفعل، هنا وهناك، في الأردن وفي مصر وفي الجزائر وفي المغرب، بل وما يجعل المرء يغض الطرف عن شيء مثل هذا، هو القدرة الفائقة في الوصف في الرواية، وصف بيئة الشخصيات، ووصف المكان الذي نشأت فيه، وهكذا منح جمال ناجي  روايته قدراً كبيراً من الخصوصية، واللافت للنظر، لمن يقرأ نماذج من الرواية الأردنية المعاصرة، أنه يلحظ التغيرات والتطورات في روايات أخرى، ما يعني أن الواقع يفرض نفسه على الروائي، وهذا لا يهرب هنا من واقعه إلى الكتب التاريخية ليتكئ عليه في بناء عمله الروائي، وإنما يعبر عن واقعه، آملاً أن يسهم، ولو قليلاً، في مجابهته ومعالجته، وستكون المعالجة أكثر جدوى وفائدة لو أخرجت الرواية عملاً تلفازياً أو سينمائياً، وهنا يتذكر المرء رواية ليلى الأطرش «رغبات ذلك الخريف». ثمة تحولات بارزة لافتة شهدتها عمان في الثلاثين سنة الأخيرة، وها هي الرواية تظهرها وتتوقف أمامها.
ربما كان من الشخصيات اللافتة في رواية «عندما تشيخ الذئاب» شخصية اليساري الذي تخلّى عن يساريته ومعارضته للسلطة وغدا جزءاً منها، بل إنه تخلّى عن أهله وحيّه وغدا إنساناً آخر. هذا النموذج يكاد يبدو لافتاً في الرواية العربية المعاصرة، ولا عجب أنه يظهر في روايات عديدة تنتمي إلى أقطار عربية من المشرق والمغرب، وكانت له، أصلاً، بذوره المبكرة في أعمال قصصية قصيرة. وربما تذكر المرء بعض روايات نجيب محفوظ، وبعض قصص الطاهر وطار «اشتراكي حتى الموت»، بل وقصة قصيرة مبكرة للكاتب الفلسطيني نجاتي صدقي «الشيوعي المليونير». وأما في أدبنا الفلسطيني، داخل فلسطين، فتعد رواية عياد يحيى «رام الله الشقراء» نموذجاً جيداً يُستشهد به.
في رواية «عندما تشيخ الذئاب» يتجسد هذا النموذج في شخصية جبران. كان هذا اعتقل، من قبل، لأنه كان مناضلاً ماركسياً دافع عن قضية المحرومين وعن الطبقة الكادحة، ثم غدا شيوعياً مليونيراً يمارس حياة برجوازية ومثله زوجته، ويدافع عن سلوكه بأنه لم يتخل عن مبادئه، وإنما اتخذ نضاله شكلاً آخر.
ما يروق لي فيما قرأته من نصوص جمال ناجي الروائية أنه يمنح من الواقع ويعبر عما يعيش ويرى، ولا يتكئ في كتابة الرواية على ما يقرأ في الكتب، وهذا رأي، مجرد رأي، وأنه فوق ما سبق يعرف المكان الذي يكتب عنه جيداً.
24/11/2014

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: