أكد في حضرة درويش أن «الكتابة حرية أو لا تكون»

الـشـاعر التـونـسـي أولاد أحـمـد ينـبـش في الـذاكـرة ويـــروي حكايات عن فلسطين وتونس ويوم الشعر و «سيدي بوزيد»

2014-12-23


كتبت بديعة زيدان:
«لا أعرف إذا كانت فلسطين هنا أو هناك في تونس، لأن هناك الكثير من التوانسة والمغاربة والعرب، ومنذ النكبة يناضلون من أجل فلسطين وتحررها» .. كان هذا تعبير عفوي للشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، وهو في حضرة محمود درويش، في الأمسية التي استضافها المتحف الذي يحمل اسمه في مدينة رام الله، مؤخراً، وحاوره فيها الشاعرعبد السلام العطاري، قبل أن يضيف: القضية الفلسطينية في تونس منذ النكبة مروراً باحتلال العام 1967، فاجتياح بيروت، كانت ولا تزال من المقدسات .. نحن تعلمنا وعشنا مع الكثير من الفلسطينيين، وأفادونا في الحركة الشعرية أو الأدبية أو الثقافية عموماً، لكني أرى بأن الطريق طويل، لقناعتي بأن البشر أكثر إيذاءً بالبشر من الحيوان الذي يكتفي بفريسة وحيدة .. معركة تحرير فلسطين معركة مصيرية».
وتابع متهكماً: قال يقال لنا على الدوام إن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، لكني على قناعة بأن العرب لم يفعلوا الكثير لهذه القضية، ولذلك أقول إن هناك قضايا أولى أيضاً مثل فلسطين، كالحرية والديمقراطية .. الشعوب العربية المكبلة لا يمكنها أن تساهم في تحرير فلسطين، أو في لم شمل الفلسطينيين .. كنا نفكر بالكليّة، بمعنى أن الأيديولوجية تحكمنا كاشتراكيين أو قوميين، والآن بدأنا نفكر فيما هو جزئي، وكدنا نصل إلى نتائج، فالحرية مثلاً في تونس أصبحت شيئاً لا راد له، فلن يأتي رئيس أو نظام قادر على أن يقيم صنماً في شارع، وبتنا نتدرج الآن باتجاه تأسيس الديمقراطية.
واسترسل أولاد أحمد: كتبت الكثير عن فلسطين والقضية الفلسطينية،  وبطبيعة الحال لا أريد التدخل في الشؤون الفلسطينية .. تعلمنا منهم الكثير، وتعلمنا منهم التجزئة والتقسيم أيضاً.. نحن في تونس، ومنذ ثلاث سنوات تم تقسيمنا إلى مسلمين وكفار وملحدين، هذا توجه عالمي ... نرجو أن يتوحد الصف الفلسطيني، ومن ورائه المناضلون من أجل فلسطين وقضيتها وأهلها، لافتاً إلى أهمية الثقافة والفنون الفلسطينية في ذلك، ففيلم عمر للفلسطيني هاني أبو أسعد هو الفائز مؤخراً بجائزة التانيت الذهبي، أكبر جائزة في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي مؤخراً.

مع محمود درويش
وفي شهر نيسان المقبل، يبلغ أولاد أحمد عامه الستين ... «انا من مواليد مدينة بوزيد، عشت مع الحبيب بو رقيبة، وعشت مع بن علي، وعشت ثلاث سنوات حزينة وصعبة مع (وزراء الله)، وها هي تونس تفتتح اول ثورة بعد فترة طويلة من الاستبداد، وها انا والحمد لله أطأ ارض فلسطين قادماً من تونس الى باريس ثم عمان ثم رام الله، ولعل درويش هو من اوصلني الى هنا، إلى هذا المتحف العظيم الذي يحمل اسم صديقي محمود درويش.
وقال: آخر لقاء لي مع محمود درويش كان في منزل سفير فلسطين في تونس سلمان الهرفي، بحضور العديد من المثقفين والفنانين وأعضاء من السلك الدبلوماسي، وكان ذلك قبل توجهه إلى أميركا لإجراء العملية، ومن ناحية أخرى، أنا من آخر الشعراء في جيلي ممن عرفهم محمود درويش.
وأضاف: حين قدم درويش من بيروت إلى تونس كنت لا أزال في البدايات، ولم أتمكن حينها من التقرب إليه أو حتى التعرف عليه، لكني، وبعد فترة، زرته في بيته قرب السفارة الفلسطينية بباريس، وبعد ذلك تأسس بيت الشعر في تونس العام 1993، وكان بمبادرة مني، ثم جاء درويش وزار بيت الشعر لتدعيم الفكرة، وللدفاع عني ليس ضد السلطات بل ضد مجموعة من الشعراء التونسيين، واستضفناه بعد ذلك في مدينة قفصة بجنوب تونس، ونظمنا له ندوة حول شعره وتجربته في بيت الشعر هناك، شارك فيها كبار الأدباء والشعراء والفنانين بينهم محمد بنيس، وصبحي حديدي، ولطفي اليوسفي، ونصير شمة، وأصدرنا مجلة عن بيت الشعر، وهي العدد الأول والأخير، حيث غادرت بيت الشعر العام 1997، وفيها أعمال الندوة وعلى غلافها رسم لدرويش، وجئت بنسخة منها لإهدائها إلى متحف محمود درويش.

الشاعر واسمه
وبالنسبة لاسمي، والحديث للشاعر التونسي المثير للجدل، قال: اسم أبي محمد، وبطبيعة الحال ان يكون اسم الولد اصغر من ابيه فأنا اسمي محمد الصغير، ولقبي هو اولاد احمد بن علي، وهو وليّ صالح، فنحن اولاد أحمد، وقد اشتبه على الكثيرين اننا مجموعة ... بصراحة انا العب على هذا الاسم ربما لانني اتجه الى عدة الوان في الادب، فأكتب الشعر، واكتب النثر، واحيانا اغامر بنفسي في المظاهرات والشوارع، فإذا كان من خيار بين الشعر والحياة، فأعتقد ان الحياة اهم.

ما بين المشرق والمغرب
وبخصوص صراع السطوة على الشعر ما بين المشرق والمغرب العربي، أجاب: هذا الموضوع مطروح منذ قديم الزمان، حتى أن ابن هاني الأندلسي كان يسمى متنبي الغرب .. حين أسأل نفسي: هذا مغربي وذاك مشرقي، أجد نفسي بدوياً لي علاقة طبيعية باللغة العربية، وأقرب إلى البحر العربي المتوسط ... في بعض قصائدي قد تكون الصياغة أقرب إلى الفرنسية .. الآن في هذه السن، أعاهد نفسي، بأن تكون موضوعات كتاباتي تونسية بعمقها التاريخي والجغرافي، وأسلوبي هو النقد والسخرية، وإذا لزم الأمر استخدام جميع الوسائل بحثاً عن الحرية التي نريدها «دفعة واحدة» الآن، فليس أمامنا وقت طويل كي ننتظر المجتمع والشارع ليحصل عليها.
وأضاف: أبو القاسم الشابي مثلاً عاد من المشرق، هذا الذي قاد ثورة كاملة في بيته «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر» ... نحن تعلمنا الكثير من المشرق العربي، فالأوائل والمؤسسون والمطابع الأولى من المشرق، وخاصة في القاهرة وبيروت، لكن بعد ذلك صرنا نرتقي، ونطلع على ترجمات وكتب أخرى، بحيث لم يعد هذا السؤال مطروحاً.

«فورمات» تونس
وحول مستقبل تونس، وإلى أين هي ذاهبة، قال الشاعر أولاد أحمد: عندما تقتحم الفيروسات جهاز حاسوب، أو «لابتوب»، لا بد من إجراء عملية «فورمات»، وهذا يعني برأيي أن العودة إلى الماضي ليست دائماً تعني الهروب إلى المستقبل، فعليك أن تعود إلى الماضي، كي تسترجع شيئاً من لياقتك، فلتقفز عاليا عليك أن تتأخر قليلاً كي تجري.
وأضاف: الآن الثورة التونسية، تسعى لإصلاح أخطائها التكوينية الأولى، وكونها ثورة لم تكن مدبرة أو مخططاً لها، ولكن ربما وقع تحويل وجهتها فيما بعد داخلياً وإقليمياً ودولياً، لكني متفائل، كون أن الحرية باتت معطى على أرض الواقع وفق شعاراتها «الكرامة والحرية»، قبل القفز عليها، حيث لم يرفع في الثورة التونسية أي شعار ديني، بل حتى رموز الإسلام السياسي ومعتنقيه كانوا خائفين من السلطة، ولم يظهروا في المظاهرات والمسيرات المرافقة للثورة، مع أن الشعب التونسي في غالبيته مسلم منذ قرون عديدة، فالمساجد بناها الشعب، وحكومة الإسلام السياسي في تونس لم تبن مسجداً واحداً في فترة حكمها لثلاث سنوات .. هذه الحركات والحراكات كلها، سواء على مستوى تونس أم الوطن العربي، وضعت الإخوان المسلمين في خندق الوطنية، بمعنى التونسة والمصرنة وغيرها، وخضعت لتجربة الحكم، ووقعوا تحت براثن حكم الشعب هم الذين سمّاهم لينين «وزراء الله»، وسمّاهم نيتشه «سفراء الله» ... أنا أنزه الله عن مسألة الديمقراطية، فالله لا يخضع للتصويت، والعقيدة الإسلامية لا تخضع للتصويت ... الديمقراطية معيار نسبي انتقلت لدينا من الاتكاء على مصطلحات كالنزاهة والشفافية إلى حالة من التغول برزت معها مصطلحات جديدة كالشيطنة، على سبيل المثال، فإما أن تقبل بالديمقراطية أو أن لا تقبل بها.
وأضاف: أعتقد أن المجتمع المدني في تونس، وخاصة النساء والشباب، مجتمع مدني يقظ ... الثورة مثلت العمليات الجراحية الكبرى لا بد أن يرافقها نزيف ما، وقد يكون حاداً أحياناً، بل وتختلف الأوجاع أيضاً، وكثير من الثورات فشلت أو لم تصل إلى أهدافها ... عموماً أرى أن موجة الإسلام السياسي بدأت تتقلص، وعلينا استثمار ذلك.

الكتابة حرية
وختم الشاعر الصغير محمد أولاد أحمد حديثه بالقول: الكتابة حرية أو لا تكون .. العربية في القاموس تفيد بأن نبدأ بالفعل الثلاثي ثم ندوره، ولدينا في العربية «فكّر» ثم «كفّر»، فالذي لا يفكر، ولا يبذل المجهود ليقوم بذلك، ويعيد تفكيره، وأحياناً يراجع قناعاته مثل العلوم .. أسهل مهنة هي التكفير، والتكفير الآن ليس فقط لأسباب دينية، بل بات لأسباب مالية، بمعنى تحول إلى «بزنس»، فعصابات «البزنس» التكفيرية باتت تغرر بالعشرينيين، ومن يعود منهم على قيد الحياة، يعود ثرياً، وينضم إلى مافيا التكفير، ليجند آخرين، وهكذا.
سيرة ذاتية وشعرية 
تقول سيرته الشعرية، والحديث هنا للمحاور الشاعر عبد السلام العطاري، انه من مواليد سيدي ابو زيد في تونس، تلك القرية الصغيرة التي قلبت عرش نظام بن علي ونظامه ... وفي العائلة العشائرية حيث للخبز الف معنى، كان متوحدا ومنطويا على نفسه مثل كوبرا سوف يشعل حرائق صغيرة في العاصمة تونس ... ملتزم وفوضوي داخل حركة المجتمع التونسي ومطالب المجتمع المدني، وفي عزلة قصيدته يكتبها اشعارا لنقابة او بيانا لحزب او قصيدة لجمهور الفقراء البائتين بلا خبز ... وأهدت له العاصمة ليال من الاعتقال البارد، وزعيما لاول بيت للشعر في الوطن العربي، ثم خارجا ومطرودا، كي يعيد حملته الشعرية على اليد الجاثمة على الحرية.
كتب نشيد الايام الستة لكنها منعت لبعض الوقت ثم كتب ردا على اعدائه في الحياة والكتابة «ليس لي مشكلة»، والحكاية عن المسيرة يطول .. الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، هذا الاسم الطويل في الجسد النحيل سيمضي أوقاته متهكماً متعاركاً ورامياً سهامه في كل صوب وحدب، مطلقاً رصاصات الرحمة على الديناصورات الشعرية، منتمياً إلى صوت الشعب، غير آبه بـ «أعدائه من النقاد ودكاترة الجامعات الذين كما يقول يقبضون رواتبهم من أبيات للمتنبي وبشار بن برد والحطيئة».
ثم جاءت الثورة، وجاء البوعزيزي الذي ضحى بجسده، وقدم نفسه قرباناً كي ينتفض الشعب، فكان أن انتمى إلى هذه اللحظات التاريخية، وغنى للثورة بقلبه وعقله ويده المرتجفة عليها، ثم كان كتابه «القيادة الشعرية للثورة التونسية» ليؤكد أن الشعر هو الأصلح ليكون إلى جانب الجماهير.
ويبقى أن نشير إلى ما قاله الشاعر التونسي حول زيارته إلى فلسطين: أحس أنني بصدد الحج .. زرت بيت لحم ورام الله، ومررت بالقرى والحواجز العسكرية الإسرائيلية، كأنني لا أسافر أفقيا بل عمودياً، عميقاً في أرض التكوين الإنساني .. كأنني في سرّة الكون... ثمة حياة في فلسطين، حياة لا تقف عند حدث ما.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: