حبس رواياته «تويا» و»المرشد» و»البارمان» في الأدراج لقرابة ربع قرن

الروائي المصري أشرف عشماوي لـ «أيام الثقافة»: الكتابة لعبة ممتعة وجديدي عن حقبة تاريخية مجهولة

2014-12-16



    حاورته بديعة زيدان:

لم يكن الحوار عادياً مع الروائي المستشار، أو المستشار الروائي، أشرف عشماوي، صاحب روايات «زمن الضباع»، و»تويا»، و»المرشد»، و»البارمان»، ليس فقط بسبب الإجراءات الرسمية شبه الصارمة التي رافقت دخولي إلى مكتبه في مقر مجلس الشورى بالعاصمة المصرية القاهرة، بل لكون ساعتين من الحوار الصحافي والروائي وغيرهما مرتا كدقيقتين أو أقل، حيث سرعان ما بدد رسمية الاستقبال برشاقة كلماته، وحكاياته التي جعلتني أصفه بعد أن أصر على مرافقتي حتى باب المجلس عند الخروج، بأنه المستشار الروائي القاضي، والأهم الإنسان .. مع عشماوي كان لـ «أيام الثقافة» الحوار الآتي:


- حكايتك مع الكتابة والنشر غريبة نوعاً ما .. فالفارق بينهما يزيد على ربع قرن ؟!
هذا حقيقي .. هناك فارق زمني ما بين بداياتي مع الكتابة وبدايتي في النشر يزيد على العشرين عاماً، وعندما نشرت «زمن الضباع» وما تلاها من أعمال، ولسبب عملي في القضاء، وصفني البعض بالروائي القادم من خارج الصندوق الأدبي ... لا أعرف ما هو الصندوق الأدبي، بل لديّ تحفظ شديد على هذا المصطلح، لا أرى أن تسمية الصندوق الأدبي أي الوسط الأدبي دقيقة، فالإبداع في الرواية وغيرها من صنوف الأدب شخصي، وغير مرتبط بمهنة مبدعها، سواء أكان طبيباً أم محامياً، أم مهندساً.

- هل عملك في النيابة والقضاء وتدرجك في هذا المجال حتى بت مستشاراً هو ما حال دون نشر إبداعاتك التي بقيت لعقدين أو يزيد حبيسة الأدراج؟
أنا خريج كلية الحقوق من جامعة القاهرة، وسبق أن عملت في قسم التحرير بجريدة الأهرام، وقبلها كنت أكتب إعلانات يغلب عليها الطابع الكوميدي في وكالة إعلانات شهيرة.
لم أكن راغبا في العمل الحكومي، وكنت ارغب في الانخراط بعالم الصحافة في كل تفاصيله، الا ان ضغط والدي كان شديداً عليّ فعملت في النيابة، خاصة ان والدي وجدي ايضا درسا القانون، بل إن جدي كان قاضياً .. رضخت للضغوط تلبية لرغبة والدي في «إكمال المسيرة».
«دخلت النيابة»، وبقيت احتفظ برغبتي في الكتابة، فأنا كمحقق ووكيل نيابة كان ينبغي عليّ كتابة تفاصيل كاملة عن اية جريمة مع الأدلة، فكنت أكتبها وكأنها قصة، وكان رؤسائي في العمل يقولون لي «انت تكتب للقاضي قصة للتسلية لا تقرير جريمة».
ومع الوقت انتبهت انني استطيع كتابة حكايات وقصص، وأنه ليس بمقدروي رواية اية قصة شفهيا فلم يسبق لي أن رويت اية حكاية شفهية لأولادي في صغرهم مثلا .. كنت أقرأ لهم عند النوم.


الخروج من الأدراج

- لكل رواية حكاية بلا شك .. لكن لماذا كنت خائفاً من نشرها هي التي حققت ولا تزال نجاحات كبيرة؟
بدأت أكتب «زمن الضباع» عندما كنت في منتصف العشرينيات من عمري على شكل خواطر، ثم رواية «تويا» وكانت أكبر مما هي عليه الآن وكانت أيضا تحكي قصة تعود إلى ستينيات القرن الماضي والاستعمار الانكليزي لأفريقيا، ثم عدت لأكمل زمن الضباع.
في العام 2004 كتبت رواية «المرشد» وتركتها دون نهاية، وقبل نشرها كتبت آخر فصلين أثرا بالثورة وفترة وصول الإخوان للرئاسة .. وفي العام 2009 كتبت رواية «البارمان» .. إلا أن كل هذه المسودات كانت حبيسة الأدراج ومخزنة على الكمبيوتر فقط، وجميعها مسودات غير مكتملة، ولم أنشر منها شيئاً.
ما شجعني على النشر، أنه في العامين الأخيرين، قرأت زوجتي وابني الكبير وعدد من الأصدقاء أعمالي هذه، وتوقعت أنهم يجاملونني حين أبدوا إعجابهم بي.
كنت خائفاً من فكرة النشر، حيث إنني في مرة حضرت ندوة فتعرض الكاتب للشتم من النقاد فخفت أن يكون هذا مصيري، وكوني قاضياً في محكمة الجنايات آنذاك، خفت أكثر فأكثر، وكنت اخاف ان يجاملني اي ناشر كوني قاضياً وينشر لي مقابل طلبات لها علاقة بعملي، وهنا تدخل الواسطة والمحسوبية، وهو ما أرفضه تماماً.

- كان العام 2006 مفصلياً بالنسبة لقرارك بالنشر .. ما الحكاية؟
في العام 2006 تملكتني رغبة عارمة في النشر .. كنت حينها رئيس نيابة احقق في جرائم ارهاب في طابا وشرم الشيخ، فتحدثت مع النائب العام عن كتاباتي وعن رغبتي في النشر، فقال لي: «جميل جدا في أي فرع في القانون تكتب»، فقلت له انا اكتب قصصاً وروايات» .. عدّل من جلسته الهادئة واقترب مني قائلاً: «قصص ايه؟ قصص يعني منى بتحب احمد ويتجوزوا في آخر الرواية»، فأجبت بتلقائية «منى بتحب احمد اه بس انهم يتجوزا او ما يتجوزوش مش ضروري»، وكنت بذلك أحاول تلطيف الجو، لكن النائب العام انزعج جدا وتقلبت ملامحه، وقال لي: «ابعد عن هذا الموضوع» .. لا تفكر فيه بعد الآن، بل أضاف: «هذا عيب .. انت مدير نيابة، ولا يجوز أن تكتب روايات وقصصا، فشعرت حينها انني امشي في الشارع عارياً مثلا» .. كنت أتمتم داخلي «هذا أدب مش قلة أدب».
لا يوجد في القانون ما يمنعني من النشر ولكن احترمت رأي النائب العام ولم انشر حتى العام 2009 بعد الفراغ من رواية «البارمان» .. حقيقة أنا اشعر بمتعة وسعادة كبيرتين أثناء الكتابة، واكتب في أي وقت ممكن .. أحياناً اكتب فكرة ما وانا على منصة المحكمة .. احتاج إلى هدوء، هذا طبيعي، ولكن عندما تجيء الفكرة اكتبها ولا يهمني المكان أو التوقيت ابدا.

مع أنيس منصور

- وما حكايتك مع أنيس منصور؟
في أواخر العام 2009 دعيت لحضور مئوية المتحف الاسلامي فكانت جلستي بجوار أنيس منصور مباشرة، القيت عليه التحية وهو بطبيعته عصبي، ولم يكن ودوداً معي، مع انني سلمت عليه بود وثناء الا انه قابلني بتجهم، وما هي الا لحظات حتى انقطع التيار الكهربائي، واثناء انشغال عامل الصيانة بإصلاح الخلل تحدثت معه، واستجاب خاصة أنه لم يجد ما يفعله الا ان يستمع لي .. قلت له أنا اكتب منذ سنوات طويلة ولم انشر اي شيء، وخائف من القارئ وردة فعله، فردّ علي: لماذا تخاف .. «ربنا نزل القرآن والانجيل والتوراة واختلف الناس عليها فلماذا تخاف انت».
هذا شجعني أن نقدم مسودة لرواية كنت كتبتها من فترة طويلة، فأخذها وقال: «هاتها وبلاش غلبه واكتب عليها اسمك ورقم تلفونك».
عاد «النور»، واكملنا الحفل، وانتظرت بعد الحفل اكثر من ثلاثة اسابيع حتى اعتقدت ان الرواية لم تعجبه او لربما كان صندوق القمامة مصيرها، لكنني تفاجأت بعد خمسة وعشرين يوماً، بمكالمة من سكرتير أنيس منصور، أخبرني فيها أنه يريد أن يكلمني، وكان الأمر صاعقاً بالنسبة لي .. قال لي الاستاذ أنيس منصور، حينها: «انت بتشتغل ايه» .. قلت له قاضياً، فقال لي: «سيبك من الكلام الفارغ الي انت بتعمله وانشر الرواية الي انت اعطيتني اياها فورا، وراح قافل السكة في وجهي، وما لحقتش اقوله شكرا».. المكالمة لم تستغرق عشر ثوان.
شعرت في ذلك اليوم انني حصلت على جائزة نوبل  ... بعد يومين  تفاجأت ايضا ان داري نشر تهاتفانني بأن انيس منصور اخبرهم عن الرواية .. الدار الاولى  قالت لي: «ممكن نخلي الاسد هو عبد الناصر»، خاصة أن العنوان الأول للرواية كان «عندما غاب الأسد» فخفت من تغيير الرواية، خاصة أنني لم اكن اقصد هذا في روايتي فلم اتشجع للنشر ورفضت العرض.. دار النشر الثانية هاتفتني من ليبيا ليقول لي المسؤول فيها: قرأت المسودة واعجبتني، وسأوقع معك العقد .. ومن هنا بدأت حكاية مع «اللبنانية المصرية للنشر» .. قال لي اسلوبك جميل وسأنشر لك كل ما تكتب، وبالفعل نشرت رواية «عندما غاب الأسد» تحت اسمها «زمن الضباع»، خشية ان يعتقد القارئ انني اشير الى مبارك في الاسم الاول، حيث ان النشر كان في الفترة التي تلت تنحي مبارك، علماً ان الفكرة تقوم على أن في داخل كل شخص اسدا، وأن سكوتنا المتواصل يقتل الاسد داخلنا ويحوله الى قط  ..هذه فكرة الرواية باختصار لكن اسم «زمن الضباع» لا يدل على ما كنت اقصده لذلك ما زلت احب الاسم الاول اكثر.. هذه الرواية ظلمت باعتقادي فرغم الإشادة النقدية فيها لم تبع أكثر من خمسة آلاف نسخة، ولم يطبع منها سوى طبعتين على عكس الروايات التي تلتها (تويا، والمرشد، والبارمان).. أطبع ثلاثة آلاف نسخة في الطبعة الواحدة، وعندما نقول إن «البارمان» الصادرة هذا العام صدرت في طبعتها العاشرة، فإننا نتحدث عن ثلاثين ألف نسخة.


مصادفة «تويا»

- هل تعتبر أن وصول «تويا» إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر بنسختها العربية كانت محطة انتقال في مشوارك الروائية؟
للحقيقة، الصدفة تلعب دوراً إيجابياً كبيراً في مشواري الروائي .. «تويا» كتبتها في العام 1990 ولم كن أفكر في نشرها، وكانت حينها بدأت الدار اللبنانية المصرية للنشر بالانتهاء من كتابي «سرقات مشروعة»، وهو مجموعة مقالات عن سرقات الآثار، وكنت أراجع الكتاب في شهر أيار من العام 2012، ووجدتهم يتكلمون عن مكان شاغر لرواية يرشحونها لجائزة البوكر، إضافة إلى ثلاث روايات جاهزة للترشيح، فسألوني عن رواياتي غير المنشورة، فحدثتهم عن «تويا» ودلالات الاسم عند الفراعنة ومعناها بالكينية، وهو اسم البطلة، فطلبوها للاطلاع عليها، وعندها أبلغتهم «انها بحاجة لشوية توضيب»، ومنحوني فرصة يومين فقط، وكنت أعيد قراءتها بعد كتابتها بأكثر من ربع قرن، فحذفت منها فصولاً، وأضفت إليها أشياء جديدة، وقدمتها بعد أسبوع على خجل، ولم أتوقع لها النجاح محلياً، فما بالك في «البوكر»، إلا أنه كان للناشر رأي آخر.
في البداية باعت الرواية عشرة آلاف نسخة في ثلاثة أشهر .. الجمهور على عكس النقاد تفاعل مع الرواية بشكل إيجابي كبير، قبل وصولها إلى البوكر، وبعد وصولها للبوكر، ولم أصدق الخبر بداية، زادت حدة هذا التفاعل .. يقولون إن الصدفة تلعب دوراً في تغيير الكثير من الأمور في حياتنا، لكن ليس إلى هذه الدرجة.
قبل «تويا» لم أشارك في أي حفل توقيع، وحفل توقيع «تويا» نظم بعد وصولها إلى البوكر .. كنت أخشى من ألا يحضر أحد، لكن إطلاق «تويا» كان صاعقاً بالنسبة لي لكثرة الحضور والمبيعات والتعاطي معي كنجم، وهذا جعلني أشعر بمسؤولية أكبر في القادم.

المرشد والإخوان المسلمين

- وماذا عن المرشد؟
كتبت المرشد في العام 2004، ولم أكن قد أنهيتها، ولذلك، وعندما قررت نشرها، كنا قد مررنا بحكم الإخوان المسلمين لمصر، فوظفت ذلك في الفصلين الأخيرين للرواية، حيث أضفت هذين الفصلين قبل نشرها العام الماضي، وهي الرواية التي لفتت أنظار المخرج علي بدر خان فقرر تحويلها إلى مسلسل، لكن للحقيقة أنا لا أكتب إلا كي أفكر مع القارئ بصوت عالٍ أو مرتفع، ولا أسعى لتحويل أعمالي إلى سينما أو تلفزيون، إن تم ذلك فلا يهمني الموضوع التجاري بالأمر بقدر التعرف إلى كاتب السيناريو والأبطال ... أحب الكتابة، وأرى أنها لعبة ممتعة، وأنا أستمتع بها، لا يهمني أن أكون محترفاً.

«البارمان»
- في «تويا» لم تزر كينيا مع أن البطلة كينية .. هل حدث الأمر ذاته في «البارمان»؟
في «تويا» استفدت من زيارة دول أفريقية عدة، أما في «البارمان» فزرت أكثر من «بار»، بل قابلت ثلاثة ممن يعملون في «البارات» (الحانات)، أو «البارمان» كما نطلق عليه في مصر داخل منازلهم .. أحب أن أقوم بعملي باستمتاع وإتقان .. البعض وجد أنني غزير الإنتاج، لكن الحقيقة أن هذه الروايات كانت حبيسة الأدراج وجهاز الكمبيوتر، وكانت تستغرق كتابة الرواية الواحدة ما بين عامين إلى خمسة أعوام، وجميعها نفدت.

في أحضان التاريخ المجهول

- أخيراً .. ما هو جديد أشرف عشماوي؟
منذ ثلاث سنوات أعد رواية هي الأولى لي بعدما نفد رصيدي من «روايات الدرج»، وذلك كي تخرج بما يليق بالقارئ الذي أحب رواياتي، ولولاه لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن في عالم الرواية.. في الكتابة تعب جسدي، وسعادة روحانية، حتى أنني قد أبكي أو أضحك، أو امتعض أو أغضب خلال الكتابة من فرط تأثري بما أكتب .. أتقمص الشخصيات في روايتي، وأعيشها.
الرواية الجديدة تدور أحداثها في فترة مهملة تاريخياً، وهي السنة الأخيرة من حكم المماليك، أي في فترة حكم محمد علي باشا، وهي فترة مغرية بالكتابة، كونها كانت مشبعة بالأحداث وبالفوضى أيضاً .. أشعر أنني أعيش في تلك الفترة، لدرجة أنني ألهث أحياناً وأنا أكتب، وأتوقع أن تصدر في شباط (فبراير) أو آذار (مارس) من العام 2015، وكون أن روايتي المخزونة نفدت، فبالتأكيد لن يكون لي روايات جديدة في العام 2016 وربما 2017 أيضاً.
الرواية الجديدة باختصار تتحدث عن فكرة القطيع، وتدور في زمن المماليك، وبالتحديد في العامين 1804 و1805 للميلاد، وهي فترة مغيبة في كتب التاريخ المدرسية والكثير الكثير من المراجع العربية التي أغفلت ظروف تولي محمد علي حكم مصر، هو الذي جاءت به الدولة العثمانية لمقاومة الحملة الفرنسية، وبالصدفة أيضاً، وقعت وأنا أبحث في وثائق تاريخية في دار الوثائق القومية برقيات من قناصل أجانب عن الحملة الفرنسية على مصر، ورؤيتهم ومواقفهم تجاه محمد علي، وكيف يرون فيه ثعلباً قادماً لحكم مصر بعد سنين .. أعجبت بما عثرت عليه، وقررت كتابة رواية تاريخية.
لديّ فلسفة تجاه كتابة الرواية التاريخية، وهي الابتعاد عن الشخصيات الحقيقية، وإلا لتحولت إلى مؤرخ أو كاتب تقارير أو صحافي، وما ساعدني في ذلك أنها فترة غائبة أو مغيبة من التاريخ، فلا أحد يعرف كيف وصل محمد علي إلى الحكم، وكل ما يعرفه الناس عنه ما بعد توليه حكم مصر، وهنا وظفت خيالي فيما أغفله التاريخ، ولا يوجد ما هو مكتوب عليه، وابتكرت شخصيتين هما عبارة عن أخوين من ذات الأم أحدهما من أب مملوكي والآخر من أب مصري للحديث عن التقارب والصراع بين المماليك والمصريين لأخوين في بيت واحد، أحدهما ثوري للغاية وحالم وثائر، والآخر سلطوي يعمل في جهاز الشرطة ويمارس سطوته على الناس .. أنا لا أكتب التأريخ، بل أكتب التاريخ .. صحيح أن القارئ قد يصدق ما أقوله، خاصة أن لا مراجع تثبت أو تنفي ما أقول، ولكني لا أؤكد أنني في روايتي الجديدة لا أكتب التاريخ.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: