معراج المهاجر .. غرباء على ناطحات السحاب

2014-12-16


تمام هنيدي

إلى ابراهيم جابر ابراهيم.

لم تلدني أمُّهُ،
لكنّما لو توفّر لنا الوقتُ حتى نقولَ الحقائقَ
سوفَ نؤكّدُ أننا تعلّقنا في زمنين مختلفين في مئزرِ الأمهاتِ الماضياتِ الى الماء هرباً من العطشِ القسريّ.
تعفّرت جبهتانا كلّاً على حدةٍ بالرّمل، وفقدنا رائحةَ الليمونِ الحامض تفوح في أرضِ الدارِ كلّاً على حدةٍ، وأبرمت الحياةُ الاتفاقَ ذاتهُ معنا في زمنين مختلفين/ لا شأنَ لي إن أخذَ الآخرونَ بيوتكم الأولى، أستطيعُ توفيرَ الضروريّ من المنافي لتمارسا حنينكما كما ينبغي، فكونا جديرين بأرضِ الآخرين/
لن يتغيّر الكثير لو أنني كنتُ قد ولدتُ قبلَ ذلكَ الصيفِ بسنوات،
يا صديقي،
مرّ محلٌ كثيرٌ وما زالَ أبي يزرعُ القمحَ
وإلى الآنَ لم نفهم كيفَ نطعمُ الطيرَ رزقنا؟!
أمهاتُنا الطيباتُ يقلنَ: ستفرجُ، ثمّ يرددنَ بكلناتهنّ:
«لا بدّ ما تفرج ويصير عنا طحينْ... وبتسمع الجيران رقرقة العجين».
وإلى الآنَ....
لم تلدني أمّهُ،
لكنني شبهُ متأكدٍ أنها علّمتهُ المكانَ مثلما فعلت أمي، وعلّمتهُ الماءَ حينَ مرّت بهِ إلى جانبِ البئرِ المردومِ بالحجارة... يالحجارةِ الآخرينَ، ويالآبارنا !
ولدنا في عامينِ مختلفين
غير أنّ الحربَ على حالِها.
الهجراتُ
صنادلُ الأطفالِ مقطوعة الأحزمةِ
الخبزُ المغبرُّ
مفاتيحُ البيوتِ.
صعدنا، في زمنينِ مختلفينِ المعاريجَ ذاتها،
كنتُ أمشي وأرى آثارَ خطواتِهِ الطفلةَ على الأرض.
تبعتُ القمحَ المتسرّبَ من هودجِ رحلتِهِ
وحبّاتِ الزبيب الهاربةَ من ثقوب الخرجِ
رأيتُ آثارَ لقمةِ الزعتر التي سقطت من يديهِ طفلاً، فأكلتُها.
وساقيةً خلّفتها خطاهم فشربتُ منها
ورأيتُ زاويةً بالَ فيها حينَ خافَ من ذئابِ البردِ فبلتُ فيها دونَ أن يكونَ هنالكَ ذئاب.
سبقت خطايَ خطاهُ
وسبقت دموعي دموعُهُ
وسبقت أمي أمُّهُ
ودخلَ الغرباءُ منزلهُ فرأوا باباً يفضي إلى منزلي... فدخلوا.
- الغرباءُ عرفوا دهاليزَ بيوتِنا أكثر منا -

ماءُ عيونِهم تجمّعَ في المكان الذي خلّفتهُ خطاهُم على شاطئ البحرِ فكانَ الملحْ,
ومشينا على نفسِ المكانِ فتجرّعناهُ وكانت ذاكرة.
أيها الأحياء
يا أصدقاءنا الذينَ لم يموتوا بعدُ
استحقّوا حياتَكم
غنّوا لحياتِكم
تستطيعونَ البكاءَ على من يموت، علينا..
نحنُ احتفالكم بالنجاة.
أنا وصديقي الذي ماتَ قبلي نطوّقكم بالأغنيات والقصائد
أنا وصديقي الذي ماتَ قبلي نمنحكم دونَ أن نبكي فرصةً للسعادة
نحنُ سعادتُكم الخبيئة
خطاكم التي لم تسيروا،
خطاكم التي تأخرت.
أيها الأحياء
يا أصدقائي الذينَ لم يموتوا بعد
حكمتُنا لكم فخذوها
أحرقوها إذا شئتمُ، ولكن لا تنكروها
نحنُ أشرعةُ سفنِكم
قواربُ نجاتِكم
حبالُ آباركم العميقة نحن
عصيّ أنبيائكم
قدرتُكم التي لا تعرفون
وحنينُكم الذي نخشى أن يستيقظَ فيكم.
خذوا حكمتنا..
خذوا حيواتِنا.
سوفَ يخرجُ منكم شاعرٌ ويقولُ إنّ ولادتنا سبقت ولادتَهُ
وإنّ أمّهاتِنا لم يلدنَهُ لكنّهُ ارتطمَ بذاكرتِنا في طريقِ هجرتِهِ الأخيرة.
قولوا لهُ:
لم تلدني أمّهُ
لا أمّ تلدَ ابناً سوى ابنِها
لكنّما الطريقُ ذاكرة المسافرين.
والنخيلُ وشوكيّاتُ الأرضِ والحجارة يحفظونَ الوجوه.
بدّلوا طرقاتِكم.. ولا تسيروا وراءنا
نحنُ الذينَ نوشكُ أن نرمي مفاتيحَ بيوتِنا من ناطحاتِ السحاب.
ستوكهولم - السويد
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: