طـلًت براعـم الفنون، وأزهرت فرحاً وإبداعاً وصخباً جميلاً

2014-12-16


وليـد عبـد السـلام

على مدار ثلاثة ليال متتالية، وبحضور مميَز ملأ قاعة قصر رام الله الثقافي ودرجاته في بعض هذه الليالي، قدمت فرقة براعم الفنون عرضها الاستعراضي الجديد « طلًت»
عرض إبداعي شد انتباه الجمهور لساعة كاملة ودوَا لو أنها لا تنتهي، معبراً عن ذلك بالتصفيق الحار والطويل للفرقة عند انتهاء العرض، الأمر الذي دفعها لإعادة عرض رقصة « زاجـل» ليتابعها الجمهور بالتصفيق وقوفاً بمتعة وشغف ربما فاقت المشاهدة الأولى.
و «زاجـل» هو عنوان الإصدار الجديد لفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية والذي ضم مجموعة أغنيات تراثية، قسم منها أغنيات مشهورة للفرقة أعيد إنتاجها بتوزيع موسيقي جديد، وهو مادة العرض «طلًت» عنوان إحدى الأغنيات التي صارت واحدة من أجمل رقصات العمل.
وبراعم الفنون هي الجيل الثالث لفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، إذا اعتبرنا أن الجيل الأول هو المجموعة المؤسسة للفرقة عام 1979، والذين حملوا هموم وأعباء الحفاظ على الفرقة، الفكرة والحلم.
اما الجيل الثاني فهو كادر الفرقة الحالي الذي تربى ونما في أتون عطاء الفرقة وإبداعاتها، وحمل مسؤولية استمراريتها، وسار على درب صعب محفوف بمحاذير ومخاطر كثيرة للوصول إلى صيغة إبداعية تزاوج ما بين الأصالة والتجديد
وفرقة الفنون لم تتعامل مع براعمها كفريق احتياطي تلجأ إليه لرفد الفرقة الأم بعناصر بديلة لأشخاص يغادرون منصات العروض وقاعات التدريب لأسباب اجتماعية وأخرى تتعلق بالسفر أو الدراسة وغيرها، كما لم تكتفي بإشراكهم في عروضها في بعض اللوحات، وإنما عملت واستناداً إلى رؤية علمية وإدراك لشروط ضمان بقاء الفكرة حاضرة ومتوهجة، عملت على تكوين جسم خاص لهذه المجموعة، ووفرت له الإمكانيات المادية والفنية اللازمة، وقدًمت من خلاله عرض لوحات تراثية، ثم العمل الخاص بالبراعم « رقصة شمس» وواصلت سعيها في استقطاب أطفال موهوبين يلتحقون بهذه المسيرة الإبداعية والتربوية، وصولاً إلى عرض «طلًت» وبهذا تكون الفرقة قد أكًدت ديمومتها وأصًلت فكرتها وعمًمت رسالتها.
وانطلاقا من هذا الفهم، أرى أن هذا العمل شكل علامة فارقة في مسيرة الفرقة والتي ستستخلص منها دروساً تفيد عملها في قادم السنوات، اما ما تميًز به عرض «طلًت لبراعم الفنون فيما أرى، فيمكن إيراده في النقاط التالية:
أولاً : أنه عرض شبابي بامتياز، بدءا من الموسيقيين الذين نفذوا الألحان  والمغنين الذين وضعوا أصواتهم الجميلة بمشاركة بعض المغنين من الجيل الأول الذي واكب أعمال الفرقة مثل نجاح مخلوف ومحمد يعقوب، مروراً بالطاقم الإداري الذي تابع مراحل الإنتاج من الألف إلى الياء طوال عام كامل، وصولاً إلى المصممين الذين صمموا الرقصات وسينوغرافيا العرض وأشرفوا على التدريب، وانتهاءً بكتيبة البراعم من فتيان وفتيات لا تتجاوز أعمار أكبرهم الثامنة عشر عاماً، وما يعنيه ذلك من أهمية تعزيز دور هؤلاء الفتية وتمهيد الطريق امامهم لتسلم مهمة القيادة وإخراج الطاقة العالية والنقية المخزونة بداخلهم بشكل إبداعي وإيجابي، وهذه نقطة تحسب بالتأكيد لإدارة فرقة الفنون التي ترى صوابية الإستثمار في هذا الجيل.
ثانياً: قدم هذا العمل إضافة نوعية في مجال تصميم الرقصات، وتمثل ذلك في التركيز على عنصر الدراما الذي بدا واضحاً في العديد من اللوحات وفي الربط ما بين لوحة وأخرى، وتجسد ذلك في اللوحة الإفتتاحية للعرض « ترويدة شمالي» حيث رفعت الستارة عن امرأة بثوب فلسطيني على رأسها شال أبيض غطى خلفية المسرح وجزء كبير من الخشبة، جرى تطريزه باستخدام خيال الظل بحركات راقصين على خلفية الشال خرجوا بعدها من كل أنحاءه إلى مقدمة الخشبة فاشتعلت بالألوان والطاقة والبهجة، وأظن ان هذه اللوحة مستوحاة من أحد أعمال الفنان التشكيلي إسماعيل شمَوط الشهيرة، كما قدم مصمموا العرض حلولاً إبداعية ياستخدام الدراما لعدد من الأغنيات ذات الإيقاع الهادىْ الذي يصعب معه تصميم رقصات وتشكيلات بالصورة المتعارف عليها، وبدا ذلك واضحاً في رقصة القهوجي التي قدمت كرقصة تعبيرية هي أقرب إلى المشهد الدرامي، مستحضرة أجواء حارات القدس القديمة ومقاهي باب العامود وباب الخليل، وكذا أغنية «ع البيدر السمرا» التي نقلتنا إلى أجواء مواسم الحصاد وليالي السمر والسهر على الغلال التي تملأ أكياسا تشع بالخير والنور باستخدام جميل للفوانيس التي أضاءت أكياس القمح وعتمة الصيف الناعمة، ولوحات أخرى مثل «وين ع رام الله و»خذني ع فلسطين» وما احتوته من مشاهد تعبر عن الفراق والحنين واللقاء وحقائب سفر كرمز للغربة، هذا الاستخدام للدراما وأدواتها من تعبيرات وخيال ظل واكسسوارات مختلفة عن المناجل وأطباق القش التي اعتدنا رؤيتها في عديد الأعمال الإستعراضية للفرق العاملة في هذا المجال، منح العرض أبعادا وجماليات بصرية، وحماه من الوقوع في العادي والمألوف الذي لا يثير دهشة ولا يحقق متعة
ثالثـاً: التنوع الذي اشتمل عليه العرض حيث قدم نماذجا من التراث الشعبي الفلسطيني تمثل في لوحة القهوجي تعبيراً عن التراث المدني وتحديدا مدينة القدس، ولوحات مثل «ع الدوم» و»زاجل» التي تمثل التراث الريفي ورقصة «ع البنية» التي قدمت صورة عن تراث البدو، كما تنوعت المواضيع التي تناولها العمل من الاستعداد للتضحية من اجل الوطن كما برز في «طلت « و»على ظهر الخيل» والتعبير عن الغربة وعذاباتها والتوق للعودة للوطن في لوحتي وين ع رام الله وخذني ع فلسطين ومواسم الحصاد والتغزل في المحبوب والمحبوبة، ما يؤهل العمل لنقل صورتنا بشكل حضاري محمولاً على البراءة والطاقة العالية للأطفال بعيداً عن الشعارات والخطابة والقوالب الفنية المألوفة والمتكررة.
رابعاً: إعتماد تصميم الرقصات أسلوب التعامل مع الراقصين كمجموعات وكتل، لنراهم كأسراب الطيور التي تأتي موجة تلو أخرى، أسراب تحط وأخرى تطير، مجموعات تتداخل بتلقائية وفوضى منظمة لتشكل لوحات بصرية متتابعة ومتغيرة غاية في الجمال، تعود لتنتظم بين الفينة والأخرى في صفوف وحلقات، مستفيدين ل العدد الكبير للمشاركين والذي وصل إلى أربعة وثلاثين فتى وفتاة، وفي خضم هذا الزخم، خصصت مساحة لإبراز مهارات فردية قدمها باقتدار عدد من الراقصين والراقصات الذين لعبوا أدوار اللوًيح والقهوجي والبدوية المهاجمة بالسيف والطير الحائر، وهو ما منح هذا العمل خصوصية أرى أهمية الحفاظ عليها وتطويرها .
وهنا لا بد من الإشارة إلى الملابس التي أسهمت بشكل كبير في تحقيق جماليات العرض، والتي كانت بألوانها وتصميمها ملائمة لأعمار المشاركين وطبيعة العمل.
أما الموسيقى، حاضنة العمل ونقطة ارتكازه الأولى فيحسب لها صخبها المحبب دون ضوضاء واستخدامها أدوات موسيقية شرقية وبتركيز خاص على التراثية منها، وغني التوزيع الموسيقي دون مبالغة، وتنوع أصوات المغنين، وأصالتها التي تشي بأنها فلسطينية المنشأ.
خامساً: جودة بناء العرض من حيث ترتيب اللوحات وتسلسلها، بدءاً بلوحة البداية  « ترويدة شمالي» بإيقاعها الهادئ والذي يتصاعد برصانة وتدرًج، لينقلنا بعدها إلى اللوحة التالية «زاجل» وهي مزيج من عدد من الأغنيات الشعبية الشهيرة والمحببة، بإيقاعات وتنويعات حيوية، لتتوالى بعدها الرقصات بأجوائها وإيقاعاتها وتنوًع مواضيعها وراقصيها، فتارة ينفرد الشباب بالخشبة وتارة الصبايا، وأخرى ينفرد فيها شخص واجد لينهي رقصة أو يمهد لأخرى، لتشتعل الخشبة من جديد بعشرات الراقصين، بسلاسة وتنامي مدروس وصولاً إلى ذروة العرض ورقصة الختام «طلًت» بإيقاعها الصاخب والسريع وتشكيلاتها المتلاحقة بمشاركة جميع الراقصين وبكامل طاقتهم التي حافظوا عليها طوال العرض، مجسدين مضامين الأغنية التي ربما أحسوا أنها تعبر عنهم وتشبههم، والتي تقول في بعض مقاطعها:

طلَت عند هبـوب الريـح    كفوف الشمس المضويَه
لمَت زعتـر لمًت شــيح    ونسـجت ثوب الحـرية
طلعت تركض فوق حصان    تحمل الحجارة الصوان
ترمي العسـكر والغربان    وتتمترس فـي العليًـة
شق صغار المرج الدرب    وحطوا الشمس بباب القلب
ضوَت كشفت سر الكرب    وشافوا الرحـلة المخفيـة

تحية لفرقة الفنون الشعبية على هذا الإنتاج الجميل، تحية لها وهي تدخل عامها الخامس والثلاثين بكامل ألقها وعطائها، تحية لها وقد صارت مدرسة ومرجعية، وراكمت إنجازات وإبداعات حققت حضورا محليا ودولياً لافتاً، وإرثاً فنياً نعتز به
وأخيراً ، .. تحية للمبدع خالد قطامش مدير الفرقة وأحد مؤسسيها، مشعل فكرة البراعم والحريص على بقائها متوهجة.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: