في الفيزياء، والسياسة، والتضامن: البوصلة المقيَّدة... عُزلة إسرائيل وعَزل مروان

2014-11-25



عبد الرحيم الشيخ

قد يكون من الممكن تقييد البوصلة، أي وضع قيود حول البوصلة، حرفياً، لكن من المستحيل إلغاء الجاذبية، وإن بأمر عسكري! هذه صورة يمكن تأمُّلها يومياً ونحن نتجرَّع أخبار الأسرى الفلسطينيين في سجون دولة الاستعمار الاستيطاني-إسرائيل. فهم بوصلة وطنية بامتياز في مختلف خياراتهم: خياراتهم في المقاومة-التي أودت بهم إلى سجون الاحتلال؛ وخياراتهم في الصمود-التي لا تزال تحول دون خروجهم منها؛ وخياراتهم في السياسة-التي تجعل ما يقولون جزءاً مركزياً من لاهوت سياسي، وإن لم يكن السائد، فإنه الأكثر مصداقية وعقلانية وقابلية للتحقق... هم بوصلة مقيَّدة، وفواعل معزولون يزجون دولة سجَّانيهم إلى أوسع عزلة في تاريخها... لا لشيء، إلا لأن قوانين الطبيعية أكثر دهاء من قوانين تسخيرها.
ليس في واقع الاحتلال ما يبعث على التأمل، وليس في الممارسة الاستعمارية ما يحفِّز على النظر... وليس في اجتماع واقع احتلالي ينماز بممارسة الاستعمار الاستيطاني العنصري بامتياز، في حالة إسرائيل، ما يفضي إلى التفاؤل أو التشاؤم... بل إن في ذلك كله ما يؤكد أن وسم إسرائيل، اليوم، ووصمها بأنها «إسبارطة الجديدة» لم يعد مجازاً، إذ انحال كل ما فيها من فائض للقوة وجشع في احتكار استخدامها إلى عنف منفلت من عقاله أدى إلى نتائج متقدمة في تحقيق عُزلة إسرائيل، بينما تعتقد دولة الاستعمار الاستيطاني هذه أن بوسعها تغطية شمس الحقيقة بغربال القوة (مثلاً: حين تنقل القائد الوطني-النائب مروان البرغوثي إلى العزل الانفرادي في غمرة واحدة من أشرس هجماتها على الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية، وبخاصة القدس وأهلها). ليس في ذلك كلِّه إلا ما يؤكد إفلاس عديد المنظومات التي صاغت هذه البنية الاستعمارية: منظومة السياسة، ومنظومة الأمن، ومن قبلهما منظومة الأخلاق... وإن كان محض الإشارة إلى «الأخلاق»، إن في إسبارطة القديمة أو الجديدة، نكتة تاريخية سمجة لا يحتملها المقام.
كنت بدأت الكتابة لمناسبة مرور عام على إطلاق «الحملة الدولية لحرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين» في 27 من تشرين الأول 2013 من زنزانة الزعيم الجنوب-إفريقي نلسون مانديلا، أحد أبرز رموز الحرية في العالم، في «روبين آيلند»، وهي الحملة الدولية الأولى التي تطلق للمطالبة بحرية الأسرى الفلسطينيين بإلهام خاص من «حملة الحرية لمانديلا» وبناء على توصيات اللقاء الدولي «الحرية والكرامة» الذي عقد في مدينة رام الله في 27 و 28 نيسان 2013. لم تكن الكتابة في حينه، ولا الآن، تذكيراً بحدث قد ينحال إلى ذكرى (كغيره من كثير أحداث فلسطين الجسام)، ويذوى من صفحة تاريخنا «عندما يبتعد»... بل  من قبيل الالتفات إلى بعض «أوراقنا» الفلسطينية الرابحة في إنصاف واحدة من أكبر مظلوميات التاريخ الحديث، إن لم تكن أكبرها... لكن حدثاً آخر يخص البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين، وكلنا أسرى خارج مقتضيات المجاز.

عَزل مروان وعُزلة إسرائيل:
لا جديد سوى التأكيد
ففي يوم الأربعاء الموافق 12 تشرين الثاني 2014 من الأسبوع الفائت قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي (ممثلة بما يعرف بـ»مصلحة السجون الإسرائيلية») نقل النائب والقائد الوطني مروان البرغوثي، الأسير في سجن «هداريم» منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عاماً، إلى زنازين العزل الانفرادي للمرة الثانية والعشرين. وقد جاء في بيان نادي الأسير الفلسطيني ذي العلاقة أن إدارة السجن أبلغت الأسرى أن عملية نقل النائب البرغوثي جاءت كعقاب على البيان الصحافي الذي تم نشره (وظهر على الموقع الإلكتروني الحملة الشعبية لإطلاق سراح القائد مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين) في الذكرى العاشرة لرحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات قبل يوم واحد من نقل البرغوثي إلى العزل الانفرادي.
ولعل من يقرأ البيان المذكور يدرك أن لا جديد فيه من حيث الاستراتيجيات العامة للنضال الوطني التي حاول البرغوثي إرساءها في مدرسة السجن (فاعليته في صفوف الحركة الفلسطينية الأسيرة)؛ وفاعلية هذه الحركة كبوصلة في توجيه المسار الوطني للحركة الوطنية الفلسطينية (عبر «وثيقة الأسرى»)؛ ومقولاته المتواترة في مختلف المناسبات الوطنية على امتداد العام عبر رسائله إلى أبناء حركته الأم، حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح؛ وإلى أبناء الحركة الوطنية عموماً، وأحرار العالم قاطبة. ولكن الجديد في البيان (الموقع من قبل البرغوثي في الزنزانة رقم (28) من سجن هداريم في 11 تشرين الثاني 2014)، هو عدم تغيير أي من التوجهات المتعلقة بصوابية هذه الاستراتيجيات الوطنية.  
فمن الجملة الافتتاحية للبيان «الوفاء لياسر عرفات هو الوفاء للقدس.. والوفاء للوحدة الوطنية… والوفاء للمقاومة»، يدرك المرء أن خيارات البرغوثي لم تتغير، وإن اختلفت مناسبة الكتابة التي هي اليوم «الهجمة على القدس» و»الذكرى العاشرة لاستشهاد ياسر عرفات». لكن المتتبع للبيان، يدرك أن «أمثولة ياسر عرفات» في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، هي أمثولة مركَّبة من مجموعة من الفرادات التي أتاحت له «تطويع» خيارات السلم والحرب، وإن لم يمتلكها «امتلاكاً» نظراً لاختلال موازين القوة. وعليه، فإن بياناً في ذكرى استشهاد صاحب «الأمثولة» لا بد (كما يظهر من نصه المحكم) أن يشير إلى هذه الفرادات المستحيلة وهو ينشد استنساخها. ولربما كان هذا هو أكثر ما في البيان إغاظة لعدو أشبه بثور نطاح مصاب بعمى ألوان في بازار للخزف!
ليس في البيان من جديد في نقاطه التسع التي أكد عليها من زنزانته، «ومن وسط آلاف الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني»: فلا جديد في تحميل إسرائيل وسندها الأميركي مسؤولية اغتيال الرئيس الشهيد ياسر عرفات لإجهاض انتفاضة الأقصى وضرب خيار المقاومة والقضاء على صمام وحدة الشعب؛ ولا جديد في أن الشعب الفلسطيني لا زال صامداً في وجه مختلف محاولات تفتيته وضرب وحدته واستهداف مقاومته بعد استشهاد ياسر عرفات؛ ولا جديد في استدعاء أسماء قادة الحركة الوطنية للحض على ردف التوافق الوطني «والتمسك بخيار المقاومة الشاملة وبالبندقية التي استشهد ياسر عرفات وأبو جهاد وأحمد ياسين والشقاقي وأبو علي مصطفى والكرمي وهي في أيديهم»؛ ولا جديد في التأكيد على «ضرورة إعادة الاعتبار مجدداً لخيار المقاومة بوصفه الطريق الأقصر لدحر الاحتلال ولنيل الحرية والعودة والاستقلال وتبني حركة المقاطعة لإسرائيل من قبل القيادة الفلسطينية رسميا»؛ ولا جديد في دعوة السلطة الفلسطينية إلى تبني خيار «المقاومة الشاملة» و»الوقف الفوري للتنسيق الأمني والتعاون الأمني الذي يشكل تعزيزاً للاحتلال ويلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الوطنية للشعب الفلسطيني»؛ ولا جديد في الدعوة إلى «اتخاذ قرار شجاع وفوري بالتوجه لمجلس الأمن الدولي والالتحاق بكافة المؤسسات والوكالات الدولية وفي مقدمتها محكمة الجنايات الدولية والتوقف عن الرهان على سراب المفاوضات»؛ ولا جديد في توجيه تحية لهبة القدس ودعوة أهلها وعموم فلسطين إلى درء الهجمة الشرسة بدرء يصدعها رسمياً وشعبياً؛ ولا جديد في الدعوة إلى مؤتمر وحدة وطنية من كافة القوى السياسية والاجتماعية الاقتصادية والثقافية والشخصيات والمؤسسات.... «لبلورة رؤية واستراتيجية فلسطينية موحدة بمشاركة الجميع تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ولعضوية المجلس الوطني الفلسطيني بعد أن مضت سنوات طويلة على انتهاء الشرعية القانونية لهذه الهيئات ومن أجل تجديد النظام السياسي الفلسطيني»؛ ولا جديد، بالتأكيد، في إدانة أي عمل يهدد الوحدة الوطنية كتفجيرات غزة التي استهدفت الوحدة الوطنية قبل استهدافها أية شخصية وطنية أخرى... لكن الجديد، في كل ذلك، هو الإصرار عليه-على نهج ياسر عرفات-بوصفه أمثولة وطنية لمروان البرغوثي وملايين غيره.  

كتابات السجن... برامج للحرية
قد يكون من الصعب التدليل على جديد بيان البرغوثي موضع الشاهد هنا، لكن النظر إلى تراكم هذا الإرث من كتابات الحركة الفلسطينية الأسيرة، وبخاصة كتابات البرغوثي، يمكن أن يستدل على طاقة هائلة من التأمل والمراجعة الدائمة لمسيرة الحركة الوطنية، ودراسة واقعها، وآفاق مستقبلها (دون الوقوع في سراب «دراسات المستقبل» ذائعة الصيت!). فهذه الكتابات تتأمل هدف حركة التحرر الوطني الفلسطيني (التي استعيض عنها بالحركة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1994 في البلاغة السياسية الرسمية السائدة)-وهو تحرير فلسطين أرضاً، وإنساناً، وفكرة من الاستعمار الصهيوني الذي قضى على الحلم الفلسطيني بالدولة وتقرير المصير منذ نكبة العام 1948 وحتى اللحظة. تتأمل كتابات البرغوثي هذه المسيرة، وتصر على الإسهام فيها عبر مراجعة الاستراتيجيات والتكتيكات الوطنية على امتداد العقود الخمسة الماضية.
يفيد التشخيص العام لهذه المسيرة أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وكأي حركة تحرر وطني عالمية (رغم فرادة طبيعة العدو الصهيوني ومنظومة علاقاته الإقليمية والعالمية الصلبة والراسخة وارتباط مشروعه الاستعماري الاستيطاني بمشروع عالمي أوسع)، عانت من الضربات الخارجية والتراجع الجماهيري والترهل الداخلي الذي أفقدها، أو كاد، بوصلة عملها الوطني الذي كان ولا يزال تحرير فلسطين (أرضاً، وإنساناً، وفكرة)، وخاصة في النصف الثاني من العقد الخامس في عمرها المديد.
كما تفيد أية قراءة بانورامية لهذا الإسهام الكتابي الفعَّال بأنه يتمحور دائماً حول: إعادة التقييم والمراجعة الشاملة والتاريخية للبرنامج السياسي والنضالي للحركة الوطنية في نجاحاته وإخفاقاته؛ وتشخيص عوامل القوة والضعف التي أدت إلى تلك النجاحات أو أسهمت في تلك الإخفاقات؛ وتقييم المشروع الصهيوني النقيض الذي لم يتخل عن استراتيجيته الاستيطانية، ولا حتى عن معظم تكتيكاته لتنفيذ تلك الاستراتيجية، على الرغم من تخلي الحركة عن «استراتيجية التحرير الشامل» ابتداءً من إقرار برنامج النقاط العشر في العام 1974 ومروراً باتفاقية أوسلو في العام 1993 وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في العام 1996، وانتهاءً بالتمسك المفرط بخيار الدولتين وخاصة بعد التوجه للأمم المتحدة والحصول على صفة دولة مراقب غير عضو في 29 تشرين الثاني 2012؛ وبلورة خطاب سياسي وثقافي وإعلامي يليق بمكانة الحركة التاريخية والوطنية والإنسانية قادر على التأسيس لمسيرة الحركة الوطنية في المرحلة القادمة، ومرافقتها، وضمان نجاح برامجها. وعليه، فإن المتتبع لكتابات البرغوثي (من تصريحات، ومقابلات، وبيانات، ووثائق مع إخوته ورفاقه الأسرى، وكتب)، يجدها تتركز في ثلاثة تأطيرات: 
التأطير السياسي: ثمة مراجعة دائمة لخيارات الحركة الوطنية عموماً وحركة فتح على نحو خاص، تاريخياً، وأهمها خيار الكفاح المسلح حتى إعلان الاستقلال الفلسطيني في العام 1988؛ وخيار المفاوضات منذ مؤتمر مدريد في العام 1991 واتفاقية أوسلو في العام 1993 وحتى اللحظة. تدرس هذه المراجعات إمكانية تبني الحركة لخيار الدولة الديمقراطية الواحدة بعد الإعاقات الإسرائيلية وحلفائها الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، الممنهجة لإجهاض حل الدولتين، وزج السلطة الفلسطينية في زاوية الـ «لا حول ولا قوة»، وخاصة بعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 2012. ولا شك أن ما بين السطور في هذه المراجعات يفضي إلى أنه من شأن حتى ذكر هكذا خيار ذكراً محضاً أن يردف «تهديدات» رأس الرسمية الفلسطينية وعديد القيادات الوطنية الفلسطينية ذات العلاقة (بخصوص «الخيارات الأخرى»)، وتحويلها من «حملات علاقات عامة» إلى نهج رسمي وقوة جماهيرية يعيد لمنظمة التحرير الفلسطينية صفتها التمثيلية الواسعة، ويحرج سياسات العدو ويضعه في الزاوية، ويقطع الطريق على من يتهمون السلطة الفلسطينية بالتنازل عن وحدة الأرض والشعب الفلسطيني. ولعل من أبرز عوامل القوة في الاتجاه نحو إبراز هذا الخيار:
الاستناد إلى نصوص الشرعية الدولية في اتفاقيات جنيف التي تتيح للشعوب المستعمَرة النضال بكافة الوسائل حتى التحرر والاستقلال وتقرير المصير، والشرعية الوطنية الفلسطينية المتمثلة في الميثاق الوطني الفلسطيني للعام 1968 لمنظمة التحرير الفلسطينية (الإطار الوطني الجامع الذي لم ينتقص حتى قرار قبول فلسطين دولة بصفة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة في العام 2012 من صفتها التمثيلية، والإطار الوطني التاريخي الذي أعلنت حتى حركة حماس رغبتها في الانضواء تحته) ونظامها الأساسي، وخطاب الرئيس الشهيد ياسر عرفات في الأمم المتحدة في العام 1974.
الواقع الاستيطاني و»الأمني» الذي فرضته إسرائيل على الأرض والذي جعل إقامة دولتين في حدود فلسطين التاريخية استحالة عملية وقانونية ومنطقية.
وجود تيار مركزي قوي (عالمي، وعربي، وفلسطيني، وحتى في أوساط ما تبقى من اليسار الإسرائيلي) يؤمن بأن الدولة الواحدة هي الحل في مواجهة حصرية الحركة الصهيونية وعنصريتها، وذلك على غرار الحل السياسي الذي أنهى رسمياً (وإن لم ينه فعلياً) نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وجود حركات تضامن دولية (مثل حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS)، وحركات مقاومة شعبية رائدة (مثل الحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيلPACBI)، وحركات سياسية فلسطينية (مثل التجمع الوطني في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948)، وحركات سياسية «مختلطة» من اليهود والفلسطينيين (مثل مجموعة الدولة الواحدة مدريد-لندن)، والمجموعات الوطنية التي تتخذ من الحفاظ على الثوابت الوطنية منهجاً لها (مثل المجموعة 194 دفاعاً عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، ومجموعة الحفاظ على الثوابت الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية)...تدعم خيار الدولة الواحدة وتعمل من أجل تحقيقه وإن بطرق مختلفة.
قدرة هذا الخيار على حل القضية الفلسطينية حلاً شمولياً بما فيه اللاجئون الفلسطينيون، وفلسطينيو فلسطين المحتلة في العام 1948.
 ثانياً، التأطير النضالي رسمياً وشعبياً: ويُستنج من مراجعات خيارات الحركة النضالية من الكفاح المسلح وحتى المقاومة الشعبية على نحو يرصد نجاحات هذه الخيارات وإخفاقاتها، ومن ثم تحديد القطاعات القادرة على العمل النضالي ضمن استراتيجية حركية ووطنية متكاملة ومحسوبة وبعيدة عن الارتجال والتخبط يدعوها البرغوثي «استراتيجية المقاومة الشاملة». ومن أهم عناصرها وضوابط نجاحها:
ضرورة عدم إهمال أي من خيارات المقاومة في أية مرحلة من المراحل التاريخية للقضية الفلسطينية. وما تجربة المقاومة العسكرية في معركة مخيم جنين، وفي الحروب التي شنتها إسرائيل على غزة وما سطرته المقاومة الفلسطينية من صمود، إلا دليل قاطع على ذلك.
ترسخ الحكمة التاريخية والمنطقية التي خبرتها الحركة الوطنية الفلسطينية بأن السياسي لا يحصد شيئاً إذا لم تؤسس له البندقية الملتزمة بالقرار الوطني.
عدم تبني خيار المقاومة الشعبية كخيار وحيد وبديل للخيارات الأخرى، بل رسم استراتيجية تدخُّل وتبنِّي له غير قائمة على الارتجالية والاعتباط، وغير قائمة فقط على الحملات الإعلامية والعلاقات العامة بل على «استراتيجية المقاومة الشاملة». كما ينبغي استثمار، بل وقيادة، الحراكات المختلفة التي تتبنى هذا الخيار وتكون عرضة للارتهان غير الوطني، وخاصة في أجواء الثورات التي تعصف بالمحيط العربي لفلسطين.
 ثالثاً، التأطير الثقافي: ويكرِّس هذا التأطير ضرورة استعادة المقولة الوطنية لعافيتها عبر تجديد تمثيلها للشخصية الوطنية الفلسطينية التي نصت عليها أدبيات حركة التحرير الوطني الفلسطيني، من حيث الحقوق والتطلعات والآمال، للفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، وخاصة في: فلسطين المحتلة في العام 1948، وفي الشتات، وغزة، وسجون العدو الصهيوني. ويقوم هذا البرنامج على تبني استراتيجية ثقافية-إعلامية قوامها:
إعادة تجسيد عناصر الشخصية الوطنية الفلسطينية عبر تجسيد المقولة الفلسطينية الساعية إلى تحرير الأرض، والإنسان، والفكرة التي عصفت بها الظروف التاريخية منذ نكبة العام 1948 وحتى اللحظة.
البدء بوضع البرامج والآليات التواصلية القائمة على الثوابت الفلسطينية (من حيث: العودة، والدولة، وتقرير المصير) مع كافة التجمعات الفلسطينية في حدود فلسطين التاريخية وفي الشتات؛
استلهام التاريخ المشرق للتجربة الوطنية، من معارك وشخصيات ومواقف، وتعمميها وتجسيد النماذج المتجددة لها، وتحويلها إلى ثقافة يومية قبل تبنيها وتعميمها كتجربة وطنية وإنسانية؛
التواصل مع الحراكات الجماهيرية الفلسطينية والعربية والعالمية بخطاب تحرري ناضج يظهر المظالم الفلسطينية المتواصلة عبر أكثر من أربع وستين عاماً وحتى اللحظة، والانتقال بها من خطاب الاستجداء إلى خطاب الحقوق التي تلقى كماً هائلاً من المناصرة الفلسطينية والعربية والعالمية (وأحياناً الإسرائيلية المعتدلة) وخاصة في زمن الثورات وربيع الشعوب العربية.

إعلان «روبين آيلند»:
البوصلة المحلية، والجاذبية العالمية
استناداً إلى هذا النمط من الكتابات الوطنية، وإلى المسيرة النضالية لمروان البرغوثي غلى جانب إخوته ورفاقه من قادة الحكرة الفلسطينية الأسيرة... لقيت حملات إطلاق سراحهم (سواء حملة إطلاق سراح مروان البرغوثي أو حملة إطلاق سراح أحمد سعدات) تجاوباً جماهيراً كبيراً، وتجاوباً دولياً هائلاً تمثَّل بأعلى أشكال التضامن. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأهمية «إعلان روبين آيلند» الذي مضى عليه عام واحد، وهو الإعلان المؤسس للحملة الدولية لحرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين، وقد أطلق الإعلان من زنزانة الزعيم الوطني الإفريقي نلسون مانديلا في السابع والعشرين من تشرين الأول 2013.
وقد تمت صياغة الإعلان من اللجنة الدولية العليا، وتتكون اللجنة من رؤساء وقادة حاليين وسابقين، وشخصيات سياسية وثقافية دولية، وعدد من حاملي جائزة نوبل للسلام، وأسرى سابقين لهم حضورهم على المستوى الدولي، وخمسة عشر من شغلوا سابقاً مناصب رؤساء ورؤساء وزراء، وأنصار حقوق الإنسان، ومنظمات دولية وفنانين.... من 35 دولة تشمل الأرجنتين وبنغلاديش وبلجيكا والبرازيل وبورما وتيمور الشرقية ومصر وفنلدنا وفرنسا وألمانيا وغانا وبريطانيا وإيرلندا واليونان وجواتيمالا وغينيا بيساو وهاييتي والهند وإيران وشمال أيرلندا وايطاليا ومالي ومالطا وناميبيا ونيكاراجوا والبيرو وروسيا والسنغال وجنوب أفريقيا وإسبانيا والسويد وسويسرا وتونس والأورغواي والولايات المتحدة واليمن. كما أكدت الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الإنحياز تأييدها للإعلان في مؤتمر وزراء دولها. وعلى ذلك، فإن إعلان روبين آيلند لحرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين أصبح الوثيقة التي لاقت أكبر وأوسع دعم في تاريخ النضال الفلسطيني من أجل الحرية، وتنص على ما يلي: 

نص إعلان روبين آيلند:
«من أجل حرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين»
نحن الموقّعون أدناه، نؤكد على قناعتنا التامة بأن الحرية والكرامة هما جوهر الحضارة الإنسانية. فقد هبّ الناس في كافة أرجاء العالم، وعلى مر العصور، للدفاع عن حريتهم وكرامتهم في مواجهة الاستعمار، والاضطهاد، والفصل العنصري. كما قدم أجيال من الرجال والنساء التضحيات الجسام لإرساء القيم العالمية، والدفاع عن الحريات الأساسية، وتعزيز القانون الدولي وحقوق الإنسان، فلا يوجد ما هو أخطر على حضارتنا من التخلي عن تلك المبادئ، والسماح بخرقها دون محاسبة.
لقد كافح الفلسطينيون لعقود طويلة، وما زالوا، من أجل العدالة ومن أجل إحقاق حقوقهم غير القابلة للتصرف، والتي قد تم إقرارها مراراً وتكراراً من خلال العديد من قرارات الأمم المتحدة. إن القيم العالمية، والشرعية الدولية، وحقوق الإنسان لا يمكن أن تقف عند أي حدود، ولا أن تخضع لمعايير مزدوجة، ويجب أن يتم احترامها في فلسطين؛ وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق سلام عادل وشامل للمنطقة ولشعوبها.
إن إحقاق تلك الحقوق، يقتضي الإفراج عن مروان البرغوثي، وكافة المعتقلين السياسيين الفلسطينيين، والذين يعتبر اعتقالهم المتواصل انعكاساً لما يكابده الشعب الفلسطيني من الحرمان من الحرية لعقود طويلة من الزمن. لقد تم اعتقال مئات آلاف الفلسطينيين في إحدى مراحل حياتهم، في واحدة من أكثر أمثلة الاعتقال الجماعي شناعةً، والهادفة إلى تدمير النسيج الوطني والاجتماعي للشعب القابع تحت الاحتلال، ولكسر إرادته في تحقيق الحرية. إن الآلاف من الأسرى الفلسطينيين ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي؛ وقد أمضى بعضهم أكثر من 30 عاماً في تلك السجون، مما يجعل المحتل الإسرائيلي مسؤولاً عن أطول فترات اعتقال سياسي في التاريخ الحديث.
إن معاملة الأسرى الفلسطينيين منذ اعتقالهم، وخلال فترة الاستجواب والمحاكمة، في حال أقيمت، وخلال فترة الاعتقال، هي خرق للأعراف والمعايير المقرّة في القانون الدولي. هذه الخروقات تشمل على سبيل المثال لا الحصر غياب الضمانات الأساسية لمحاكمة عادلة، واللجوء إلى الاعتقال التعسّفي، والمعاملة السيئة للأسرى، بما في ذلك التعذيب، وانتهاك حقوق الأطفال، وغياب الرعاية الصحية للأسرى المرضى، وترحيل الأسرى إلى أراضي السلطة القائمة بالاحتلال وخرق حق الزيارة، بالإضافة إلى اعتقال الممثلين المنتخبين للشعب، وهذا بحاجة إلى اهتمامنا وتدخلنا.
يبرز من ضمن الأسماء، محلياً ودولياً، اسم مروان البرغوثي، كاسم رئيسي لتحقيق الوحدة الوطنية، والحرية والسلام. وقد أمضى مروان البرغوثي ما يقارب العقدين من حياته في السجون الإسرائيلية، بما فيها الـ12 سنة الأخيرة. وهو أبرز معتقل سياسي فلسطيني، وأحد رموز نضال الشعب الفلسطيني لتحقيق الحرية، بالإضافة إلى كونه شخصية وحدوية ومطالباً بالسلام المستند إلى احترام القانون الدولي. وكما قادت الجهود الدولية إلى تحرير نيلسون مانديلا وكافة المعتقلين المناهضين للفصل العنصري، فنحن على يقين بأن المجتمع الدولي يجب أن يؤمّن الحرية لمروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين، كجزء أساسي من مسؤولياته الأخلاقية والقانونية والسياسية لمساعدة الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه.
ولذا، فنحن ندعو إلى، ونتعهد بالعمل المتواصل على إطلاق سراح مروان البرغوثي وكافة الأسرى الفلسطينيين، أن يحين إطلاق سراحهم، فلا بد من الحفاظ على حقوق الأسرى الفلسطينيين التي يكفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان؛ كما ويجب أن تتوقف حملات الاعتقالات ضد الفلسطينيين.
إن إطلاق سراح الأسرى هو أحد أهم المؤشرات على الجاهزية لعمل اتفاق سلام مع الخصم، وهو مؤشر قوي على الاعتراف بحقوق الشعب ومطالبه العادلة في الحرية. إنها الإشارة إلى بداية عصر جديد، تشكّل فيه الحرية الطريق نحو السلام. إن الاحتلال والسلام لا يمكن أن يلتقيا؛ فالاحتلال، بكل تجلياته يجب أن ينتهي، لكي تعم الحرية والكرامة. ولا بد أن تسود الحرية لكي ينتهي الصراع ولكي تنعم شعوب المنطقة بالسلم والأمن.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: