سميح القاسم .. حاضر في الصالون الدولي للكتاب بالجزائر «منتصب القامة»

2014-11-18



كتبت بديعة زيدان:

«صاحب القلم الثائر يتناغم اليوم الشارع الشعبي العربي والغربي على حد سواء مع القضية الفلسطينية ألماً و أملاً، فحين يمتزج في فلسطين حبر الشعراء بدم الشهداء، فنحن نقف عند عمالقة شعر المقاومة محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم الذين قاوموا بالكلمة مثل ما قاوم البعض بالحجارة .. استوقفني خبر وفاة سميح القاسم شاعر القضية الفلسطينية، هو الذي حمل همها منذ أن خطت يده أشعارا على صفحة تاريخ فلسطين النضالي.. سميح القاسم الذي دافع بأسلوبه الشعري الثائر، وأداوته المتاحة عن أرضه وعرضه، وحمل هم القضية منذ «تقدموا» وما قبلها وبعدها، وصرخ في صوت ملائكي حان: منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي… في كفي قصفة زيتون… وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي وأنا أمشي، أكد على الدرب الذي اختاره درب النضال والكفاح مهما كان الثمن، ولقد قالها يوما مدوياً: يا عدو الشمس لكن لن أساوم وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم .. عاش القضية وعاش لها، بحرفه،  وعلى كتفه نعشه، وقضى وبلاده فلسطين تئن، ولم يخش موات الجسد، بل موات النضال في داخل المواطن العربي، وهو الذي قال ذات يوم: أحس أننا نموت، لأننا لا نتقن النضال» .. هذا ما قاله حبيب غربي، القاص والكاتب الجزائري لـ»أيام الثقافة»، وهو الذي حرص على المشاركة في ندوة خاصة حول سميح القاسم في الصالون الدولي للكتاب في الجزائر، قاطعاً مسافة أكثر من ثلاثمائة كيلو متر من «غليزان» حيث يقطن إلى العاصمة حيث الندوة.
واعتاد الصالون الدولي للكتاب في الجزائر (معرض الكتاب) أن يكرم الشخصيات التي رحلت خلال العام، من أدباء وكتاب وجامعيين ومؤرخين ساهموا، وفق القائمين على «الصالون»، في صياغة التاريخ خلال الإدلاء بشهاداتهم وتأليف مذكراتهم.
في الدورة التاسعة عشرة، كان الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم حاضراً «منتصب القامة»، عبر ندوة خاصة عنه، قدم لها الكاتب والصحافي الجزائري يوسف شنيتي، وتحدث فيها المستشار والملحق الثقافي في سفارة فلسطين بالجزائر هيثم عمايري عن مسيرة الشاعر سميح القاسم، وعن رمزية الكتابة لديه، وما يميزه عن بقية شعراء فلسطين في تجربته المتفردة، وعن باقي الشعراء في الوطن العربي، باعتباره شاعراً يكتب من داخل الاراضي المحتلة العام  1948 .. سميح القاسم الذي غادرنا اثر مرض عضال قبل فترة بسيطة، وكأنه يقول بما يشبه الوصية «يا أيها الموت بلا موت تعبت من الحياة بلا حياة، وتعبت من صمتي ومن صوتي تعبت من الرواية والرواة، ومن الجناية والجناة ومن المحاكم والقضاة» .. سميح القاسم ومن المصادفات الغريبة ان يكون آب هو ما يجمعه مجدداً بصديقه الشاعر الكبير محمود درويش، فكلاهما رحل في هذا الشهر.
وبدأ هيثم عمايري الندوة، التي كان من المقرر مشاركة الروائي الجزائري واسيني الأعرج فيها، وغاب دون أسباب واضحة، بالقول: الثقافة هي الجدار الاخير من اجل النهوض والصمود، تمهيداً لتحقيق العودة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس  .. الشاعر سميح القاسم أحد سنديانات، وككل الشعراء وككل الفلسطينين نقول «يا بلادي مثلما يكبر فيك الشجر الطيب نكبر .. فازرعينا فوق اهدابك زيتونا وزعتر .. واحملينا أملا مثل صباح العيد أخضر .. واكتبي أسماءنا في دفتر الحب نشامى يعشقون الورد لكن يعشقون الارض اكثر»، مضيفاً: سميح القاسم شاعر العوسج والريحان .. هذا الشاعر الكبير، صاحب «منتصب القامة»، ورفيق درويش من المبدعين الفلسطينيين والذي أنشد ذات يوم «لو حززوني مثل ليمونة تبقين لي في الصدرة ايقونة .. تبقين لي لو انتفوا جسدي أياد من الفولاذ مأفونة .. لو نزفوا حتى العظام دمي تبقين في الاعصاب مخزونة .. تبقين لي لو فتتوا بدني فأصير بعض غبار زيتونة».
وأكد عمايري: هذا الشعر الذي ينشده الفسطينيون كبارأً وصغاراً .. الحكاية والقصة والتغريبة الفلسطينية شارك فيها كل المبدعين، في كتابتها ونسجها قامات كبيرة مثل عبد الكريم الكرمي ودرويش وتوفيق زياد، وأنا أذكر عندما كانت الجزائر عاصمة الثقافة العربية في العام 2007 طلبت احدى دور النشر ان تنشر انطولوجيا فلسطينينة للمبدعين الفلسطينيين، فعندما غاصت في هذا المحيط لم تستطع ان تبحر كثيرا ورغم ذلك خرجت بمجلدين، اي ان الابداع الفلسطيني هو جزء من التربة الفلسطينية.
وتابع: من هؤلاء الذين نسجوا الحكاية والتغريبة الفلسطينية سميح القاسم، الذي ارتكزت ابداعاته على ثلاثية: الارض والهوية والبقاء .. وفي سباق ماروثوني مع الضوء والزمن هناك قصيدته المشحونة بالغضب والتحدي «تقدموا» .. هذه القصيدة التي لا تعرف الا الثورة، حيث يصرخ القاسم بها في وجه الاحتلال «تقدموا تقدموا كل سماء فوقكم جهنم»، وهي التي تحولت بموافقة القاسم إلى أغنية للفنانة الفلسطينية سيدر زيتون، صدرت خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.
وفي سرده لحكاية قصيدة «تقدموا»، قال سمير الجندي، مدير دار الجندي للنشر والتوزيع، وهو صديق شخصي للقاسم كما عرف على نفسه: كنت برفقة سميح القاسم عندما خرج بقصيدة تقدموا، وهي القصيدة التي جاءت من وحي مشاركته وإياي والآلاف في سلسلة بشرية لحماية الأقصى ..  كان جنود الاحتلال يتقدمون نحونا، وكنا صامدين في مكاننا، رغم كل الاعتداءات، فكتب «تقدموا .. تقدموا ..  كل سماء فوقكم جهنمُ .. وكل أرض تحتكم جهنم».. أطلق سميح القاسم رائعته هذه في الانتفاضة الأولى، وسميت من كثيرين بقصيدة الانتفاضة.
وعاد عمايري ليذكر بما فاله سميح القاسم لصديقه محمود درويش، ذات يوم «لبيروت وجهان وجه لحيفا .. ونحن صديقان سجن ومنفى»، لافتاً إلى أن الجزائر في العام 2007، وعندما كانت عاصمة الثقافة العربية، سعت إلى ان يكون سميح القاسم حاضراً فيها، هي التي كانت دعت من قبله محمود درويش في العام 2005 .. وقال: تم التواصل معنا في السفارة على ان يحضر سميح القاسم .. انتم تعلمون ان نصف البرتقالة الاجمل تحت الاحتلال وبالتالي فرضت عليهم الجواز الاسرائيلي، وحيث ان للجزائر موقفا ثابتا يمنع دخول اي شخص يحمل الجواز الاسرائيلي، وبالتالي تم استصدار جواز سفر فلسطيني للشاعر سميح القاسم حتى يتمكن من الحضور الى الجزائر، لكن وعكة صحية أصابته حالت دون ذلك.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: