القدس في "سنة انتخابات"

2014-11-01


بقلم: ناحوم برنياع     

إن أعراض القدس كما تقول «ويكيبيديا» هي «نوع نادر من المرض النفسي». فترى الشخص يسير في شوارع القدس وهو على يقين من أن روح الرب تغطيه وأنه قد ألقيت عليه مهمة خلاصية (مسيحانية) ولا يردعه أي شيء لا القانون ولا التغرير بالنفس ولا العقل السديد». ويريد الطبع البشري أن يُدخل النظام في الحوادث: فهناك من دبر وهناك من حرض وهناك من أرسل وهناك من نفذ. وفي التنظيم شيء من العزاء. لكن الجهد لصنع النظام أحيانا يضيع الشيء الرئيس وهو أن النظام في جهة وأعراض المرض في جهة أخرى.
إن أعراض القدس لا تفرق بين دين وآخر، فهي تصيب المسلمين والمسيحيين واليهود. فترى من يمزق ثيابه وينقض في هياج على حجارة القدس وهذه أخف الحالات؛ ويوجد من يأخذ مسدسا أو سكينا أو حزاما ناسفا ويحاول أن يؤدي رسالته السماوية بقتل آخرين. ولم يكن معتز حجازي هو الاول ولن يكون الاخير ايضا للأسف الشديد.
لا تستطيع أي حكومة أن تخلص القدس من مجانينها، لكن ذلك لا يعني أن الحكومة معفاة من المسؤولية، فهي قادرة على التقليل من التحرشات ويتم ذلك قبل كل شيء باستعمال ناجع لقوات الامن ولا يقل عن ذلك اهمية أن تفعل ذلك بواسطة سياسة مُقدرة ضابطة للامور. ما زالت القدس في هياج منذ وقع قتل الفتى محمد أبو خضير في بداية شهر تموز. وما زال يوجد فتية يرمون القطار الخفيف بالحجارة كل يوم، ويخرج من هم أكبر سنا منهم الى مواجهات عنيفة مع رجال الشرطة في أحياء عربية. ولم تنجح الشرطة في صد الموجة العنيفة. وكان انجازها الاكبر صد المخلين بالنظام على خط التماس قبل أن يدخلوا الى الأحياء اليهودية. وتلاشى هذا الانجاز ايضا بسبب اغتيال النشيط اليميني يهودا غليك في قلب المركز الثقافي في غرب المدينة.
ليست شرطة القدس مذنبة لأن هذه الحادثة أكبر منها، فالحكومة هي التي يجب عليها أن تقدم الأجوبة.
إن رئيس الحكومة كما نعلم غير مصاب بأعراض القدس، غير مصاب بها على الإطلاق. فالحجارة لا تصيبه بذلك ولا ضوء الغروب الذي ينعكس عن الصفائح المذهبة لقبة الصخرة. لكن القدس أصبحت تشغل في الأسابيع الأخيرة جزءاً مركزياً في الخطب التي يخطبها كل يوم. والقدس في مقدمة فرحه الآن وهذه بشرى خير لمجانين أعراض القدس وبشرى سيئة جدا للمدينة.
في مساء رأس السنة حينما نشر رجال السلام أنه توجد خطة للبناء في جفعات همتوس، وراء الخط الأخضر، اتهمهم نتنياهو بالأضرار بالمصلحة القومية، وبالخيانة تقريبا. ومر شهر ونشر نتنياهو نفسه خطة مشابهة للبناء في أحياء يهودية وراء الخط الاخضر. فما اعتبر خيانة في ايلول (العبري) أصبح شيئا وطنيا لا مثيل له في واقع الامر في تشرين (العبري).
لم تتغير القدس في هذه المدة ولا نظرة العالم للبناء وراء الخط الاخضر أيضا، لكن السياسة فقط تغيرت: فقد كان نتنياهو يعارض تقديم موعد الانتخابات في أيلول. وقال ذلك في أحاديث خاصة وقاله علنا. وغير رأيه في تشرين.
وحينما يتجهون الى الانتخابات يعودون الى الجمهور الأساس، الى كتلة اليمين: فالمنافسة هي مع بينيت وليبرمان. وجمهور الناخبين هذا الذي كبر عقب احداث الصيف يحتاج الى أعداء، ولم تعد ايران وحماس صالحتين بقدر كاف لأنهم في المركز واليسار يكرهونهما ايضا، فيجب أن يُقدم للناخب أعداء يُبينون له لماذا هو وطني فخور ولماذا جاره اليساري ليس كذلك. وأبو مازن عدو مثالي والرئيس اوباما ايضا عدو جيد، بشروط ما.
لكن يُحتاج ايضا الى شيء إيجابي، شيء تسمو به النفس. وهكذا عدنا الى القدس: يجب أن نقول في حق نتنياهو أنه ليس أول سياسي يستعمل اسم القدس استعمالا هزليا. فحينما يجعل الساسة القدس في مقدمة فرحهم فتلك اشارة سافرة على أننا ندخل سنة انتخابات.
أجل، أصبحت سنة الانتخابات هنا. وكل سياسي يُدخل خطبه في عروق ناخبيه مباشرة مثل المخدرات. فلبيد يشتد بتصريحاته المعارضة للمستوطنين؛ وهو في طريقه يهاجم موظفي المالية بمحاولة شفافة ليلقي عليهم المسؤولية عن حال الاقتصاد؛ ويعيد ليبرمان السفير؛ وينقض بينيت الذي بدأ سنته الانتخابية بعد أن أغلقت صناديق الاقتراع في الانتخابات الماضية فورا، ينقض بوحشية على الإدارة الأميركية.

ضاع الردع
قيل الكثير هذا الأسبوع عن كراهيتهم في البيت الأبيض لنتنياهو، ويُخيل إلي أن ذلك خطأ، فهي ليست كراهية بل مقت. فقد كره جيمي كارتر مناحيم بيغن لكنهم يمقتون نتنياهو. وهم لا يمقتونه لأنه اسرائيلي ولا لأنه يهودي بيقين بل لأنه واحد من وكلاء اليمين الجمهوري. وهم يمقتونه الى درجة أنهم يشتمونه على مسامع صحافي. وكان ذلك دنيئا وغبيا وصبيانيا. والويل لنا لأن هذا هو المستوى في البيت الأبيض.
لكننا إذا تجاوزنا الشتائم، فإن الموظف المجهول قال شيئا ما يجب أن يكتبه الاسرائيليون أمامهم. فقد بين أن كل تهديدات نتنياهو بعمل مستقل لاسرائيل موجه على ايران هي بالون فارغ. وقال إن نتنياهو جبان وإنه لن يتجرأ على المس بإيران كما لن يتجرأ على صنع شيء ما نحو السلام.
هذا تحرش غير بسيط لأنه اذا كان موظف رفيع المستوى في البيت الابيض يتجرأ على القذف بهذه الإهانة فهو على يقين كما يبدو من أن اسرائيل لن تهاجم المفاعلات الذرية الايرانية في أي حال من الاحوال. وقد فقد نتنياهو ومن ورائه دولة اسرائيل ما بقي لديهما من قدرة على الردع. إن اسرائيل مدججة بالسلاح فعندها غواصات وطائرات إف 35 وصواريخ وسلاح غير تقليدي. وميزانيتها الأمنية تبلغ عنان السماء وما زال رئيس الاركان يهدد بأنه لا يوجد عنده ما يكفي. بيد أنها لا تملك ردعا لا لحماس ولا لحزب الله ولا لإيران ولا للإدارة الأميركية.
ولن تعزينا أي خطة بناء في هار شموئيل عن هذا الخلل.

عن «يديعوت أحرونوت»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
«يوم من أيام» .. فلسطين!
آراء
ريما كتانة نزال
توقيع البروتوكول الاختياري...
دفاتر الأيام
عادل الأسطة
في الخامسة والستين... أنت مثل...
مساحة للحوار
فيحاء عبد الهادي
في الذاكرة الشعبية الجماعية:...
اقرأ المزيد ...