ما يشبه يوميات للمدينة بعد الحرب

2014-10-28


يترك الفنان الفلسطيني فايز السرساوي هنا ما يشبه يوميات خاصة لما بعد العدوان على غزة، يوميات مقتضبة ومؤلمة للمدينة أقرب الى حوار داخلي مع الوقت الذي خربه القاتل.
كأن المدينة تتحدث.
المحرر

* سلالي عامرة بالجنى تفيض بكل أصناف اﻷوهام الجميلة.. أطوف بها على الطرقات وأقايض بها أحلام النازحين الجدد.. في اﻷحياء التي لم أعد أتذكر أسماء ساكنيها جيدا تخرج لي ربات البيوت من خلف تلال الركام يهمسن لبعضهن ها قد أتى بائع اﻷوهام المتجول لعله يحمل جديداً.. أضحك في سري لسبب ما خفي، أحقاً سيشترين بضاعتي هذه المرة ؟!. فطنات كالعادة ويعرفن أنني فقط غيرت لون السلال.
لا شيء يعود الى البدايات
* ﻻ شيء يعود الى عتبة البدايات، ﻻ حب يعود الى أول النهر..ﻻ نهر يجري دون ضفاف.
*على مدار عقود طويلة لم تأخذ فرصتها لتكون هي ذاتها.. حجبت عنها جائزة الانحياز العادل للحياة.. هذه المدينة فقدت صوتها الذي منحها إياه الموج لتكون ابنته الشرعية وذهبت بعيدا في تقمص هيئة الجبل مجازاً واستعارة.. استبدلت وجهها بغير قناع وكلما حاولت طرد شبح الردى عن جسدها المتعب تسقط اﻷقنعة تباعاً ليتم رشوتها بقافلة أخرى من الشهداء على وعد بلقاء حورية اﻵخرة.. تبكي ليلة وتضحك ليلة دون ما خشية من عراك حدود الجغرافيا مع جحود التاريخ.. لرمزية ما وجدت نفسها قريبة من قسوة قلوب المعجبين بطيبة قلبها فطبع فوق عرق جبينها زبيبة الخشوع الجافة !!.. ﻻ أعرف إذا ما كنت قد قسوت على قلبي.. الخشية ان تصبح هذه المدينة عديمة التقوى.. الخشية يا أصدقائي ان تصبح مدينة بلا قلب.
*تكاثري أيتها الغيوم العابرة
وانتشري فوق رؤوس الأشجار العطشى وﻻ تكترثي لنذر العاصفة.. تكاثري وتمددي فوق سواعد الريح الواعدة ودعي خيوط الماء تنساب بين أجنحتك المسافرة.. خذي ما استطعت من تغاريد العندليب وانثريها فوق صمت الخيام.. على جنبات مراكز اﻹيواء وفوق خطوات العابرين الى غدهم بلا وجل.. أيتها الغيوم العابرة تستحقين ما هو أبعد من ترف الوصف واﻹطناب في كيل المديح، تستحقين مباركة السماء.
لم يكن الوقت كافياً
*درجنا سلم الحياة هكذا.. دون اﻻنتباه للخيط الفاصل بين الماء واليابسة.. لعل الوقت لم يكن كافياً لتتبع بقعة الضوء في جسد الطريق.. الطريق هنا أطول مما اعتقدت خيل الغزاة واقصر من قبلة أضاعتها عاشقةٌ في زحام المسافة..من يا ترى كان سيرشد طفلة فقدت صوتها الى يد دميتها التي غابت في لجة الموج ؟!.. بلا كسرة خبز تنام الغريبة وتحلم بعودة فارسها الغريق.

ليس هذه المرة
*لن أنتظر قدوم البرابرة وﻻ يجب علي ارتكاب هذه الجهالة ثانية..سبق لجنكيز خان ذات غزوة بعيدة أن فعلها واجتث عنقي بسكين امبراطورية ثلمة.. اليوم لن أسمح ﻷحفاده الطغاة الجدد تكرار فعلتهم معي وليأخذوا ذلك على محمل الجد.. ليعتبروه تهديداً  لو شاؤوا.. أنا لن أمازحهم هذه المرة.. رصاصتي الأخيرة لن تكون لسواي، ستكون من نصيبي انا، بيدي سأصوب نحو رأسي وأقذف بها وسط الطريق التي سيسلكون.. سيفزعون ﻻ مندوحة في ذلك وسيولون اﻷدبار !!.
لهم جميعاً
*للذين تعثرت خطوات العيد على عتبات أبوابهم.. للبنت التي عقصت ضفيرتها وحجلت وهي تغني لغد قادم من خلف الضباب.. لفتى الحي الذي سرح شعره ونظر لوجهه في المرآة ورآها كما لم يرها من قبل.. للذي والتي والذين يتأملون صعود القمر الى شرفات أحلامهم وهو يشق طريقه نحو الاكتمال.. هو ذاته ذياك القمر الذي سوف يغسل بضوئه عما قريب عتم الليالي ويدعونا للاحتفاء بنشيد الحياة.
قربان عابر
*في السوق إمّا بائع او مشتر، احتمال آخر وليس أخيرا هو أن تعبر السوق مجرداً هكذا من باب الفرجة والصلاة على النبي.. الفرجة على سعي الباعة والمشترين والعابرين والفارغة جيوبهم من أهل السبيل.. السوق شاشة عرض كبيرة شاحبة ومغبرة ﻻ عيد لي فيها وﻻ جمل، ﻻ أبيع وﻻ أشتري.. العيد ينأى بنفسه عن الطرقات خجلا من عيون اﻷطفال الحائرة التي هربت من نظرات آبائهم.. يديه في جيوب سرواله مجرد قربان عابر أخذته الخطوات وسط الزحام.
أسود وأبيض
*أحن الى حب مضى، حب على طريقة اﻷفلام المصرية القديمة.. حب باﻷسود واﻷبيض مع نهايات سعيدة.. للأسف لم يعد المخرجون اليوم ليهتموا بهذا النوع من النهايات، ولو من باب التلويح بالحرب النفسية على اﻷقل.
من أين أبدأ
*أتساءل أحياناً إذا ما كنت أنا أيضا بحاجة الى إعادة إعمار.. من أين سأبدأ ؟ من فضة الرأس التي أعيتها اﻷكسدة المستدامة أم من دماغي الخربة أم من أخمص القدم اليمنى الذي يعاني ضيق الحذاء المهترئ ؟!.. الحق أقول ما قالته العرب وقت تجاوز اﻷعطاب كل حد؛ اتسع الخرق على الراتق. كيف لي أن أقنع ترزي الحي ذا النظرات الجشعة بأن هذا القميص قابل للرتق وهو اليائس من حالتي ومآﻻت أحوالي.. قميصك يا سيدي الشيخ لم يعد يصلح حتى ممسحة لبلاطة الفرن !! يعود ليضرب كفاً بكف كلما رجوته بتدبير اﻷمر لعل وعسى.. يحرجني بنظرته الحادة، الم اقل لك ان دماغك الخربة هذه اكثر من إعادة إعمار هي بحاجة ﻹعادة نفض وإعادة تدوير.
أنت لا تعرفين
*أنت ﻻ تعرفين ما الذي يدور بخلدي هذه اﻷثناء، وما أنا مقبل على ارتكابه من معصيات شيطانية.. سأنزل كافة اللوحات عن الجدران والمنحوتات عن الحوامل الخشبية ثم سأغلق حساب التسديد اﻵلي اشتراك الكهرباء والمياه وحساب خدمة الرسائل العاجلة بوكالة معا.. ربما أتبرع بمحتويات مكتبتي المتواضعة لدار اﻷيتام الوحيدة بالمدينة.. الهاتف النقال لم أقرر بعد ما الذي سأفعله بشأنه، إذ غالباً سأنزع ذاكرته وسأكتفي باستعمال عدسته لتوثيق المزيد من صور الخيبات المتتالية.. ﻻ مسلسلات تركية بعد اليوم، ﻻ اتجاه وﻻ اتجاه معاكساً وﻻ وﻻ وﻻ.. لن أعود لتعبئة أسطوانة الغاز وتزويد المولد بالوقود، وسأتوقف عن شحن بطارية ال - يو بي أس - سأغلق حساب الإنترنت من «حضارة».. شريحة المحمول، مفاتيح البيت والسيارة سأودعها زجاجةً محكمة اﻹغلاق وأقذف بها لما بعد ستة أميال بحرية.. طبعاً الهجرة ليست أحد خياراتي الراهنة أو المستقبلية، ليطمئن من بنفسة قلق.. سأجلس على طرف صخرة ناتئة بالقرب من حافة البحر في انتظار قارب العودة ﻷول الحب.
بسطت يدي
*بسطت يدي ﻷطراف سحابة أواخر أيلول الرطبة.. مر الوقت سريعا تحت أجنحة طائر السمان المهاجر.. لم يعد في جعبتي المزيد من ورق الشجر العاري كي أُهديه لما تبقى من بحر هذا النهار.. سحابة أيلول الفقيرة أطاحت بقطيع كامل من قصائد الأسى التي رعتها آلة الحرب الأخيرة، زمن تفتح زهرة الجلنار في الحقول النائمة عن نواطيرها.. بسطت يدي ما سمحت به اﻷغلال لسحابة أيلول الداكنة ومضيت مع أول الغيث وحيداً غير مكترث ﻷحاديث الريح حول من حالفهم النصر واولئك الرفاق الذين غشيت على أبصارهم رؤية الوجه اﻵخر لما صنعته سحب الدخان اﻷسود قبيل موعد حلول العسل في جروح التين.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: