انعكاس أبعاد المكان في سيرة الفنان التشكيلي «محمد مسلم»

2014-10-21


فايز السرساوي


باستطاعة شخص ما أن يدعي انه يحيا خارج المكان وانه يحلق في الفضاءات اللانهائية، وبامكانه ايضا ان يذهب الى ابعد من ذلك، كأن تيخيل ذاته يسير فوق الماء وهو نائم او يسري على اجنحة الغيوم في لحظة من احلام اليقظة .. هذا شأن عادي طالما يتعلق الامر بثنائية المكان ( الواقع و المتخيل )، حيث ان لكل منهما شروطه واشتراطاته التي تفرضها حيثيات وتفاصيل انماط التفكير و القدرة على مواجهة سبل الحياة و التعاطي معها في اطار صراع المتناقضات  .
في الواقع انت لا تستطيع الفكاك كليا من اشتراطات العيش في المكان المحدد ايا كانت طبيعة هذا المكان ( وهي اشتراطات غير محدودة على كل حال)، مشجعة وحيوية وباعثة على الابداع أحيانا، قاسية وبائسة ومدعاة لليأس والاحباط في احيان أخرى. وفي كلا الحالتين سيجد الإنسان نفسه متفاعلا مع هذه المناخات بهذا القدر أو ذاك، وحين نكون امام حالة اشخاص ممن يعملون في مجالات الخلق و الابداع، فالوضع هنا لن يكون على هذا القدر من التبسيط والتسطيح وسهولة التعاطي مع الظروف المحيطة . سيعتريه الكثير من التداخلات والرؤى التي وبالضرورة ستأخذك لمواجهة الاسئلة الكبرى، اسئلة ذات طبيعة وجودية عن جوهر الانا .. الانا الفردية وعلاقتها بالمكان .. اين وكيف ومتى ولماذا ؟، الوصول لاجوبة قاطعة سيكون بمثابة فكرة عبثية ان لم تكن لا اساس لها في الاصل .
كثير من الاحيان قد يجد الشخص المبدع ذاته القلقة والمتأملة في نفس الوقت تغوص عميقا في تفاصيل المكان المعاش دون ادراك ووعي كاملين لماهية ما تحمله تلك التفاصيل من دلالات رمزية قادرة على شحن قوة الخيال وامدادها بكل الطاقة اللازمة لعملية الابتكار والخلق .. وهو اذ يقوم بذلك انما بدافعية القوى الحركية الكامنة في ذاته الخلاقة والباحثة عن اعادة خلق وتكوين ما تقع عليه عينه وما يتصوره مخياله . وهو هنا ابن المكان بكل عناصره وموروثه المادي والروحي، المكان الذي ليس شرطا هو مسقط الرأس أو مهد الولادة ومرتع الصبا و الشباب. انه يتعدى ذلك ليصبح الجغرافيا التي وطئها بقدميه وتأملها بفكرة وخياله في العالم الاوسع عبر حله وترحاله وعبر تجربته الشخصية حيثما اقام واينما تنقل وكيفما فكر وعمل و انتج .. انه هنا شيء يشبه السيرة المكانية لمحطات الفنان خلال مسيرته وسيرته في المكان .
شخصيا، ومعي ما لا يحصى من مبدعين في شتى المجالات عايشوا هذا الامر ووقفوا على عتابته، وهناك من توغل اكثر ليسبر غور المسألة ويجعل منها موضوعا قابلا للتسجيل والتدوين ووضع الشواخص الملموسة على منحنيات الطريق الدالة على مدى ارتباطهم الكلي بالمكان وتأثيراته في وعلى اعمالهم وانتاجاتهم الفنية. وهذا امر يتضح جزء منه عبر ما يبوح به الفنان نفسه وجزء اخر يتوقف على جهد الباحثين والدارسين وربما النقاد ايضا لحالة بعينها. وليس ببعيد عن ذلك كله هنا الاشارة الى تجربة الفنان  «محمد مسلم» ـ فنان فلسطيني يقطن في غزة ـ كنموذج دال على ما ذهبنا اليه اعلاه، فالفنان مسلم الذي ينتمي الى جيل الشباب نسبيا هو واحد من الفنانين الذين تظهر سيرتهم الفنية وانتاجاتهم ذلك الارتباط الوثيق والقلق بالمكان من حيث هو جغرافية متحركة وغير ثابتة او كما اظهرها هو في عنوان احدى معارضه الاخيرة ( جغرافية هشة) والذي عُرض في شبكة المعاهد الثقافية للقنصلية الفرنسية العامة في فلسطين العام الجاري، وان كنت قد اشرت هنا الى معرضه الاخير انما للتدليل على مرحلة من مراحل الاقتراب من اكتمال ونضوج التجربة الممتدة لسنوات سابقة من العمل والابداع عرفته وتتبعت نشاطه خلالها كفنان دائم البحث و التنقيب عن اثراء عناصرها بكل ما هو جديد وباعث على اثارة الفكر والتحريض على استنباط الاسئلة والتساؤلات، ليس فقط عن طبيعة الارتباط بالمكان كفكرة رومانسية انما للتفاعل مع حيثيات هذا المكان بما يتيح فرصة لتوظيف موجوداته في كينونة وبنية العمل الفني في اطار من التبادلية الحوارية ( الديالوغ ) الذي يعتمد لغة التفاعل الايجابي في صيغة الخلق والابتكار، وفي الاعتقاد من الناحية الموضوعية ان امام الفنان الشاب لازال هناك متسع من الوقت لاغناء التجربة واثرائها بالكثير من التجارب المتنوعة . في تقديمه المقتضب لكتالوج معرضه « حضور « 2008 يلخص الفنان « مسلم « فكرته بشكل مكثف على النحو الاتي : يغريني في حواري مع الشكل عفويته . وتلمس بنيته الخافية. اسافر بالخامة وتسافر بي الى اقصى طاقتها التعبيرية محاولة تجاوز اعمالي الجديدة ثيمة سابقاتها . فكل عمل يحمل مزاجه الخاص برغم تحمله عبء هوية منجزه. بشكل او بآخر محاولات حثيثة لخلق عوالم اخرى من خلال صياغات تشكيلية. ودلالات ايحائية تجريدية ذات صيغ جمالية منزهة عن دلالاتها، تحفز الخيال وتثير انفعالات حسية. ويستمر الحوار .
انه وبتفحص الفقرة اعلاه يستطيع القارئ المتابع تلمس ما تحمله السطور لهواجس وانشغالات الفنان في سياق تطور تجربته الذاتية حيث الانتقال ـ ولا اقول القطيعة ـ مع ارث تجاربه السابقة التي اتت في اطار تطورها الطبيعي لفنان يتملكه شغف تجاوز التراكم الكمي للبحث والتنقيب على ما هو اضافات نوعية تتخذ من طبيعة الخامة وطاقتها التعبيرية محفزا جديدا لصياغات تشكيلية اخرى .. وعلى ما ارى ان هذا التحول حدث ويحدث ليس بعيدا عن اشتراطات المكان وما يقترحه من رؤى متعددة، اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الفنان محمد مسلم  المولود بمدينة غزة التي لجأ اليها والداه من قريته «البطاني الشرقي» بفلسطين  قد اورثاه بالمفهوم التقليدي مكانا متخيلا مزدانا بالوصف والترميز، فان فعل المكان المنشطر هنا يعكس ذاته على طبيعة التفكير والانتاج معا، ولنا في سير العديد من فنانين اخرين عايشوا الحالة ذاتها امثلة تشير لهذه الثنائية في وصف وتقمص واعادة ترتيب وصياغة تداخل الامكنة .. ان تكون بين مكانين او اكثر، اماكن متخيلة واخرى واقعية تتنازعك فيها علاقات وانماط سلوك وتباينات ثقافية، خامات ومواد متنوعة تستحثك وتقدم لك اغراءات التناول والتجريب والتعاطي معها وفق مفاهيم مغايرة للمألوف والمعتاد والدارج، لاسيما ان عوالم التجريب في الفنون البصرية المعاصرة ( وهذا ليس مقتصرا على الفنون البصرية فقط بل يتعداه لفنون تعبيرية أخرى ) لم تعد تتوقف اليوم عند مفهوم بعينه او تقنية محددة اذ انها خرجت ومنذ زمن بعيد من هذه الشرنقة لافاق اكثر رحابة وانفتاحا على مفاهيم تشاركية تتداخل فيه الوسائط و الوسائل والتي غالبا ما يجد فيها الفنان نفسه منخرطا في التعبير عن هموم وقضايا انسانية مشتركة  تتصارع  فيها افكار وايدولوجيات وتقنيات ووسائط متنوعة  تتجاوز طبيعة  المكان / الاماكن بالوصف الكلاسيكي ليصبح الامر كما لو انه حالة من الحراك و الانزياحات الدائمة دون توقف.
انه وفي الوقت الذي كان فيه العمل الفني ذو المضامين والعناوين المحددة والمنفذ بالألوان والاصباغ والمواد التقليدية هو خشبة مسرح الفنان للتعبير عن واقع المكان المعاش، نجد اليوم هذا التحول اللافت في نزوع الفنان الي التمرد على هذا الاطار ومحاولة تحطيمه نهائيا والتفاعل مع واقع المكان بطريقة مغايرة تجعل منه جزءا لا يتجزأ من العمل الابداعي ان لم يكن هو ثيمة اساسية تمثل صلب العمل. هذا ما يمكن العثور عليه في تجربة الفنان محمد مسلم اذا ما نظرنا الى طبيعة اعماله المنتجة في اطار تجربته البيئية في حصوله على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون ( آفاق 2013)  حيث قدم مشروعا  بعنوان ـ الفن في الفضاء العام ـ حيث نلحظ هذا التنوع في النظر والتعامل مع الاماكن المتعددة عبر اعادة تدوير واستخدام مواد وخامات البيئة المهملة وتحويلها الي منتج بصري جمالي يعكس رؤية وذائقة فنية تتعامل مع الفضاء العام وموجوداته كونها جزءا من حياة الناس اليومية بما تحمله من رسالة فنية لا تخلو من بعض الاهداف التربوية .
لن ادعي انني اضيف جديدا اذا ما اشرت الى ان الثقافة العامة متعددة المصادر والمشارب للفنان تلعب دورها البارز في صقل واغناء  تجربة الفنان واثرائها على مختلف الصعد وتجعل من انتاجه قيمة فكرية يمكن تلمسها والاقتناع بها بعيدا عن التسطيح والضحالة الفنية المكررة. هذا لا يعني بحال من الاحوال ان الثقافة وحدها قادرة على صناعة الفنان ان لم يكن يمتلك الموهبة اللازمة و الضرورية لمواصلة عملية الابداع وتطويرها الى المستوى المطلوب. وفي هذا السياق ارى اننا امام تجربة مسلم الفنية وعلاقتها بالمكان / الامكنة، يجد المتتبع هذا الربط الثقافي الدال على شخصية تعتبر الثقافة الفنية والعامة في حدودها الممكنة عنصرا لا غنى عنه في دعم ومساندة وتطوير الرؤية والموهبة الفنية، لا سيما اننا امام شخص اكاديمي منفتح بالضرورة على ثقافات متنوعة يتطلبها العمل الاكاديمي كجزء من شخصية الفنان الباحث و المتجدد في آن معا.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: