طوباس: الثمانينية «أم الناجي» تعيد بناء تفاصيل منزل عائلتها في حيفا قبل النكبة

2014-10-20


طوباس - محمد بلاص: أعادت الثمانينية رابعة رشيد أبو يونس الزعبي، من طوباس، أمس، بناء تفاصيل منزل عائلتها في حي "الحليصة" بمدينة حيفا، تماما كما كان قبل نكبة العام 1948، ورسمت مشاهد المدرسة والمسجد والسوق، واستذكرت حكاية انتقالها للعيش في منزل جدتها بوادي الصليب بعد رحيل والدها، وقصت حكاية جدها عبد الله الذي طارده الاحتلال البريطاني.
وروت الزعبي التي يعرفها أبناء طوباس بـ "أم الناجي"، خلال الحلقة الثلاثين من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ"، والتي تنفذها وزارة الإعلام، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة، لحظات اقتلاعها من حيفا، والمشاهد الأخيرة التي تختزنها ذاكرتها عن البحر والهادار والكرمل.

بيت ومدرسة ومسجد
وقالت: "ولدت يوم 13 تشرين الثاني 1933 في الحليصة، وكان بيتنا كبيرا وفيه أربع غرف وصالة واسعة، وراديو خشبي كبير، وبنى جدي فوق منزلنا مسجدا باسمه، وكانت بجوارنا المدرسة الابتدائية، وكنا نقابل الهادار والبحر، وكان والدي يعمل إماما وخطيبا ومعلما ومؤذنا، وتخرج من جامع الأزهر في مصر، أما والدتي مريم محمد الشخشير، فكانت ربة منزل، ولي ثلاث أخوات كلثوم، وزبيدة، وآمنة، وثلاثة إخوة شفيق، وحسن، ورايق".
ووفق "أم الناجي"، تعلمت حتى الصف الرابع الابتدائي في الحليصة، ثم انتقلت بعد رحيل والدها، إلى منزل جدتها فاطمة في وادي الصليب، ودرستها فيها لسنتين، فيما تعلمت أختها زبيدة فنون الخياطة والتطريز لإعانة عائلتها بعد رحيل الأب.
وتتذكر، وجود مديرين للمدرسة، الأول الأستاذ توفيق للأولاد، والثانية لقسم البنات واسمها انشراح، ولا تغفل عن دروس اللغة العربية المعروفة "راس روس ودار دور" لخليل السكاكيني، وحصص الجغرافيا والتاريخ والحساب واللغة الإنجليزية.
وتسرد: "كان جدي من رفاق الشيخ عز الدين القسام، وتعرض لملاحقة الإنجليز الذين اعتقلوا والدي عام 1943، وأعلنوا أنهم لن يفرجوا عنه إلا بتسليم جدي نفسه لهم، واستمر احتجاز أبي ستة أشهر، فمرض في السجن، ثم رحل عنا وعمره 37 سنة، بينما فر جدي إلى الشام عن طريق الرمثا، وكان يزود الثوار بالسلاح، وتوفي هناك بعد عام تقريبا".

باص نمرة واحد!
ووالت: "من المشاهد التي أذكرها في حيفا، الحنطور، (عربة مغطاة ومربوطة بحصانين)، والذي كنا نركبه خلال تنقلنا بين أحياء مدينتنا، وباص بنمرة واحدة كان يمر من جانب بيتنا، وسكة الحديد، ولا أنسى زي المدرسة الأزرق للأولاد والثوب السكني للبنات، وتعيش معي ذكريات أمي التي كانت تطبخ اليقطين المحشي، ولحم قص الخروف، والطرفان، وأتذكر أيام العيد حين كان أبي وأعمامي يوزعون علينا ربع جنيه ونصف جنيه فلسطيني، وبعض البنات ميسورات الحال كن يحصلن على جنيه كامل".
أما في مواسم "خميس البيض" للموتى، وهو أول يوم خميس يمر بعد الوفاة، قالت أم الناجي، إن الناس كانوا يوزعون 200 بيضة مسلوقة وملونة عن روح ميتهم، وقبل سنوات من النكبة، وصلت لبيوتنا شبكة المياه والكهرباء، ولم نكن نذهب للبحر إلا في المناسبات".
وتحافظ أما الناجي، على عادات حيفا وتقاليدها، وتجيد صناعة أطباقها، ولا زالت تحتفظ بصورة جدها النادرة، وبعض المقتنيات القديمة منها، فيما تحول منزل عائلتها ذاته المبني من الحجارة إلى المستوطنين، وزارته قبل سنوات، فشعرت بالمرارة على ما حدث له.
وقالت، إن جرائم العصابات الصهيونية انتشرت في حيفا، وكانت شاهدة على إلقاء القنابل اليدوية على السيارات والبيوت، وشاهدت بعينيها إطلاق النار على المصلين في مسجد جدها، وقتل عدد منهم، بينهم الإمام الشيخ صالح من إجزم وقت صلاة الفجر.
مرارة الاقتلاع
وروت، بمرارة حكاية اقتلاعها من حيفا، حيث قالت: "كان اليهود يضربون الهادار، واقترح علينا خطيب أختي، نظمي أبو بكر، أن نخرج إلى جنين، حتى تهدأ الأوضاع، وأخذنا معنا بعض الملابس وعددا قليلا من الأغطية والأواني، وأخذنا مركبة مع إخوتي وأمي، وكانت الدنيا قايمة قاعدة، واستطعنا الوصول إلى يعبد قرب جنين".
وتضيف: "أقمنا في يعبد سنتين، وعندما شحت المياه في سنة محل، كان الأهالي يقولون لنا أطلبوا منا تنكة زيت، ولا تطلبوا الماء، فانتقلنا إلى أقرباء أمي في نابلس، وبقيت فيها، وتعلمت اللغة الإنجليزية، والتمريض في المستشفى الإنجيلي، وتزوجت عام 1957، وأمضينا سنتين في جنين وطوباس، ثم انتقلنا للكويت حتى عام 1966، وعدت إلى طوباس، وأسست جمعيتها الخيرية، وترأستها 25سنة، وخضت أول تجربة انتخابات بلدية عام 1976".

وسائل جديدة
بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس، عبد الباسط خلف إلى أن سلسلة "ذاكرة لا تصدأ"، ستنتقل مع بداية عامها الثالث، إلى توثيق الروايات الشفوية بوسائل وطرق تقنية جديدة، لتصل إلى عدد كبير من الشهود عليها في مخيمات الوطن والشتات، خاصة وأن الموت غيب كثيرين منهم.
وأكد خلف، أن السلسلة استطاعت إلى اليوم، توثيق أكثر من خمسين حكاية لقرية ومدينة ومهنة وعادات ومواسم وتراث ولحظات اقتلاع.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: