فلسطين، إسرائيل، والنفاق الأميركي

2014-10-16


بقلم: روبرت فانتينا*

 في الفترة الأخيرة، أعلن رئيس وزراء السويد الجديد، ستيفن لوففن، أن تلك الدولة ستكون الأولى من بين أمم الاتحاد الأوروبي التي تمنح الاعتراف الرسمي لفلسطين. وحتى هذا التاريخ، ثمة 134 دولة من أصل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تعترف بفلسطين. وهذه خطوة عقلانية، والتي يؤمل أن تشكل مثالاً تحتذي به الدول الأوروبية الأخرى.
في الأثناء، تبدو الولايات المتحدة، أفضل صديقة لإسرائيل في العالم والجيب الذي لا قعر له للمساعدات المالية لإسرائيل، وفيما لا يدعو إلى الدهشة، غير مسرورة بوضوح من هذه الخطوة. وقالت الناطقة بلسان الرئيس باراك أوباما في تعليقها على الموضوع: «نعتقد بأن الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية سابق لأوانه. إننا بالتأكيد ندعم قيام دولة فلسطينية، لكن ذلك يمكن أن يأتي فقط من خلال محصلة متفاوض عليها، ومع حل لقضايا الوضع النهائي واعترافات متبادلة من جانب كلا الطرفين».
ها نحن نذهب مع قصة «المحصلة المتفاوض عليها» السخيفة مرة أخرى، مع هذا الهراء الذي أصبح يستبعده الكثير من العالم، لكن الولايات المتحدة تتمسك به مع علمها بأنها لن تكون ثمة «محصلة متفاوض عليها»، لكنها تواكب وجهة نظر الطرف الإسرائيلي.
عندما تقوم إسرائيل بقصف جماعي لفلسطين، وهم الأمة التي تحتلهم، يقول الناطقون الأميركيون بأن لإسرائيل «الحق في الدفاع عن نفسها». إنهم لا يرون ما يراه باقي العالم: أن من غير المنطقي لقوة احتلال أن تتحدث عن «الدفاع» عن نفسها ضد شعب تحتله.
لكن هذا هو نفس النموذج الذي عملت وفقاً له طويلاً آلة العلاقات العامة الأميركية عندما كان إرهابيو القوات الأميركية يحتلون العراق. لقد تم وصف المقاتلين من أجل الحرية العراقيين، الذين كانوا يقاومون القمع الوحشي للولايات المتحدة، بأنهم «متمردون». وبالنسبة للولايات المتحدة، يشكل طرف يعارض احتلالها أو احتلال أي من حلفائها «متمرداً». أما أي شخص يعارض حكومة أغضبت بعض الشيء الولايات المتحدة، فإنه لا يعتبر «مقاتلاً من أجل الحرية» فقط، وإنما يُمنح أي مستوى من الدعم تعتبره الولايات المتحدة مناسباً، وغالباً في شكل قنابل و/أو قوات برية. ونظراً إلى أن اللوبي الإسرائيلي قد اشترى الهيئة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهو الذي يدفع رسوم صيانتها السنوية، فإن فلسطين لا تحظى بأي فرصة لتلقي الدعم الأميركي.
هل يعتقد أي أحد خارج البيت الأبيض أو قاعات الكونغرس الجوفاء، منطقياً، أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تكون وسيطاً موضوعياً ونزيها في التوصل إلى تسوية بين إسرائيل وفلسطين؟ لنلق نظرة على بعض الحقائق المهمة جداً عن الحالة.
• تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل 3 مليارات دولار كمساعدات خارجية في كل عام. بينما لا تقدم لفلسطين أي شيء على الإطلاق.
• من بين المساعدات المقدمة لإسرائيل بعض الأسلحة الأكثر تطوراً في العالم. بينما لا يقدم لفلسطين ولا حتى بندقية واحدة.
• عندما تقترح الأمم المتحدة توجيه انتقاد رسمي لأي من وقائع الاحتلال الإسرائيلي، تسارع الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض «الفيتو» للحيلولة دون توثيق هذا الانتقاد.
• تدين الولايات المتحدة أي إطلاق للصواريخ من قطاع غزة، لكنها تدعم القصف الجماعي الإسرائيلي لقطاع غزة بقنابل مقدمة من الولايات المتحدة.
• تنعى الولايات المتحدة مقتل أي إسرائيلي على يد أي فلسطيني، لكن مقتل أكثر من 2000 فلسطيني، ربعهم تقريباً من الأطفال، يحظى بالكاد بمجرد الذكر وحسب.
عندما تعلن الولايات المتحدة عن عقد جولة جديدة من المفاوضات العقيمة الخالية من الجدوى والمعنى بين إسرائيل وفلسطين، وتطلب من كل جانب الامتناع عن القيام بأي شيء من شأنه الإخلال بالمفاوضات، فإن من غير الطبيعي أن تعلن إسرائيل عن إقامة مستوطنات جديدة على أراضٍ تصادرها (بل تسرقها) من فلسطين. وتغضب الولايات المتحدة وتزمجر وتقول على استحياء إن هذا الإجراء قد يكون سلبي النتائج. لكن، وكما تعرف إسرائيل تمام المعرفة، فإنها لن تقدم على فعل أي شيء ذي معنى لمنع إنشاء مستوطنة جديدة.
وبالرغم من هذا، لا تضحك حكومات العالم في وجه الادعاءات الأميركية حول جهودها للتوصل إلى حل سلمي في الشرق الأوسط. لكن شعوب العالم هي التي يبدو أنها تلقي نظرة مراجعة ثانية.
لا يحتاج المرء إلى التساؤل عما تستطيع الولايات المتحدة فعله إذا لم يكن الكونغرس والرئيس مرهونين للوبي الإسرائيلي. وببساطة، فإن قطع خيوط المحفظة يفضي للخدعة. وتستطيع الأمم المتحدة، لو أنها لم تكن مقيدة بمعضلاتها الداخلية الخاصة، إرسال قوة «حفظ سلام» لمنع المزيد من النشاط الاستيطاني. وبينما تكون القوة هناك، فإنها تستطيع إنهاء الحصار الوحشي والمعيق وغير القانوني المفروض على قطاع غزة.
سوف يتساءل أي شخص عقلاني (هذا بالطبع لا يشمل المسؤولين الأميركيين المنتخبين، فالعقلانية مصطلح يصعب أن يصف تصرفاتهم) عن السبب في عدم القيام بمثل هذا الإجراء. وقد يسأل عن السبب في أن الولايات المتحدة تسمح لإسرائيل، حتى بالرغم من قوة اللوبي الإسرائيلي، بأن تبصق في وجهها؟ ألا يتوافر هؤلاء المسؤولون على إحساس بالكرامة والعزة؟ أولا يشعرون بالخزي والعار؟
الجواب على هذين السؤالين الأخيرين هو، لسوء الطالع: لا. وباستثناء قلة قليلة (ولا يستطيع هذا الكاتب حتى تذكر أي منهم في هذه اللحظة)، فإن هؤلاء المسؤولين يزحفون عند أقدام اللوبي الإسرائيلي ويعربون عن امتنانهم في المذبح غير المقدس للجنة الشؤون السياسية الأميركية الإسرائيلية «ايباك»، حيث يتسلمون مبالغ مالية ينقلها اللوبي إليهم، بينما يقومون بدورهم بإلقاء الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني أسفل الحافلة المشهورة. وقد يتساءلون عما هي قيمة طفل فلسطيني ميت، عندما تكون لديهم صناديق حملات انتخابية ينبغي ملؤها بالمال؟
ربما يكون ذلك هو المطلوب: لوبي فلسطيني ثري ونافذ. إن الولايات المتحدة ليست كما توصف عموماً بأنها ديمقراطية تمثيلية، بالرغم من كل ادعاءاتها المتغطرسة. وسوف يمثل مثل هذا الشيء إرادة الشعب الذي يعطى، ظاهرياً، فرصاً دورية لاستبدال الساسة الذين ينتخبهم. إن الولايات المتحدة تمثل إرادة الثري والقوي، بما في ذلك الشركات النفطية ومصنعو الأسلحة (يرفض هذا الكاتب وصفهم بمقاولي «دفاع»: فهم لا يتوافرون إلا على القليل أو على لا شيء له صلة بالدفاع) فيما تحدد إسرائيل التي تتوافر على جماعات ضغط ممولة جيداً سياسة الحكومة. وهي تفعل هذا من خلال إنفاق أمول كافية لضمان الانتخاب وإعادة الانتخاب الأبدية لأولئك المسؤولين الذين يؤدون المهام التي توكلها إليهم. وقد كرست المحكمة العليا في قرارها سيئ الصيت «المواطنون موحدون» هذا الأنموذج ودعمته وحسب.
وفي الأثناء، يستمر المسؤولون الأميركيون المنافقون في تمويل مجموعات تعارض الحكومات التي تثير حفيظتها، غالباً فيما يخلف نتائج كارثية طويلة الأمد. وهم يتجاهلون معاناة الشعب الذي يتعرض للقمع من جانب المستفيدين مالياً، ويشجبون انتهاكات حقوق الإنسان في بعض البلدان، بينما يتسامحون –بل وحتى يمولون- انتهاكات الآخرين التي يصعب وصفها لحقوق الإنسان. وعندما يظهر أن المواطنين يحسون بهذا الغياب للعدالة، ثمة حرب دائماً تندلع، وتهديد مخترع تنبغي معالجته، وعلم أميركي يتم رفعه والتلويح به لوضع الجميع في الخط. ومثل القوارض، يهرع كثير من المواطنين إلى تثبيت ملصق جديد على دعاميات سياراتهم يقول: «ادعموا القوات». وتتواصل التضحية الراهنة بشعوب مثل الفلسطينيين، بينما يختبر شعب جديد رعب الإرهاب الأميركي.

عن «كاونتربنتش»

* أحد كتبه: «الإمبراطورية والعنصرية والإبادة الجماعية: تاريخ السياسة الخارجية الأميركية» (مطبعة ريد بيل).

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: