نتنياهو... ضرر إستراتيجي يهدد إسرائيل

2014-10-15


بقلم: سافي رخلفسكي

على بعد مئات الامتار عن حدود دولة عضو كبيرة في حلف شمال الاطلسي تنكل حركة مسيحانية فتاكة بمئات آلاف الاكراد. وقد اضطر نحو 300 ألف الى الفرار من بيوتهم، وقُتل كثيرون، ويهدد خطر الموت آلافا آخرين، فما الذي تم فعله من حدود شمال الاطلسي لصد قاتلي شعب يعملون على بعد مئات الامتار؟ لا شيء. فالدبابات تقف على الحدود ولا تفعل شيئا، بل الامر اسوأ من ذلك، فتركيا غير مجبرة على التدخل عسكريا. ويكفي أنها لا تمنع المقاتلين الاكراد من اجتياز الحدود، أو لا تمنع سلاح حلف شمال الاطلسي من الوصول الى من يقاتلون «داعش».
 الحقيقة الأقسى من ذلك هي أن تركيا تساعد «داعش»، فهي تُمكن من مرور مقاتلين ومعدات الى البرابرة، ومن بيع النفط عن طريقها. وقد اصبحت تركيا في واقع الامر هي الجهة المتطرفة في المنطقة، بل قد تكون أخطر من ايران. وليس عجبا أنه في حرب غزة أراد «الجهاد الاسلامي» الذي تديره ايران هدنة، في حين ضغطت تركيا على «حماس» لتقاتل. إن التأليف بين احلام استعمارية وتوجه اسلامي متطرف يشعل التطرف التركي. وكل ذلك مع الرغبة في الاستمرار في احتلال الاكراد واضعاف سورية والعراق والاستيلاء على النفط في شمال سورية والعراق الكردية وانشاء هيمنة. وليس عجبا أن متطرفين سنيين يرون اردوغان خليفة المسلمين.
  لكن الحروب تنشئ ايضا فرصا لاصحاب رؤيا براغماتيين، فقد عرف بن غوريون كيف يستغل فظاعة الكارثة في استقلال اسرائيل، وليس هو فقط فقد نشأت دول قومية كثيرة بعد التعرض للهياجان العنصري في الحرب العالمية الثانية. فعرفت الصهيونية كيف تستغل الحرب العالمية الاولى في استصدار تصريح بلفور، والبلاشفة في الثورة الشيوعية. ونشأ السلام الذي أقر الاوضاع مع مصر إثر الموت في «يوم الغفران».
 يصعب ألا نبالغ في مدى الامكانات التي تعرض الآن لقيادة اسرائيلية معتدلة ذات رؤيا لموضعة الدولة في المنطقة. ولا يدور الحديث فقط عن الكشف عن التطرف التركي. إن الدراما في المنطقة تجري بين قوى عنصرية – مسيحانية – معنية بالاحتلالات وعدم وجود حدود – وبين دول قومية براغماتية باحثة عن الاستقرار والنماء. ولو كانت اسرائيل معتدلة لاستطاعت أن تكون عاملا مركزيا في اعادة تشكيل حدود الشرق الاوسط مع انهيار اللاحدود الاستعماري. فادراك خطر المتطرفين الدينيين يُمكن من إحداث عملية اقليمية تدريجية لانشاء حدود جديدة آمنة.
 إن دعاية اليمين أدخلت في نفوس إسرائيليين كثيرين درسا كاذبا هو أن «الانسحاب يجلب الصواريخ». لكن الحقيقة عكس ذلك، فقد ثبت أن اتفاقي السلام مع الاردن ومصر – ويشملان انسحابا كاملا واخلاء بلدات – أنهما عامل استقرار. واجتاز الاتفاقان اغتيالات زعماء وصعود «الاخوان المسلمين». بيد أنه في هذه اللحظة التاريخية خاصة سيطر على اسرائيل «الاخوان اليهود». والآن خاصة وضع النظام في اسرائيل نفسه في الجانب غير الصحيح من التاريخ، أعني الجانب المسيحاني والعنصري والمحتل بدل الجانب البراغماتي الذي يؤيد تقرير المصير.
 لم تغب إسرائيل فقط عن المؤتمر الدولي لإعمار غزة، وإسرائيل تتجاهل الفرص بخلاف الصهيونية التي عرفت كيف تستغل مؤتمر سان ريمو بعد الحرب العالمية الاولى، والامم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وبدل أن تتحول إسرائيل الى «ضد لتركيا» اصبحت تركيا اخرى. وبدل أن تدعم الاستقلال الكردي والفلسطيني اصبحت عدو القيم التي أنشأتها. وبدل أن يرسل النظام سلاح الجو لوقف «داعش» ورطه في مهمات احتلال.
 كان بنيامين نتنياهو يُرى دائما في اسرائيل على أنه مُضر اقتصادي –إثر سياسة الفجوات التي تخنق المواطنين وتطرد الشباب الى الخارج – لكنه مُقر للاوضاع استراتيجي. والحقيقة مختلفة. فنتنياهو يدمر مع تدميره دولة الرفاه فرصا تاريخية لضمان مستقبل اسرائيل في المنطقة، ولهذا اصبحنا محتاجين الى قيادة مختلفة اكثر من أي وقت مضى، وهذا ممكن حتى في الكنيست الحالية.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: