الـنــفــوذ الـقــطــري الـهــائــل فـي فـرنــسـا ..

2014-10-15


بقلم: جدعون كوتس

يتذمر الجميع من قطر اليوم. بدءاً بدور الإمارة الصغيرة والغنية في الخليج الفارسي في تشجيع «الإرهاب» الإسلامي في سورية، في العراق، وفي غزة، وحتى الاتهامات بشراء المونديال الذي يفترض ان تستضيفه اذا لم تطرأ انعطافة دراماتيكية، في العام 2022. ولكن في الغرب يفضلون تجاهل الحضور الكثيف لقطر في اقتصاد الدول الرائدة في العالم، والمليارات التي استثمرتها كي تسيطر على صناعات أساسية، مبان عامة، فنادق فاخرة، فرق كرة قدم أسطورية، ووسائل إعلام مركزية.
العم في قطر – الفأر الصغير الذي زأر الى جانب المنافس السني الوهابي، الجار شديد القوة السعودية – كان دوما هناك مع محفظة مفتوحة عند الحاجة. ولما كان الحديث لا يدور عن هيئة خيرية، فمع المساعدة تأتي القوة. صحافيان، هما المحققان الفرنسيان فانيسا ريتينيه وبيير بان، اللذان اصدرا هذه الأيام كتابا سميكا بعنوان «فرنسا تحت التأثير» ويعنى بعلاقات قطر مع فرنسا، لا يترددان في القول انه منذ العام 2007 اصبحت الجمهورية الفرنسية المفتخرة مستعبدة للامارة الصغيرة وزعمائها، اقتصاديا ولكن ايضا إستراتيجيا، في مجال السياسة الداخلية، العلاقات الخارجية والأمن القومي. لقد أثرت قطر في اتخاذ القرارات لدى الرئيس نيكولا ساركوزي وخليفته، فرانسوا هولاند، الذي حل محله قبل اكثر من سنتين، يجد صعوبة في محاولاته التحرر من الارث الثقيل. ولم تتردد النخب الفرنسية في العمل ضد المصلحة القومية بسبب تعلقها بالمال القطري، كما يدعي الكاتبان.
فرنسا مع ذلك مجرد الهدف الثاني في العالم من حيث حجم الاستثمارات القطرية، بعد بريطانيا. فالاستثمار الرسمي لقطر في فرنسا يقدر بـ 25 مليار دولار، و5 مليارات دولار أخرى من الاستثمارات الخاصة. ولكن العلاقة الوثيقة بين المال والسلطة في فرنسا، واكثر من ذلك الطابع الحميم الذي ارتدته علاقات القيادة الفرنسية مع حكام قطر، في اطار التقاليد «الرومانسية» لعلاقات السياسة الفرنسية مع الشرق، أدت بنفوذ «الشراكة» على فرنسا ان يكون اكبر بأضعاف. وقد وجدت هذه الحميمية تعابيرها مثلا في الكشف الذي يقتبسه الكتاب عن مصدرين كبيرين، جزائري ولبناني، على لسان الرجل الذي كان الحاكم كلي القدرة لقطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ففي العام 2008 طلق الرئيس ساركوزي زوجته سيسيليا وتزوج بعد وقت قصير المغنية والعارضة السابقة كارلا باروني. وقد طلبت سيسيليا من ساركوزي 3 ملايين يورو. «الطلاق كلفه ثمنا باهظا»، لاحظ المتحدث مع الشيخ. فاجاب حاكم قطر: «كلفه ثمنا باهظا. انا الذي دفعت المال». وهكذا بدأ «شهر عسل» فرنسا وقطر بتمويل طلاق الرئيس الفرنسي من اجل السماح له بشهر عسل خاص جديد.

«حكم ذاتي إسلامي»
العلاقات بين فرنسا وبين حمد بن خليفة، الذي استولى على الحكم بعد أن اطاح بأبيه، توثقت في عهد حرب الخليج الثانية، حين كان موقف فرنسا ضد العملية بقيادة الولايات المتحدة منح قطر امكانية ان تنفض عن نفسها صورتها كتابعة للولايات المتحدة. وفي اطار المنافسة مع الجار السعودي، بدأت قطر تراهن على فرنسا. وسر الرئيس جاك شيراك بالفرصة لإصلاح «اخطاء الماضي» وصداقته مع الوالد المتنحي عن الحكم. فاشترت قطر دبابات فرنسية، ولكنها ابدت اهتماما أكبر بـ»التعاون» على الارض الفرنسية. أما فرنسا من جهتها فكانت مستعدة لأن تغض النظر عن عدة ظواهر عرضتها للخطر في نهاية المطاف؛ إحداها يسمى «الجزيرة». شبكة التلفاز العالمية اظهرت ظاهرا حداثة وانفتاحا، وفتحت بثها مثلا لرجالات اسرائيليين، ولكن محافل امن رفيعة المستوى تشير اليوم الى استخدامها كقناة اتصال بين محافل الارهاب الاسلامي (أولهم بن لادن) والعالم الواسع، وفي اثناء «الربيع العربي» قامت بعلاقات عامة مع الجهات الاسلامية التي سيطرت على الثورات.
أما الظاهرة الثانية فتسمى يوسف القرضاوي. الداعية الاسلامي «المتطرف» الكبير، من مواليد مصر والمقرب من العائلة المالكة والمرجعية الفقهية العليا لـ»الاخوان المسلمين»، كان دوما الرجل الذي سمح له بأن يمثل بالضبط النقيض لما بثته العائلة المالكة في العالم. فهو الأداة السياسية والعامل الموازي الذي يتوجه الى الدوائر المتطرفة والى الايديولوجيا «الظلماء». في بثه في «الجزيرة» يفسر الاسلام بطريقته، يشجع على قمع النساء، ويسمح بقتل اللوطيين. لاساميته هي من اللاساميات الشهيرة. وهو يرفض ادارة حوار مع اليهود، خلافا للأديان الاخيرة، «الا بالسيف والبندقية». وبمنصبه كرئيس للمجلس الاوروبي للبحوث الاسلامية والافتاء، فإنه يسمح بالعمليات الانتحارية بصفتها اعمال شهادة مسموحا بها في القرآن. أما القاصرون والقاصرات ممن يهربون اليوم من عائلاتهم كي يتطوعوا في صفوف منظمات الارهاب في سورية، فإنهم يفعلون ذلك استنادا الى فتاوى القرضاوي الذي يرفع مسؤولية الآباء والامهات عن ابنائهم. وفوق كل شيء فإنه يقف على رأس شبكة المساعدات «الانسانية» (التقوى)، التي شكلت عمليا غطاء لتحويل الاموال لتمويل منظمات الارهاب في افغانستان، العراق، سورية، وكذا «حماس» في غزة.
لم تتردد فرنسا في السماح للقرضاوي والدعاة والمثقفين المتطرفين الآخرين في الظهور امام مسلمي فرنسا، مثلا في الحدث السنوي الكبير لانعقاد مجلس الجاليات الاسلامية. وقد الغى هذا الاذن الرئيس ساركوزي في العام 2012 فقط، بعد المذبحة التي ارتكبها المخرب محمد مراح بحق اطفال المدرسة اليهودية في تولوز. وشارك زعماء مسلمون فرنسيون في شبكة التقوى وتمتعوا بأموال الصندوق أيضا.
لم تخف قطر رغبتها في الحلول محل السعودية كممولة للاسلام في فرنسا. حتى التسعينيات كان السعوديون هم المستثمرون الاساسيون في بناء المساجد، بما في ذلك المسجد الكبير في باريس، وتمويل المؤسسات الجماهيرية. وكانت فرنسا وساركوزي مستعدين لمنح قطر المكانة التي ارادتها، لدرجة تسليم الامتياز لقطر لبناء مصانع واعمال تجارية في الضواحي المتوترة قرب باريس، حيث خاض المسلمون انتفاضة وأقاموا حكما ذاتيا اقتصاديا اسلاميا هناك.
ولكن ليست فرنسا وحدها هي التي أسرها سحر قطر. اسرائيل هي الاخرى اجتازت شهر عسل طويلا مع الامارة الساحرة. وعلى حد قول ريتينيه وبان، حتى على حساب حلفاء تقليديين في العالم العربي. وهما يقتبسان على لسان الامير حمد بن خليفة، ومرة اخرى على مسمع المحادث اللبناني بأنه «ذات يوم جاء الإسرائيليون الى هنا واسمعوني شريطا سجل في فندق في جنيف. سمعنا فيه قادة الاجهزة المصرية والسعودية يتآمرون ضدي. وأنا يحميني اللوبي الأميركي – الإسرائيلي».
اليوم، حسب كل المؤشرات، تحسنت العلاقات مع السعودية مرة أخرى. فقد رفضت اسرائيل رفضا باتا اقتراح الوساطة القطرية لوقف النار في غزة، والتي نقلت، بالمناسبة، من خلال فرنسا، وفضلت المبادرة المصرية، ووجدت قطر بالمناسبة صعوبة بشكل عام في توفير البضاعة لدى «حماس». هكذا كان في محاولات تحرير جلعاد شاليت، رغم وعودها للرئيس ساركوزي. اما الوساطة التي نجحت فكانت في نهاية المطاف هي الألمانية والمصرية. ومع ذلك، فقد أكثرت قطر من اللعب بورقة وجود علاقات طيبة مع كل اللاعبين وعرضت نفسها بأنها «صاحبة المفتاح» لحل المشاكل.
اكتشفت الاجهزة الامنية الأميركية ان رجال «القاعدة» الكبار اقاموا في قطر، ولكن ساركوزي واجهزته فضلوا جعل قطر محورا مركزيا في العلاقات مع العالم العربي. هكذا استأنف وفقا لمشورة قطر بشكل دراماتيكي العلاقات مع سورية، التي قطعها عمليا سلفه شيراك بعد قتل صديقه، رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. فقد غضب شيراك، ولكن الرئيس السوري، بشار الاسد، دعي الى قمة «اتحاد البحر المتوسط»، الذي عقده ساركوزي في باريس في تموز 2008، الى جانب رئيس الوزراء في حينه ايهود اولمرت. اما اليوم، بالمقابل، فإن ساركوزي هو مؤيد كبير للتدخل العسكري في سورية ضد الاسد.
في فرنسا نفسها، تبدي قطر شهية بلا جماح في مجال العقارات. فقد سن الحكم الفرنسي تشريعا خاصا ضد الضريبة المزدوجة. ويمكن للقطريين ان يدفعوا الضريبة في بلادهم، حيث لا توجد ضريبة قيمة مضافة. وتسقط الفنادق الكبرى في باريس وفي كان في الريفييرا الفرنسية ومبان تاريخية بقيمة نحو 5 مليارات يورو الواحد تلو الآخر في يد المال القطري. احد المباني الاكثر رمزية في باريس – فندق لامبرت التاريخي في اييل سان لوي – بيع مقابل 80 مليون يورو لعبد الله آل ثاني، احد اشقاء الامير. ويدور الحديث عن موقع تاريخي محمي، ولكن الرئيس القطري اضاف له بحرية مصاعد وموقف سيارات. صفقة رمزية اكثر بكثير هي مركز المؤتمرات السابق لوزارة الخارجية الفرنسية، على مسافة غير بعيدة من بوابة النصر، والذي تحول الى الفندق الاغلى في باريس بملكية قطرية، بالطبع.
بعد العقارات يأتي دور الصناعة. فقط اشترت قطر نسبا كبيرة من شركات تمثيلية واستراتيجية فرنسية مثل فولييه وتوتال، فيوندي في مجال الطاقة. وحسب الامثلة في الكتاب، لقطر تأثير حاسم على اعمال هذه الشركات التي تشكل ذراعا مركزيا للاستراتيجية والامن القومي.
كما فتحت قطر قناة رياضية تلفزيونية بي – إن – سبورت التي تصفي ببطء، ولكن بثبات، المنافسة المحلية كنال بلوس. وأخيرا تسللت قطر ايضا الى الرياضة نفسها، مع شراء فريق باري سان جيرمان في 2011 مقابل 70 مليون يورو.
محادث خليفة ساركوزي، فرانسوا هولاند، هو الامير الجديد تميم بن حمد آل ثاني الذي يوجد بقدر كبير في فترة ترويج في الساحة الدولية (انجازه الاساس قبل أن يرث العرش كان شراء باري سان جيرمان). كما اضطر ايضا الى مواجهة الاتهامات بالعلاقات الوثيقة جدا مع الارهاب الاسلامي التي كانت جزءا من استراتيجية أبيه.
هولاند نفسه حذر قطر من سقوط «النشاط الانساني» في سورية وفي مالي «في أيدي الاسلاميين». ولكنه يجد صعوبة، ولا يجتهد دوما، للنجاة من التأثير القطري. احدى المشاكل العاجلة كانت خطة سيطرة قطر على الضواحي الحساسة في باريس. واتفق بداية على استثمار قطري في صندوق بمبلغ 500 مليون يورو. ولكن بعد الاحتجاج اتفق على شراكة بمبلغ 200 مليون يورو من كل جانب. وفي هذه الاثناء لم يتحرك شيء، ولكن الضواحي الاسلامية لباريس لا تزال في فرنسا. وفي الطرفين هناك من يأسف على ذلك.

عن «معاريف»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: