جدل الشعر والسياسة والذائقة: كتاب نقدي يثير الغبار

2014-10-14


عادل الأسطة

«جدل الشعر والسياسة والذائقة: دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود» (2001، وصدرت طبعة محدودة منه في 2014) هو كتابي الذي يجمع ثلاث دراسات محكمة ومقالة طويلة عن ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار الشاعر محمود درويش. وكنت أنجزت هذه الدراسات في الأعوام 1993، 1996، 2000، ولما كانت تتمحور حول موضوع واحد فقد آثرت جمعها معاً، وأصدرتها في كتاب لنشره قصة طويلة، وكان يفترض أن يصدر في العام 2000 عن دار الأسوار في عكا، ولكن الناشر يعقوب حجازي تردد في نشره، ثم قرّ قراره على عدم نشره، وفي العام 2008 اتفقت والناشر محمد الشرقاوي في عمان، صاحب دار ورد، على نشره، وكان أن توفي الشاعر فتراجع الناشر، خوفاً من أن يُساء إليه، فالمناسبة لا تشجع على الإقدام على خطوة مثل هذه.
حين نشرت مائتي نسخة ورقية منه ـ والسبب يعود إلى تشويه النسخة الإلكترونية ـ أهديت بعض زملائي ومعارفي ومكتبات بعض الجامعات نسخاً منه، ومن الذين أهديتهم الكتاب الناقد إبراهيم خليل أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأردنية، وكان بحث من الكتاب راق له بعد أن أصدرته تحت عنوان «ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية وأبحاث أخرى» (1996). وقد أنجز الناقد مراجعة للكتاب نشرها في «القدس العربي» اللندنية في 11/11/2014، وكان عنوانها لافتاً ومستفزاً في الوقت نفسه: كتاب جديد يثير الغبار حول أشعار محمود درويش. يومها قرأت المقال الذي لم ترق لهجته للصديق إبراهيم جوهر، فعقب على تعقيبي على مقال الناقد، قائلاً، إنه ضد هذه اللهجة في الكتابة، مع احترامه وتقديره لكلينا: أنا والناقد. وكنت اكتفيت بالتعقيب على الكتاب فيسبوكياً، بعد أن أعدت نشر مقال إبراهيم خليل.
في بداية تشرين الأول من هذه العام كتب الناقد نفسه مراجعة لكتاب جديد عن أشعار محمود درويش، مؤلفه شكري عزيز الماضي، المدرس أيضاً في قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية، ولا اعتراض على هذا. لكن مراجع الكتاب أخذ يعرض ثانية بكتابي عن محمود درويش بأسلوب فيه قدر من التعالي والأستاذية، ومما أورده:
«فقد سلط بعض النقدة، ومن يتشبهون بالشعراء، الضوء على قصائد لدرويش المتأخرة من ظهور لافت للذات... فعدوا ذلك نكوصاً...» و»وعلى الرغم من أن الكتاب ـ أي كتاب الماضي ـ صغير الحجم (160) صفحة إلاّ أنه عظيم القيمة، جمّ الفائدة، بما جلاه من غبار أثاره بعض المتنطعين...».... إلخ. وهذه العبارات أعادتني إلى ما كتبه الناقد عن كتابي، وإلى العبارات الاستفزازية في المقال:
«حمل إلي البريد كتاباً من عادل الأسطة أحد أساتذة الأدب في جامعة النجاح» وهو دراسة من ثلاثة بحوث أو مقالات إن شئنا الدقة... ويثير هذا الكتاب، في الواقع، إشكالات تستعصي على الفهم حيناً، وتتأبى على التقبل والتفسير...» و»المؤلف ينطلق من فكرة لا يؤيده كثيرون فيها» و»وهذا إذا أخذنا على مقاس المؤلف في ضرورة أن تمثل كل كلمة وكل عبارة، موقفاً من الشاعر لا يحيد عنه، ولا يتزحزح، يبدو معياراً مثيراً للسخرية، وباعثاً للضحك...» و»وتحصيل الحاصل أنه الأطروحة التي يقوم عليها كتاب الأسطة... أطروحة يصعب على الدارسين والنقاد الأدبيين القبول بها، والاطمئنان إليها، كونها تعتمد معايير ومقاييس غير أدبية، ولا شعرية، في الحكم على الأدب...».
كأن الناقد الذي أهداني جل كتبه لا يعرفني «من عادل الأسطة»، وكأنه لا يميز بين البحث والمقال» ثلاثة بحوث أو مقالات إن شئنا الدقة» وكأنني أكتب ألغازاً وأحاجي» إشكالات تستعصي على الفهم»، وكأنني كاتب سريالي» وتتأبى على التقبل والتفسير»، وكأنني في واد والنقاد والدارسين في واد، وكأن الناقد قام باستبانة فاكتشف هذا» أطروحة يصعب على الدارسين والنقاد الأدبيين القبول بها والاطمئنان إليها»، و:إنني لا أعرف أن هناك مناهج غير نصية وأخرى نصية ثبت بطلان الأولى وجدارة الثانية» كونها تعتمد معايير ومقاييس غير أدبية، ولا شعرية، في الحكم على الأدب»، وكأن الناقد إبراهيم خليل ما كان، ذات يوم، ناقداً ملماً بالمنهج الماركسي ومطبقاً له أيضاً.
وكما ذهبت، ابتداءً، فإن الكتاب يضم ثلاثة أبحاث محكمة نشرت في مجلات علمية، وحكمت من أساتذة في الأدب الحديث، لم يقل أي منهم إنها مقالات، وإنما أقروا بأنها أبحاث. ولم أقرأ لأي من المحكمين، وكتب التحكيم لديْ، من كتب لي إن كتابتي تستعصي على الفهم، كما لم أقرأ من اعترض على آرائي، ومن اعترض جزئياً كتب بلغة الأستاذ الجامعي الذي يتقبل وجهات النظر، وإن اختلف مع وجهة نظري، فعلام اعتمد الناقد حين كتب «يصعب على الدارسين والنقاد الأدبيين القبول بها والاطمئنان لها»؟ وعبارة الناقد «كونها تعتمد معايير ومقاييس غير أدبية، ولا شعرية، في الحكم على الأدب» عبارة تصدر عن ناقد لا يأخذ بالمناهج النقدية غير النصية، مثل المنهجين النفسي والاجتماعي، وقد وردت العبارة نفسها في كتاب الأميركيين (رينيه ويليك وأوستن وارين «نظرية الأدب»، وهما يقيمان النقد الماركسي والنقاد الماركسيين. هل حقاً كان النقاد إبراهيم خليل ذات يوم ناقداً ماركسياً أو قريباً من النقد الماركسي؟
لا يخفى على أي ناقد ملم بالنقد الماركسي أنه نقد يحكم على الأدب سياسياً واجتماعياً، وقد ورد هذا في كتاب (ديفيد ديتشس): «مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق»، ولم يثبت، حتى الآن، أي المناهج النقدية هي الأصح، وكما يكتب دارس ألماني عن المناهج: إنها مناهج تحاول أن تكون علمية لدراسة موضوع غير علمي.
الناقد إبراهيم خليل لم يكتب رأيه في كتابي وينقد لي وحسب، وإنما ذهب إلى أن هناك كثيرين يتفقون معه، ويختلفون معي. أنا ما زلت أحتفظ بكتب تحكيم أساتذة الأدب لأبحاثي ـ ولم يرفضها أي منهم، وإن طلب مني إجراء تعديلات طفيفة جداً ـ . ومما أورده د. عبد الرحمن ياغي: «والذي لا تخطئه العين في هذا البحث هو أنه ثمرة اطلاع واسع وجيد، بل مبصر لمسيرة شعرية في حياة محمود درويش... وكذلك يلمس هذا البحث شيئاً من المبررات أحياناً للشاعر عند تناقضه بين زمنين؛ زمن الإبداع، وزمن يتعارض بسبب تطور مع ذلك الزمن الإبداعي، لأن جماليات الإبداع واضحة التقدير لدى البحث والباحث، وبهذا قد ينضم الباحث هنا إلى ما عرف من تراثنا القديم الذي ميز ذووه بين الأخلاقيات وبين الإبداع...» «ولكن هذا كله لا يقلل من قيمة هذا البحث، لأن فيه حصافة وجدا يرشحانه للنشر...»
وكتب مقيم ثان لا أعرف من هو: «وقد أعجبني كثيراً تغلغل الباحث في نفسية الشاعر وإحاطته بتطور مشاعر الشاعر وحكمه المنصف الموضوعي على كتاباته..».
في مقالته عن كتاب الماضي ينعت إبراهيم خليل دراساتي بأنها دراسات دارس متعجل يتعقب بضع كلمات في أشعار الشاعر. هذا رأيه، فماذا يقول في رأي أحد المحكمين: «أرى أن الباحث كان دقيقاً في بياناته، ولم يتعجل في إصدار الأحكام».
أنا أريد أن أترفق بالناقد، ولكني أود أن أحيله إلى كتاب صدر في العام 1997 عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت ترجمه رضوان ظاظا، وعنوانه «مدخل إلى مناهج النقد الأدبي»، وأول هذه المناهج منهج اسمه المنهج التكويني «النقد التكويني»، وآمل أن يقرأه وأن يدرسه، علماً بأنني في كتابي لم أعتمد على النقد التكويني وحسب، بل أفدت من النقد البنيوي والماركسي، أيضاً، وربما أعود ثانية للكتابة في الموضوع، ربما!!!
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: