هاني فحص.. أوراق من دفتــــــري (2-2)

2014-10-14



نشرت فصلية «أوراق فلسطينية» التي تصدرها مؤسسة ياسر عرفات في عددها المزدوج السادس والسابع الذي سيكون في المكتبات هذا الأسبوع، نصا طويلا للمفكر اللبناني الراحل هاني فحص، يذهب النص مذهب السيرة ويتمتع بقوة وصدق وطاقة لغة الراحل الخاصة، ولأهمية النص وقدرته على الإضاءة على سيرة الراحل ومصادره نقدمه للقارئ على حلقتين.



أحلام

« وقال لها إنه كان لا يستطيع العيش إلا بالتنقل من حلم الى آخر»
ميلان كونديرا

إذن وصلت الى النجف الأشرف خريف عام 1963م.، وأنا في الأشهر الأولى من العام الثامن عشر من عمري. وكنت قبل سفري اليها طلباً للعلوم الدينية، قد أحببت، في أول البلوغ أو قبيله بقليل، أحببت كثيرات، وأحببتهن كثيراً، أحببتهن حتى الحذر الشديد من أن تلامس يدي يد إحداهن، خوفاً عليها من الأذى! وكنا قد تربينا على أن القيم والنوايا لها معادل مادي لا يفارقها. عندما سافرت حزمت أمر القلب، وكأنه بيدي! وقررت أن أقطع بينه وبين منازعه وعاداته، توهماً مني بأن الدين، الذي التقطت بعض مظاهره الملتبسة بالنقائض والنواقص، والذي لم أكن أعرفه، اكتشفت فيما بعد انه بحاجة الى معرفة دائمة والى تجديد المعرفة به والتجدد بها، والى انجازه دوماً على موجبات العقل والقلب ..، إذن فقد قطعت القلب وقطعت معه. توهماً مني بأن الدين يقع خارجه، ولا يحفل بنبضه، وأن المعرفة الدينية لها مكان حصري هو العقل، الذي يعقل، ويمنع، (ويمنع القلب أول ما يمنع)، لأن القلب يشطح، ولا يتقن الحساب، وله حساباته التي لا يعرف قواعدها حتى صاحبه، لأفاجأ بأن الحب في المفهوم النجفي، وبمقتضى الدين، هو شرط الدين وشرط العلم وزيت العقل، ومن دونه يصبح العقل عقالاً ويصبح الانسان خراباً، وتصبح الأرض يبابا.
في النجف، رأيت الحجب، والقطع والفصل (الا في حدود الضرورة)، بين نصف المجتمع ونصفه، متحدراً من العادة التي كثيراً ما تتخطى الدين الى ما قبله، والى ضده أو نقيضه أحياناً، رأيته يشعل الرغبة، ويعيد للمرأة، من طريق آخر، من طريق القلب عندما يصغي الى الجسد ويصغي اليه الجسد، وتشتبه الحاسة بالخاطرة، أو الجانحة بالجارحة، يعيد للمرأة بعضاً من حساسية موقعها الطبيعي في نظام الكون والحياة والمعرفة. فلا تبقى وظيفتها الحصرية والمثلى هي خدمة علم الرجل، بل تصبح ضرورة توازن واتزان عصبي ونفسي وعلمي وأدبي واجتماعي وسياسي واقتصادي .. إذن لها المجد الذي لا يعترفون به الا مداورة، ولا يلبثون أن يقصوها عن صعيد العلم، لتعود مدججة بمركزيتها وبمخزونها التكويني الفطري، الذي يعادل العلم كثافة ويتجاوزه أثراً، حتى إذا ما عاقرت العلم أثبتت أن خصب الرحم يفضي الى خصوبة المعرفة .
ويأتي المناخ الحار جداً والبارد جداً، وشؤون الحياة اليومية، واقتصار نظام العلائق اليومية على نمط فئوي مشوب أحياناً بألوان خفيفة من طيوف فئات أخرى (مدنية).. لتضيف الى الرغبة المشتعلة حسابات عيش واستقرار وتفرغ أو فراغ، يبالغ فيها البعض للحصول السريع على الشريكة .
كتب أحدهم الى والده في لبنان يقول له : إن القمح في العراق يزرع موسمين، فلم يفهم الوالد مراد ولده وحمد الله على النعمة .. فعاد الولد وكتب اليه قائلاً : إن النعجة في العراق تلد مرتين في السنة .. فردّ الوالد قائلاً : تبارك الله أحسن الخالقين .. فضاق صبر الولد وكتب الى أبيه قائلاً : زوجونا بسرعة، ولو بـ... فزوجوه .
وكان صحبي من الشيوخ الشبان أو الشبان الشيوخ قد ضحكوا ذات ليلة وتهامسوا فيّ وتغامزوا علي .. سألت : ما الخبر ؟ فقالوا : اصدقنا القول، وإلا كان مصيرك الى سفر: أنت لست من أسرة مشايخ، لم يرسلك أهلك الى النجف تأميناً لاستمرار الأسرة وإكمالاً لمسيرتها وحفظاً لموقعها، إذن ما الذي أتى بك ؟ لا بد أنك أحببت صبية من صبايا ضيعتك ولم ير فيك أهلها كفؤاً لها، وعدمت الطريق اليها، فأتيت الى النجف، لتذهب منها باغراءات اللباس والملبوس من دين وعلم وموقع اجتماعي ويسر في حدود ما يتيسر، فتصل عن طريق النجف الى مرادك ومرمى فؤادك .. سألت : وهل حدث مثل هذا مع غيري ؟ قالوا كثيراً .. فأكبرت الحب وما يصنع، ثم قرأت قول الامام الصادق (ع) «وهل الدين إلا الحب»، وشعرت بأن ما في داخلي حق ومشروع وحقيقي عندما قرأت قول الرسول الأعظم المصطفى الحبيب (ص) «استفت قلبك، وإن أفتوك، وإن أفتوك».
وهكذا عشت سنتين أحلم بالزواج، بالثوب النظيف والطعام الشهي، والذي سوف يكون بالقطع شهياً بالمقارنة مع اللبن الحامض والبندورة والخيار .. خياراتنا الغذائية شبه الحصرية ؛ الا اذا كانت هناك مناسبة و(قيمة) ودعينا اليها وقضينا لبنات الروح والجسد معاً. وعدت في الصيف الأول الى لبنان سعياً وراء الزواج فلم أوفق لأسباب عدة . وفي آخر الصيف الثاني حصل التوفيق .. وبعد الزواج أخذت أحلم بالولد، لم ينغص على حلمي الا مترتبات الزواج من أجرة المنزل الى المصاريف اليومية الراتبة . ولم أكن محظياً لأنال عطف أصحاب القرار في الشأن المالي في الوسط اللبناني، لأني كنت قادماً من غير سياق المشيخة التقليدية، كما كنت على قدر من النزوع الى الاستقلال والحرية والأسئلة التي تظهر لأهل المجتمعات القارة، وكأنها انحراف يستدعي قمعاً ومنعاً لا حواراً .
وبعدما جاءني الولد صار الحلم يروح ويجيء بين سريره ومضجعي، بين صحته ومرضه، بين نومه وأرقي، بين ضحكه وبكائه وخوفي وفرحي، ويتجول مرتاحاً بين كلمة ملثوغة وكلمة مقلوبة تكسر نظام اللغة وعمودها وتعلن الشعر والورد .
في هذا الجو المفتوح على حوارات الحياة وجدالاتها وسجالاتها .. حدثت الحرب في حزيران 1967 في يوم امتحاننا في مادة البلاغة (المعاني والبيان والبديع) .. وكانت النكسة التي كانت قبلها النكبة .. فاستولى علي حلم التحرير .
كانت زوجتي صابرة مقدرة لظروفي وأحلامي، من دون أن تشترط علي تقدير ظروفها وأحلامها حتى إذا ما قررت أن أقدر ظروفها، اي بعد خراب البصرة، وبعد أن لم يعد بإمكاني مراعاة ظروفها وتحقيق اليسير من توقعاتها فضلاً عن أحلامها، كانت الفرصة قد فاتتني كما فاتتنا فرصة التحرير .. وكانت، أي زوجتي، تمسك بي خشية علي من السقوط عن السرير، وأنا منتصب القامة مرفوع الهامة وسطه، وسط الليل، ليلة بعد ليلة، وسبابتي تلعب بهواء الغرفة الضيقة كما يلعب الشاعر بهواء الأحزان، وأعلن الجهاد حتى تحرير آخر شبر من أرض فلسطين . ولا أنسى لواء الأسكندرون، كما أخبرتني زوجتي، ولا ارتيريا، وقد أمرّ في بعض الليالي على الأندلس «أندلس الأعماق، أندلس الطالع من دمشق يحمل للغرب حصاد الشرق» – أدونيس - .
مع بدء العمليات الفدائية، وسماعنا الدائم الدؤوب للشيفرات في الاذاعة، ذهبت من الكلام في الهواء الى التكنولوجيا الناجعة والعمليات المدبرة، صار حلمي أن أخوض عمليات عسكرية فدائية أخطط لها بسرية تامة وإتقان وإبداع لتدمير العدو في لحظة واحدة، لم أكن أعرف مصادر علمي العسكري، ولم أكن، بعد قد قرأت كلاوز فتز وكارلوس مارغويللا، وعندما قرأتهما كان أثرهما علي أقرب الى أثر الشعر منه الى أثر علم الحرب، أو «حرب الغوار».
وكانت الأهداف تتغير بين ليلة وأخرى، بحسب تصوري الساذج لمركزية الهدف «ما زالت كذلك» أو بحسب مزاجي، من الكنيست اليهودي الى مجلس الوزراء العبري، الى الهستدورت الاسرائيلي، الى قيادة الأركان الصهيونية، الى مستودعات الذخيرة، الى المفاعل النووي في ديمونة وعلي وعلى أعدائي يا رب .
ولأن هذه العمليات تحتاج الى قوة بشرية ماهرة ومعبأة ومدربة لا قبل لي بها، قررت ذات منام أن أختزل المسألة وأختصر الطريق بأن أتحول بقدرة قادر، الى انسان «بالستي» الى صاروخ هائل وخرافي (ربما كان ذلك مترسخاً من الحالة الكوسموبوليتية التي أتتني عدواها ممن عاشرت من القوى القومية واليسارية والأممية والاسلامية العالمية) .. إذن صاروخ عملاق موجه، مطيع وطني وفعال، ينزل بدفع ذاتي، أول الفجر في ليلة قمراء، على قيادة الأركان الصهيونية فيدمرها حجراً حجراً، وخريطة خريطة، وإحداثية إحداثية، وفرداً فرداً، دفعة واحدة في ثانية أو أقل، قبل أن يرتد اليك طرفك .
ويعم الإرباك الشديد صفوف العدو، وعقله وجيشه واداراته وأمنه، وجميع مؤسساته الرسمية والمدنية والأهلية، وآخذ أنا، على مهل، باصطياد المواقع الحساسة في الكيان الغاصب، وهي تتهاوى أمام ضرباتي وكأنها علب «كارتون» وأعصابي متماسكة وهادئة وباردة، تغمرني الثقة، ويجللني التواضع، والحرص الشديد على أن أبقى حياً لأرى أثر صنيعي في الناس والتاريخ، أو أن أستشهد، إنما بشرط أن يكون بإمكاني أن ارى الاحتفاء بجسدي الطاهر، والاحتفال بفعلي الرائد، وأسمع الكلمات والقصائد التي تقال فيّ .. وأستمتع بذهول العالم، وجهله اسمي، وكل ليلة، بعد العملية، كنت أعود الى قريتي، لا الى النجف، لأرى أمائر الإعجاب المرتسمة على وجه أمي وأبي وأترابي والمختار وأعضاء المجلس البلدي .. الله .. الله .. إنهم لا يعرفون أني وراء كل هذا المجد القومي !! فما حالهم إن عرفوا ؟!
بعد مشروع «روجرز» والحرب بين المقاومة والجيش الأردني، أخذ الحلم يختلط بالمنغصات ولم يلبث أن اصبح ملتبساً بالكابوس، فقد حلمت ذات ليلة بأني جالس في الصف الأمامي في استاد عربي، والمناسبة هي احتفال عربي –اسرائيلي مشترك بالذكرى الأولى للوحدة الاندماجية، والعياذ بالله، وفجأة أخذت الطائرات الاسرائيلية من نوع «فانتوم» و»سكاي هوك» تغير على المكان وتدكه، وتسقط منشورات تعلن ان حركة انفصالية قد حصلت بقيادة موشي دايان !
أويت الى عب زيتونة قرب منزلنا في جبشيت، كنت أختبئ فيها عن عيون أترابي لعباً، وعن أعين أمي خوفاً من عقوبة على إهمالي في نظافة البيت.
عندما تحولت أحلامي الى كوابيس متصلة ومتواصلة، هربت الى القرآن والشعر والتاريخ والحوار اليومي والجدل المتوتر، والمتابعة اليومية، ورفع منسوب الوعي السياسي الذي كنت أفتقر اليه كثيراً، وعندما تعاطيته لم أغتن منه أو به كثيراً، على عكس ما سجله علي بعض الإطلاقيين من خطباء الاسلام السياسي، من أني ذهبت الى النجف على خلفيات سياسية قومية واشتراكية، في حين كنت عروبياً بما هي العروبة انتماء ومكون، ومسلماً بما هو الاسلام إيمان يذهب عميقاً في الداخل، ويزهر في الخارج، ويزدهر بالمعرفة والمحبة، ولم أكن أميز بين حزب أممي وآخر، أو حزب قومي وآخر، أو حزب يميني وآخر، أو بين حزب اسلامي وآخر، كما لم أكن معنياً بالتمايزات من دون أن ينعكس ذلك موقفاً تفصيلياً من أهل الأحزاب وأفرادها .
إن السعي الى تحصيل الوعي أفضى بي الى أحلام اليقظة ربما لأن لها علاقة أقل تعقيداً وإشكالية باللاوعي والمكبوت والمسكوت عنه من الإحباطات، وبالطبقات الغائرة في التكوين والوجدان ومنابع الوجع والألم والتباريح التي لا تبرح، وهكذا أخذت أختم صحواتي المكدرة بحالة بين اليقظة والمنام، وأخوض عملية التحرير يومياً بأشكال وسيناريوهات مختلفة وأحياناً متناقضة. وقد يتطور الأمر الى وضع شروط على عملية التحرير، قد تطال السياسة اليمينية واليسارية والأنظمة التي أراها معيقة تهدف –الشروط- الى القضاء عليها وتصفيتها سياسياً او مادياً، إن اقتضى الأمر، لكن كراهيتي لمرأى الدم الداخلي كانت تجعلني أتراجع وأخفف شروطي .
بعد عودتي الى لبنان عام 1972، بدت لي الإقامة الطويلة في الأحلام أمراً مضنياً، فدخلت في مشروع أدبي ثقافي «منتدى أدباء جبل عامل» لكن صاحبي أيقظني من نومي على أزيز الطائرات المغيرة على مخيم النبطية الفلسطيني، قبيل موعد على ندوة نقدية للشباب في نادي الشقيف، وأدركت أن الحائط مسدود فذهبت الى مزارعي التبغ، الى أمي، أعرض عليهم وعليها زيادة على الشراكة في الهم والتعب والسهر والمرارة وقلة المردود والشحوب والوهن، المطالبة بحقهم، فقتل بعضنا وسجنا، وأحبطنا، وتاجر بنا بعضهم وصادرنا آخرون، فقلت في نفسي : لنعد الى التحرير مدخلاً الى التحرر، وسبيلاً الى الكرامة لأن اسرائيل هي العقدة، وفلسطين هي القضية، وانخرطت في المقاومة وفي الجدل اليومي بين الفعل المحرر والوجع المبرح وأصبحت قناعاتي مثالاً للتندر، حتى سألني زميل وصديق : وماذا تريد؟ قلت: يا أخي حرروا فلسطين بمساعدتي أو من دونها، وأنا أذهب لأشتغل مبيضاً للنحاس .. وبقيت موغلاً في أحلامي، وغير مواظب، أو قليل الاكتراث بشؤوني الخاصة، وبحاجات الأهل والجسد، أريد فلسطين وأنتظرها وأضرب لها المواعيد، ولا تصل ولا أصل . ربما كان هذا الآن كلاماً يندرج في قائمة الأدلة على (الفساد) لكن الوقائع والفتن والحروب الداخلية وداخل الداخل، وداخل داخل الداخل، والتكشفات وظهور العورات البنيوية في عمارتنا الفكرية والسياسية، عادت فوضعتني على مسار الإحباط .. فماذا أفعل؟
أنا مدمن أحلام .. حولت حلمي الى اتجاه آخر، اتجاه تنموي نهضوي تربوي شامل، وتدبرت لي مشروعاً ..

تستمر، كما هو معروف، الأزمات والحروب والتراجعات والانكشافات السياسية والفكرية والاقتصادية والفنية والأدبية والسلوكية والقومية والطائفية والوطنية .. فماذا أفعل ؟ قالوا لي: يا رجل روح دبر حالك، كفاك وهماً وإهمالاً لشأن أهلك وغراماً بالفقر .. طاوعتهم .. فماذا أفعل: غيرت سياق الحلم مرة ثانية .. لأني مريض بالحلم .. شخصنته هذه المرة، خصخصته مع بداية الحديث عن الخصخصة، غير أني أبقيت على شيء من الرومانسية وعمومية المنفعة في البستان الواسع، الذي اخترت له أرضاً في «الوطى» بين قريتي وقرى حاروف والدوير وأنصار وعبا والزرارية، وهو مكان كنت منجذباً اليه، وعلى حب مشوب بالكره أحياناً، بسبب متاعب زراعة التبغ الليلية النهارية والتي تستغرق 14 شهراً من السنة الواحدة، لأنه وعلى مدى سنتين من فتوتي، استأجرنا رخصة تبغ من قرية عبا المجاورة وزرعنا، كما يقتضي قانون الريجي، زرعنا تبغنا في وطى عبا وكنت أراه ليلياً، وأنا أغالب النعاس فيغلبني وأنام على ظهر الدابة، أو في طرف الحقل، تحت شمس الصباح الحادة، ومرة أفقت متورماً، ظناً أنها لدغة أفعى والله سلمني، وكنت أرى «الوطى» غابة من اللوكسات والأنوار المتصلة تتخللها أو تقطعها «العتابا والدلعونا والميجنا» تطلع من قلوب الصبايا القاطفات قبل حناجرهن، وتحمل تعبهن ورائحة أحلامهن بالخلاص والراحة والنوم الهانئ وبالفارس الآتي ولو على ظهر حمار أسود.
وأخذت أقضي ساعة أو ساعتين من ليلي قبل النوم غارقاً في شؤون بستاني المرتجى.
بيت جميل ومتواضع في الوسط أمامه مساحة مخصصة لسيارات الزوار، ومساحة أخرى بمثابة مصطبة للسمر وجلسات الصباح والأصيل، متصلة بمساحة خضراء (كازون) ومسيجة بأنواع من الورد، ثم صف من أشجار الظلال تليه مساحة مخصصة لزراعة الخضار الصيفية والشتوية والبين بين، من دون بيوت بلاستيكية، ونقاش طويل ذاتي حول المساحة المخصصة لكل صنف منها وللأصناف الفرعية .
ويلي هذه المساحة مساحات من الأشجار المثمرة، خيمة من الكرمة، والسياج الداخلي من أشجار الرمان واللوز، تعرض أشجار الكرمة عليها وفيما بينها على الطريقة الريفية القديمة، أي الفوضى الجميلة، مع تخيل أو استحضار لخصل العنب الصغيرة المختبئة خلف الأغصان والمنسية حتى الخريف، حيث يصبح الأبيض أحمر من شدة النضج وموشوماً بالسلاف بحيث يحسن العناء في البحث عنه والظفر به .
وبعد السياج نصل الى مشكلة ترتيب الأنواع الأخرى، صفوفاً أو مربعات، وفي أولوية تقديم أو تأخير صنف على آخر، زيتون بلدي وطلياني وزغلولي، وتين عسلاني وبقراطي وبيضاوي وعصفوري وحمراني وسوداوي .. وافرنجي مبكر وشتوي متأخر، وصيداني حرصاً على النكهة الحامضة، مع تنويعة من الخوخ والمشمش والزعرور والعناب والدراق والإجاص والتفاح والليمون والبرتقال وكم نخلة ..وهلم جرا .. وفي طرف من أطراف البستان بيوت صغيرة وشرعية للفلاحين مع تصور كامل لنمط العلاقة معهم، حياة مشتركة، كالعيش المشترك وحوار كالحوار الوطني، أو حوار الحضارات، وضمان صحي واجتماعي وكفالة بتعليم أولادهم حتى المرحلة الجامعية، من دون توقف عند مشكلة عدم إمكان اشتغال المتعلم الجامعي بالأرض، والسعي لتزويج البنات والأولاد وتجهيزهم، ومشاركة تامة في المأكل البلدي، والملبس والمشرب والشاي والعمل واللعب والنزهة .. وعلى مقربة من بيوتهم مع مراعاة الأمور الصحية والبيئية، مزارب للحيوانات اللبون (بقرة أو اثنتان) وقطيع أغنام وماعز .. وحملان وجداء كل سنة مع إمكان ترطيب الجو بعدد من الأرانب وسعدان إذا أمكن الأمر وغزال وغزالة .. وعلى مقربة من عالم الحيوانات اللبون قفص للطيور الداجنة، دجاج بلدي بالدرجة الأولى وأوز وحمام، ودجاج فرعوني، وحجل وترغل وحساسين وبلابل وفري وسلوى ويمام وقطا وكناري وزوج من الببغاوات الرمادية الذكية، ورف من طيور الحب من كل الألوان.
وفي الختام لا بد من اختيار وسائل النقل، دراجة هوائية أو أكثر، سيارة «بيك آب» وعربة خشبية «طنبر» يجرها حماران قويان مدللان ومذللان، وسيارة «فولسفاغن» بيضاء وعدد من القطط والكلاب البلدية .. أما الأيام فلي منها مع الفلاحين في البستان أربعة أيام صافية، ويوم الجمعة للخواص من الأصدقاء وأهل الفكر والسياسة، ويوم السبت للأهل مع ليلة الأحد، للأولاد وللأحفاد ومن يتصل بهم، ويوم الأحد مفتوح .. ويرتاح الجميع في الطابق السفلي المدفأ شتاء، وفي الخيمة التي تلي المنزل صيفاً متكئين على الأرائك مستلقين على الزرابي، يروح عليهم ولدان مؤدبون بالماء والشاي والقهوة والزوفة والكاكاو والزنجبيل والزعفران وعصير البرتقال والعنب والرمان .. وأمامهم الصواني حاشدة بالفواكه السائغة .
ويأتي طعام الفطور متأخراً قليلاً، طمعاً بالمزيد من الاستهلاك بيضاً بلدياً وعسلاً غير معلوف ولبناً ولبنة وجبنة وكشكاً وزبدة وزعتراً أو سماقاً وزيتاً بلدياً مصفى، ومربى وكبيساً ومكدوساً الخ .. وبعد الآذان والصلاة وتفقد البستان، من أوله الى آخره ومداعبة الحملان والجداء والببغاء والغزال والسعدان والأرنب والركوب في الطنبر، يأتي دور الغداء ويشتعل الحطب اليابس ويعلو الدخان مفعماً برائحة الشواء .. ثلاثة أيام هكذا .. وأنا أروح وأجيء بين الصحب مستبشراً ضاحكاً ممازحاً سائلاً عن الطلبات وعن الراحة، صحتين ويا هلا .. وقليل من الوحل الأحمر اليابس يزين قميصي وبنطالي الكاكي والجزمة الجلدية السوداء المعدة للخوض في الوحل إبان السقي أو القطاف أو التعشيب .
وخلال تركيب الحلم أو تدبيجه أو نظمه أو تأليفه .. يمر ببالي الأدب والشعر والشعراء والنقد فأعين يوماً من كل شهر يأتي فيه الشعراء والأدباء والفنانون والمفكرون من كل المشارب والمذاهب، توكيداً لحسن التعدد والحوار والعيش المشترك ويأكلون لبناً وبيضاً ولحماً بلدياً ويقولون قولاً وطنياً وذاتياً وزراعياً .
منذ سنتين وبعدما تبين للمرة السادسة ان السياسة في لبنان ليست استمراراً، بل هي قطائع يتخللها تصحيح بالخطأ الأكبر، دب اليأس فينا، ولكني قررت المكابرة، فأخذت أحلم حلماً أكثر تواضعاً وخصوصية، ببيت في مساحة «دونم» واحد على مرتفع من مرتفعات ضيعتنا، مكون من غرفة نوم فيها مكتبة صغيرة، وصالون متوسط وغرفة لنوم الضيوف إن تأخروا وكانوا قلة، ومصطبة شرقية صغيرة للعصاري، وغربية للصباحات، وأمام البيت خيمة كرمة من نوع واحد وشجرة تين عسلاني، وعدد قليل من أشجار اللوز والرمان، للأحفاد، ومساحة للنعناع والبقدونس والهندباء والبقلة الحمقاء (الفرفحين أو البويردة) وكفى .. ويوماً، خلال هذه السنة الفارغة والمغلقة على السنة التي تليها، على المستوى الوطني والقومي، كنت غارقاً في حلمي المستقبلي الأخير، أو شبه الأخير، والله يستر ! فاقتحمت زوجتي عليّ المكان والزمان والحال وطالبتني بمبلغ من المال وفاء لاستحقاق مستعجل، فوعدتها أن أراجع في جريدة السفير ثم في النهار ثم في الحياة لعلي أجد شيئاً وإلا صبرت أسبوعاً، ريثما تكون الاستكتابات قد نزلت وحياً الى الحاسبة في الجريدة .. وكانت الرطوبة قد بلغت مبلغها في بيروت، والغبار المتصاعد في ورش الحفريات قد سد الأفق والرئة .. فقالت زوجتي : لو نذهب الى الضيعة .. وتذاكرنا معاً أن موقع بيت أبي في الضيعة، في وسطها قرب الساحة وضجيج الميكروفونات اليومي لمناسبة ودون مناسبة، يضيق علينا فرصة الراحة والهدوء، فقضينا في النهاية شهراً من الصيف في الضيعة. ولكننا انتبهنا الى أننا لو كنا انتبهنا لبنينا بيتاً صغيراً لنا مستقلاً في الضيعة لراحتنا .. وكان ربك يدبرها .
وعندما أخبرتها أني ما زلت أحلم بذلك البيت الصغير والبعيد والجميل، قالت لي : أما أنا فإني أندم، وأجد مبرراً للاستمرار في ندمي، ولا أجد مبرراً لإقامتك على الأحلام، أنا ماضوية أستذكر وأنت مستقبلي تتوهم ناسياً أنك «الصيف ضعيت اللبن» وترجمتها بالعامية «قال علمناك مسحر.. فقال : خلص رمضان» .
توقف الحلم الموصول بالتكوين الريفي الذي يشكل بيئة ملائمة للنوستالجيا المخصبة بالإحباط والإصرار على اختراع الفرص التعويضية بواسطة المخيال الذي لم يمرض، هو المرض، وقد عاد مخيالي منذ أشهر الى عمله المعتاد، ولكن على طريقة السبع الذي رأى ظله العظيم صباحاً فقرر أن يأكل جملاً وأخذ يبحث عن الجمل، وكان حجم ظله يتضاءل مع مرور الزمن وارتفاع قرص الشمس في السماء، حتى كان وقت الزوال واستواء الشمس على عمودها، فاختفى ظل الأسد فأخذ يبحث عن فأر .. آخر أحلام يقظتي الذي وقعت فيه هو أن أصبح فجأة، ومن دون لياقة بدنية أو تمرين أو منشطات كيميائية أو إيديولوجية عداء اسطورياً فأحصد كل ذهبيات الدورات الرياضية العربية والعالمية . ولكن ولدي الخبير بشؤون الرياضة، أكد لي أن ذلك مستحيل، لأنه لا يجوز أن أشترك الا في عدد محدود من سباقات العدو، حسب المسافات وتصنيفات دولية معروفة وملزمة .. إذن سيكون بإمكاني الحصول على عدد محدود .. وإلا فقد كان في نيتي أن أفتح الحلم على كل ألعاب القوى من السباحة بكل أشكالها، الى رمي الكرة والقرص والرمح والقفز العريض والعالي فضلاً عن الأكروباتيك أو الجمباز الذي أتقنه من زمان .. الجمباز مصطلح يأتي من الفارسية واصله : كان باز .. اي اللاعب بروحه .. ومثله سر باز، أي جندي، أي لاعب برأسه .. ربما أضيفت رياضة العض على الأصابع الى المباريات وحينئذ بواقعية، يصبح فوزي أكيداً.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: