غزة تفقد أحد حبالها الصوتية الى محمود العبادي

2014-09-30


أحمد يعقوب

لا أدعي صلة حميمة مع محمود العبادي..لكنني عرفته من خلال الشاعر والصديق خالد جمعة..ومن غير المألوف عن خالد انه يمدح.. لكنه كان يتغنى في محمود العبادي، ويطنب وكأنه يقول فيه شعراً..
شاهدت محمود يعزف العود  بحساسية مرهفة، لفنان مبدع . وسمعته يغني بصوته الرخيم ألحانا وضعها بنفسه، وتتجلى بين الفلوكلور  والمعاصرة.. تبادلنا التحيات مرارا. وتواعدنا أن نلتقي رفقة خالد…لكن ظروفنا جميعا، كانت متشابهة في الانشغال باللانشغال.
يتناقل الأصدقاء خبر فقدان العبادي في عرض البحر المتوسط..بعد أن ركب أمواجه، في مغامرة قاسية، لا يقدم عليها إلا من تساوت عنده الحياة بالموت ..وصار كالمستجير بالموت من الموت..لم يمت محمود من الزلازل والبراكين، التي ضربت غزة من السماء، والبحر، والأرض، طيلة 51 يوما، بلياليها، عاشتها غزة على محراب  الكولونيالية والحرية في القرن الحادي والعشرين.
في أحد تلك الأيام..كان عصراً.. وكانت غزة تعصر طاقاتها على التحمل، أمام موجات الصواريخ وجحيمها..دوى صاروخ على بعد 50 متراً من العمارة، التي اسكن (في أبراج المقوسي9….تمايلت العمارة كرقاص ساعة إثر الزلزلة، التي يصنعها الصاروخ، المخصص لتدمير الأنفاق، والمخابئ تحت الأرض الرملية لغزة..وبعد أن تأكدت من عدم انهيار الشقة، وأنني لا أزال على قيد الحياة..هرعت الى الشرفة في الطابق الحادي عشر.وبيدي هاتفي المحمول لألتقط  بعض الصور..كانت أعمدة من الدخان الأبيض المختلط باللون الترابي وبرائحة الديناميت التي جعلتني أسعل كغريق..ثمة صوت يشبه زخات المطر القوي ..كانت ذرات الرمال والحصى قد تطايرت مع الركام الى عشرات الأمتار ومكثت دقائق وهي تتهاوى الى الارض محدثة ذلك الصوت المطري في فصل الصيف.. وعندما توقف  ذلك الشلال من الركام سمعت صوت طفل يصرخ بمفردة « العب «..وجهت الكاميرا باتجاه الصوت وإذ بأطفال الحي يلعبون كرة القدم..أوقفهم القصف قليلا عن المباراة لكنهم تابعوا اللعب..وبدأت التقط صوراً للبحر..
بحر غزة، وقبل هجوم الـ 51 يوما، أغلقته بلدية غزة أمام الجمهور لشدة تلوثه، حتى لونه صار أخضر مصفرا…البحر تفصلني عنه مسافة عشرات الأمتار..أنظر اليه كالذي ينظر في لوحة عن بحر وأغمض عيني وأسافر في تخيلات الحنين الى البحر..
عندما سنحت الفرصة لي  لسؤال الأطفال عن سبب لعبهم في الشارع..قال أحدهم :» إن بقينا في البيت سنموت..وإن خرجنا الى الشارع سنموت..والأفضل أن نموت ونحن نلعب  فرحين»..
لا أعرف كيف أفلسف هذه الاجابة …ولا أعرف إن كان سببها هو فقدان الثقة بالمستقبل..أو هي قدرية طفولية لا تأخذ بالأسباب. أوهي استسلام للموت الذي يشبه الحياة…
ثمة من ينتحر للتخلص من عذابات وآلام ومعاناة..وثمة من ينتحر وهو في أقصى درجات السعادة  كمحبين في لحظة الذروة الجنسية.. أو كما يجري في سويسرا حيث ارتفعت في 2014 نسبة مزاولة السياحة الانتحارية..الانتحار من ترف والانتحار من قرف ….
كانت جدتي القدرية جدا تكرر هذا الدعاء :» ربي لا تمتني بالغريق ولا بالحريق ولا بالشحشطة على الطريق»..وسألتها : «ماذا يعني هذا؟ « وعرفت أنها أبشع الميتات..وكنت أسألها كيف اتحاشى ذلك..وكانت تقول :» اعقل وتوكل» وخذ بالأسباب..لم أفهم يا جدتي.. وروت لي حكاية الاعرابي الذي ترك ناقته عند باب المسجد وعندما أتم صلاته خرج ولم يجدها واحتج عند ابن الخطاب الذي سأله إن كان قد عقلها أي ربطها، فأجابه الأعرابي :» لم أربطها والله يحفظها ويحميها ؟» فرد ابن الخطاب : « اعقل وتوكل». وراحت تشرح :»كان النبي محمد (ص) يتسربل بالدرع وقت الحرب..وهو المحمي برعاية ربانية..ومع ذلك تعرض الى اصابة وانجرح وسالت دماؤه…  الحيطة والحذر واجبان يا حفيدي..»ولا تلقوا بأنفسكم الى التهلكة»..
 لا أريد أن ادخل هنا في متاهات القدرية والجبرية..لكنني أطالب دعاة الجبرية أن يفعلوا أقصى ما يمكن فعله في الأخذ بالأسباب ..والسؤال هنا لماذا ركب محمود العبادي قوارب الموت باتجاه الموت؟ ولم يكن محمود وحيداً بل المئات والآلاف من الفلسطينيين من غزة، وقبلها من سوريا وتحديدا من مخيم اليرموك .. فعلو ذلك ..هاجروا نحو المجهول وصاروا وجبة كبيرة لأسماك القرش.
جدتي : أبناء شعبي يموتون بـ»الغريق» وبالحريق وبالشحشطة على الطريق..
محمود العبادي : هناك احتمال من مليون أن تكون حياً في مكان ما.. وأنا أرفض الاستسلام لفكرة موت الاعزاء علي..وأعتبرهم في رحلة طويلة أنتظر لقاءهم يوماً ما..
كنت يا محمود سأطلب منك أن تعلمني الموضع السليم للأصابع على الأوتار ..لأنني أدندن على العود بأصابع عازف غيتار..
الأن استودعك قليلاً لأنني سأدندن قليلاً ..ولا أعرف ان كانت من مقام « النكريز» أو «الصبا» أو «الهزام»..سأدندن « من يركب البحر لا يخشى من الغرق»..»..
وغزة حزينة جداً ويضاف الى أحزانها جرعة أُخرى أكثر مرارة..تحتاج صوتك كي تغني مأساتها..

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: