واسيني الأعرج يكشف ملامح سيرته الذاتية

2014-09-30


كتب يوسف الشايب:

«القراءة في العشرين سنة الأخيرة تحملها الأنثى العربية وليس الذكر» .. بهذه العبارة افتتح الروائي الجزائري واسيني الأعرج مداخلته، ضمن فعاليات معرض عمّان الدولي الخامس عشر للكتاب، مضيفاً: كتبت حوالي عشرين رواية، وقلت فيها كل ما كان ينتابني ككاتب ... ككاتب أشعر أنني أحمل شيئاً ما، لا أقول رسالة، لأن الكاتب ليس معلماً، فهو كنجمة تلمع في السماء لفترة ما قبل أن تحترق، وتخلف وراءها مساراً تتركه للناس. الكاتب يتقاسم مع الجماهير تجربة قد تكون ذاتية، وقد تكون تجربة موازية لما يعيشه ويعايشه الناس، ولهذا كنت أتفاجأ من ردود فعل بعض القراء على أعمالي بقولهم: «كأنك كتبت سيرتي»، أو «كأنك تحدثت عني»، أو «كأن شيئاً في هذه الرواية يخصني».
هذه ليست خصوصيات، لكن تعكس هم الكاتب بالولوج إلى أعماق القارئ ... أية كتابة لا تمس القارئ ليس لها قيمة، ومسّ القارئ يتم عبر قنوات متعددة، من بينها القضية التي يرسلها الكاتب، وكذلك لغة الكاتب.
وكشف الأعرج: سيرتي الذاتية التي تنشر قريباً كتبت في إطار هذا المناخ ... من الصعب على الكاتب، بل من الصعب جداً عليه كتابة سيرته الذاتية، لأننا في الوطن العربي جبناء، فالسيرة الذاتية بوح صادق قد يتحدث خلالها الكاتب عن علاقته مع أمه أو أبيه أو أخته أو آخرين.
كثير من الكتاب يجبنون عن مجرد التفكير بالكتابة عن أنفسهم، خاصة أن «بعبع» الوضع الاجتماعي قد يلاحقهم بعد ذلك، وهذا أمر أفهمه.
وأضاف: وأنا أكتب هذه السيرة واجهتني أسئلة كثيرة، على رأسها «إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يقول سيرته الذاتية؟ وإلى أي مدى يستطيع أن يتكلم عن حميمياته الخاصة، خاصة أن هذه الحميميات ليست ملكاً للكاتب وحده، لاسيما مع وجود مؤسسات اجتماعية وعشائرية ودينية قامعة تمنع أن يكون الكاتب صريحاً في هذا الاتجاه».
ومن ناحية أخلاقية أيضاً برز سؤال حيوي مفاده «هل للكاتب الحق في الحديث عن تجربة حميمية عاشها ذات يوم مع أنثى على سبيل المثال بات لها حياتها الخاصة اليوم؟» ... باعتقادي ليس له هذا الحق، لأن هذه التفاصيل لا تخص الكاتب وحده، وتتعلق بتجربة مشتركة.
وأشار الأعرج «حين تكتب سيرة ذاتية، كأن تسير على بيض تخشى أن يتهشم أسفل قدميك»، كاشفاً: كي أتفادى ذلك، اخترت خمس شخصيات أساسية، أولها جدي الأندلسي، حيث تقاطعت مع الجد عبر تقنية معقدة عملت على تبسيطها.
كل الشخصيات في سيرتي الذاتية ميتة (ليست على قيد الحياة)، وبينها شخصيات نسوية كالجدة والأم والحبيبة، واخترتها ميّتة لأنني قصدت القيام برحلة معراجية لهذه الشخصيات... هي طريقة ليست جديدة عموماً في الكتابة، وأبرز من اتكأ عليها أبو العلاء المعري ودانتي أليغري، لكني اخترت هذه الرحلة المعراجية، وبدأت أجوب، برفقة الشخوص، الأماكن الجغرافية، بعيداً عن نرجسية كاتب السيرة الذاتية، ولذلك سعيت بتحويلها إلى نص يقبله القارئ، ولا يشعر معه أنه نرجسي».
وسرد الأعرج بعض تفاصيل من سيرته الذاتية ذات النكهة الروائية، حيث حكايات الجد الذي يروي التاريخ الأندلسي للعائلة، وكيف طردت هذه العائلة من الأندلس، وكيف يجد نفسه العام 1609 بعد قرار ملك أسبانيا بطرد المسلمين نهائياً، فالجد هنا يروي الحكاية الأولى حول بناء العائلة، وكيف وجد نفسه بين ليلة وضحاها يتحوّل من أندلسي أو أسباني بالمفهوم الجغرافي الحالي إلى جزائري.

الجدّة واللغة
وانبهر الحاضرون حين علموا أن توظيف الأعرج لشخصية الجدّة له علاقة باللغة، حين قال: كنا ممنوعين في فترة دراستنا من استخدام اللغة العربية، حيث الفرنسية هي السائدة عنوة، باستثناء بعض الآيات القرآنية في الكتاتيب والمدارس القرآنية .. الجدّة، وهي أمية تماماً، كانت تعشق اللغة العربية، وكانت «تزّن على رأسي» لتعلم العربية، من باب الغوص عميقاً في التاريخ الأندلسي لجدّي، الذي تعرف حكاياته وتفاصيل تفاصيلها، وللعائلة بأسرها ... في فترة ما كنت أسخر مما ترويه الجدة، لكني في وقت لاحق سخرت من نفسي. كانت تقول: «عند طرد جدك من الأندلس، كانت لديه مكتبة كبيرة ونادرة في غرناطة، ودخلت عليه النصارى، وتقصد هنا محاكم التفتيش الدينية، وكانت عنيفة ضد المثقفين والعلماء، حيث أحرقوا مكتبته، و»عبدة» هي التي أنقذته، وخلتها تتحدث عن الخادمة، وأنها قدمت له لوحاً خشبياً استعان به قبل أن يلقي بنفسه في البحر لعله ينجو، مع أن لا بحر في غرناطة، لكنه توجه إلى ألميريا للقيام بالمهمة، وهذا ما اكتشفت عدم دقته كتفسير مصادفة، عند البحث عن رحلات المهجّرين من الأندلس، حيث قرأت في صفحة حول المورسكيين إلى الجزائر، أنهم طردوا في سفينة تدعى عبدة، وحينها كدت أصرخ، فهي الجملة التي كنت أبحث عنها، ومن خلالها أدركت دقة ما قالته لي جدتي ذات يوم، فـ»عبدة»، هي السفينة الإيطالية التي أنقذت جدتي، وحطته في الأراضي الجزائرية، وهنا أدركت أن «العقل مع مرور الزمن يرمّز الأشياء».
ونبش الأعرج في ذاكرته: توجهت برفقتها إلى الإمام بغرض تعلم العربية .. كنت أستيقظ فجراً، وأدرس اللغة العربية في الكتاتيب، قبل التوجه في السابعة والنصف صباحاً إلى المدرسة الفرنسية .. لولا الجدّة لما باتت مع الزمن حالة من العشق بيني وبين العربية كلغة.

ألف ليلة وليلة
ومما يأتي في السيرة، التي عبّر عديد عشاق واسيني الأعرج عن ترقبهم لموعد صدورها، حكايات عديدة حول الجدة والكتاتيب، باح الروائي «الجميل» ببعضها، منها إصرار الإمام على عودتنا إلى صفوف خلفية، وقراءة القرآن الكريم بتمعن .. كان هناك عشر نسخ، وكنا نتسابق عليها .. ما بين العشر نسخ، كان ثمة نسخة ممزقة يتحاشاها الجميع، ومن باب الصدفة، تأخرت يوماً فكانت من نصيبي. قرأتها على مضض، كم شعرت بعلاقة عضوية خاصة بيني وبين اللغة، وكأنها تسري في دميّ .. لم أتمكن من مفارقته، فسرقته، فكانت أول مرة وآخر مرة أسرق فيها كتاباً، حيث تشكلت بيني وبين لغته ومضامينه حكاية عضوية عميقة، وكم كانت الجدّة مبهورة مني بتعلم القرآن واللغة العربية، بعد مدة بسيطة عرفت أن ما كنت أقرأه ليس القرآن، بل كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي لا يزال إلى اليوم، خريطتي إلى اللغة العربية.

الأم والحبيبة
وسرد الأعرج شيئاً من حكايات نسمعها للمرة الأولى: استشهد والدي العام 1959، ترك والدتي دون معيل، فكانت على الدوام تتلبس ثوب الأب بالنسبة لي، فهي من خرجت إلى العمل، وبقينا في رعاية الجدّة.
ولم يغفل الأعرج منح الحب الأول في حياته دور شخصية رئيسة في سيرته المرتقب صدورها في تشرين الثاني القادم، قائلاً: أول حب، كما يعلم الكثير منّا، مؤثر للغاية، ورغم أنه في الغالب «حب فاشل، إلا أنه في الغالب ما يبقى منغرساً في دواخل الإنسان ... الحب الأول في حياتي، قتلت في ظروف قاسية جداً، ولذلك بقيت كجرح غائر في نفسي لا يزال يرافقني، ولا يزال ينزف.

«سيرفانتيس»
أما آخر الشخصيات التي اتكأ عليها الأعرج في سيرته الذاتية، فهي شخصية «سيرفانتيس»، مبتكر شخصية «دون كيشوت» الشهيرة، وهو أقام في الجزائر لخمس سنوات، وكان محارباً في صالح المسيحية ضد العثمانيين، وخاض حرباً شنيعة، أسر فيها، ونقل إلى الجزائر، وفيها قال جملة شنيعة مفادها «الجزائر هي عشّ القراصنة»، وهذا وصف مخيف ومرعب، لكنه وفي الخمس سنوات يغيّر رأيه تماماً عن الجزائر، ويحب امرأة جزائرية (زريدة)، التي كانت من شخصياته الرئيسة في «دون كيشوت»، وهذا الرجل تعلمت منه الكثير، على رأسها: السخرية، والالتباس مع الكتابة، لدرجة أنه اتهم ذات مرة باعتناق الإسلام، وترك المسيحية.
وختم الأعرج: سيرتي ليست سيرة بالمعنى التقليدي، ولكنها تقدم لأساسيات لعبت دوراً أساسياً في تكويني الشخصي كأديب وإنسان في الدرجة الأولى.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: