هاني فحص: أوراق من دفتري (1-2)

2014-09-30


نشرت فصلية «أوراق فلسطينية» التي تصدرها مؤسسة ياسر عرفات في عددها المزدوج السادس والسابع الذي سيكون في المكتبات هذا الأسبوع، نصا طويلا للمفكر اللبناني الراحل هاني فحص، يذهب النص مذهب السيرة ويتمتع بقوة  وصدق وطاقة لغة الراحل الخاصة، ولأهمية النص وقدرته على الإضاءة على سيرة الراحل ومصادره نقدمه للقارئ على حلقتين.
المحرر

بسبب عشقي للغة العربية واهتمامي بتفاصيل عاشوراء وشهادة الحسين، وحفظي لرواية الواقعة، وتكرار تلاوتها، عشت سنوات تلمذتي في المرحلة المتوسطة، شيخاً على أهبة الذهاب إلى الحوزة العلمية الدينية في النجف (العراق) التي لم أكن أعلم عنها شيئاً، سوى أنها يتخرج منها ألوان من رجال الدين، لون يهتم بالآخرة، آخرته وآخرة الناس، يريد أن يدخل الجنة ويدخل الآخرين بالقوة، من دون سؤال، ومن دون أن يرشدهم الى الطريق، ولون كسول لم يحصّل علماً يمكّنه من التوازن والموازنة بين الدين والدنيا، فيتحول بابتذال الى الدنيا، ويتحمله الناس لما يرمز اليه .. ولون مسكون بالماضي وقلق على المستقبل، ميال الى التعلم من الناس عن قضايا العدالة والعلم والوطن والآخر والوحدة والتقدم الخ .. وضعت هذا اللون الأخير نصب عيني .. وذهبت إلى النجف في تشرين الأول العام 1963 م، حاملاً الشهادة المتوسطة، التي تأخرت سنة عن موعد الحصول عليها، لأن أولاد خالي أغروني بترك الدراسة والعمل في بيروت لمدة سنة، تنقلت خلالها من شغل الى شغل مع فشل متكرر، حتى استقررت لأشهر في تعلم مهنة الخياطة، ولكن محيط أهلي اعترض عليّ، لأني وحيد بالإضافة الى أن استعدادي للعلم لا بأس به، وأعادني خالي الى المدرسة المتوسطة في النبطية، قبل أن يهاجر الى افريقيا للعمل.
ولا أدري، بل أدري، أن خالي الذي ذهب الى ليبيريا خالي الذهن من أي صورة لها جغرافياً وعمرانياً وديموغرافياً وثقافياً وعلائقياً، خصوصاً في ما يعود الى العمل وعلائقه وشروطه ووضع الجالية اللبنانية وطريقة حياتها وعملها ومشاعرها وصراعاتها، لم يكن مندهشاً وحائراً أكثر مني عندما شرعت في التعرف إلى النجف.
كنت قد بلغت الحلم قبل سنوات، فانفتحت على الأحلام، وهي بقدر ما هي جميلة تصبح قاسية عندما تبتعد عن الواقع فتفتك بقدرتك على التعامل مع هذا الواقع، تغيير الواقع بالحلم مستحيل.
أما أن يتحول الحلم الى مناخ لحركة تغيير للواقع بشروطه وأدواته وأولوياته الداخلية، فأمر محمود النتائج. لقد استمرت فترة الأحلام لدي زمناً طويلاً جداً، جزء منه فترة اقامتي في النجف حتى العام 1972م، ما جعلني، على عفويتي وحسن نيتي، وهو ما يقرّ به حتى الذين أختلف معهم وأصرخ في وجوههم، تحولت مع عدد من زملائي وأترابي إلى جماعة شغب، شغب فكري. كنت كثير الاعتراض والاحتجاج والسؤال والجدل، لا أعادي أحداً، ولكن من يضمن أن لا يعاديك الذي تختلف معه وتصارحه ؟ إذا لم تكن دقيقاً في إدارة معركتك لتستطيع فصل العام عن الشخصي لديك ولدى الآخر.
وهكذا تحولت حواراتي وسجالاتي وجدالاتي مع أساتذتي وزملائي، حول الشأن الديني والفقهي والحوزوي والأدبي والسياسي الى مصدر للتقول عليّ في حياتي الدينية، وإن كان كثيرون يسرون إليّ بأن لا أحد مقتنع بأني متهاون في شيء، بل كنت متزمتاً في الشأن المالي، ومعترضاً في الوقت نفسه على بعض المسلكيات في هذا المجال، لأن ما عرفته عن الحوزة أنها في تاريخها كانت متشبثة باستقلاليتها، والمدخل الى ذلك هو العفة في الأموال وعدم تلقيها كيفما اتفق.
ومن هنا أصبح واقعها قائماً على أن أهلها وأهل الإبداع الحقيقي فيها هم الأشد فقراً، أي عفة، لأنهم يعوضون بالمعرفة عن ضيق ذات اليد .. ولم ألتفت إلا متأخراً الى أن أدائي لم يكن منسجماً مع مقاصدي، وكان لي بانفعال أقل أن أطرح أسئلتي المنهجية حول الحوزة باعتبارها حاضرة دينية علمية لا بد أن تديم حضورها بتجديد ذاتها على مقتضى التحديات العلمية والعملية، وبذلك أتجنب التوتر والتوتير والوضع الإشكالي الذي قد لا يعطلك، ولكنه يحرمك من أرباح مشروعة كثيرة في الفضاء المعرفي العام، ويحرم محيطك من الإفادة من حساسيتك وطموحاتك واستشرافاتك.
هكذا قدر لي، بعد فتور في حرارة القلب والعقل، وميل الى التأني والروية والواقعية، أن أشعر بأني حُرمت وحَرمت نفسي من كثير من فوائد إقامتي في الحوزة، ما عدت قبل عقدين من الزمان الى تعويضه، فأخذت نفسي بالمتابعة اليومية، وكأني ما زلت طالباً في النجف، من دون أن أعطل حركتي المعرفية في الحقول المختلفة، حقول الحداثة والعلوم الإنسانية والفكر السياسي والآداب. كأني ذاتياً أعدت الوصلة بين الأصالة والتقليد وبين المعاصرة والتجديد، ما كانت النجف بحاجة اليه .. وجعلني بعد ثلاث سنوات أنتمي الى كلية الفقه التي أسستها جميعة منتدى النشر، التي حملت لواء التجديد في النجف من دون قطيعة مع الذاكرة، ودرستُ على مدى أربع سنوات برعاية أبي الروحي عميد الكلية السيد محمد تقي الحكيم. درست الفقه المقارن والقانون المقارن وعلم الاجتماع والتربية والنفس والفلسفة الاسلامية الحديثة والأدب العربي القديم والحديث الى جانب علم المنطق والأصول والفقه والبلاغة والتفسير والتاريخ، وعلى أيدي أساتذة من مناشئ وسياقات مختلفة ولكنها مؤتلفة على تحصيل ونشر معرفة جامعة للتعدد والمتعدد على مقتضى التوحيد والوحدة.
كان أساتذتنا من علماء الحوزة وأدبائها ومن جامعة بغداد وجامعة القاهرة. استفدنا منهم كثيراً، وكثر منهم من الآتين من خارج الحوزة شهدوا لنا بأنهم استفادوا منا .. إذن فقد انحلت مشكلتي جزئياً، فهذه مساحة في الحوزة، كلية الفقه، مكان للاختلاف والحوار، مكان للوصلة بين الذاكرة والرؤية، بين الماضي والحاضر، بين المنجز وإشكالياته وبين الذي ينتظر إنجازه على إشكاليته.
وما لبثت أن تخرجت من كلية الفقه، حتى عدت كلياً الى الحوزة، التي لم أنقطع عنها، أي أني تابعت دروسي الحوزوية مع دروسي في الكلية، فكان عليّ أن أغرق ثانية في السجال الحوزوي، على توتر أشد، ذلك أني عدت من الكلية أكثر حماسة الى التغيير، ما يعني ان فترة الأحلام قد استمرت .. وأدركني الخوف، لولا أن النظام العراقي أخذ يشدد قبضته على الحوزة لإلغائها أو استتباعها، ولأنه مغرق في تقليديته حتى الجمود أو التخلف التام، قرر أن يتسلح بمظهريات حداثية في معركته مع الحوزة، فوضع عينه من خلال أجهزته الأمنية على نماذج من طلبة العلوم الدينية، مهجوسين بالتغيير وكثير من الاعتراض والسؤال، وكنت منهم، لم يراودني عن شيء، وإنما قرروا أن يستثمروني من دون تواطؤ معي، مانعت فهددوني بالتسفير ولكن بعد التشهير والحبس، والتهم الجاهزة،  فاستجبت مرة وشاركت في نشاط رسمي ديني أرادوه ضد الحوزة، ولكني احتطت بأن أجريت استشاراتي واتفاقاتي مع الأساسيين من أهل الحوزة وعلمائها وأساتذتي، واتقيت شر الاستحواذ والاستخدام في حدود. وبعدها قررت أن أرحل، أن أترك حياة العلم طمعاً بالنجاة، وهكذا كتب علينا أن تكون أنظمتنا التي تدّعي التقدمية سدادة للمعرفة والعلم لأنها وضعت الحرية في أسفل اهتماماتها، وتخيّلت وربما تخيّلنا معها أحياناً، أن التقدم والوحدة والتحرر تتم من دون شرطها الانساني في الحرية .. من هنا كان يجب أن نرى الى مسألة الوحدة والنهضة وفلسطين والعدالة الخ .. ومن هنا كان يجب ألا تنطلي علينا الحيلة باستخدام الشأن القومي لمصالح أقل من قطرية، لأن إنجاز دولنا الوطنية هو المدخل الطبيعي للنهوض القومي بالمعنى الاجتماعي لا بمعنى المشروع السياسي الاختزالي المدمر، من هنا انعقدت علاقتي المبكرة، وفي النجف تحديداً، مع القضية الفلسطينية، خصوصاً على مفصل النكسة 1967 وشرعت مع مجموعة من زملائي في البحث الدائب عن مدخل للإسهام بخطوة على طريق فلسطين.
وتهيأت لي مع بعض الأصدقاء والزملاء (عبد الهادي الحكيم، فاضل الميلاني، مسلم الجابري وهاشم الطالقاني) فرصة ذهبية، والذين أعدوها لنا كانوا يعتبرونها كذلك.
فالنكسة العام 1967 تحد كبير جداً، ويتركز هذا التحدي في أماكن كثيرة، في الجغرافيا والتاريخ، والسياسة والفكر والأدب الخ .. فهو تحد للفكر السياسي القومي واليساري الذي كشفته النكسة بعد عقود من الاستقلالات الوطنية والدولة والمعارضة والدعاوى، وهو تحد للفكر الاسلامي الذي اقتصر في الفترة السابقة على الممانعة والمعاندة ضد أمراض الحداثة وعينه على إيجابياتها من دون أن يراكم أو يؤصل الإجابة عن أسئلة عصر النهضة، ما أفسح في المجال لقوى اسلامية حركية سياسية من منطلقات ميدانية عامة، على تواضع في محصولها المعرفي، أن تتصدى لإعلان الاعتراض على الواقع السياسي والثقافي، بدءاً من تأسيس الإخوان المسلمين أواخر العشرينيات وصولاً الى تأسيس الحركة الحزبية في النجف، عندما بلغ السيل الزبى مع الدولة اللادولة بعد الثورة، حيث تحولت التقدمية في العراق الى اختزال الشعب والوطن والسياسة، والى نهج تقويضي للموروث الفكري والديني من دون اختبار لصلاحية الأطروحة البديلة.
وقررت جمعية منتدى النشر وكلية الفقه أن تولينا كطلاب مهمة إصدار مجلة الكلية (النجف) بثوب جديد ومضمون جديد .. وتصدينا لمهمتنا بجد وحماسة معقولة،  وكانت فلسطين هي المحور، منها أطللنا نقدياً على الذات وعلى الآخر، واستعدنا إيقاع أسئلة عصر النهضة وطموحاته، مع إضافات مستجدة، وكانت المقاومة كرافعة كرامة حصرية بعد النكسة، أهم ما اعتنينا به، من ضمن جو حوزوي نجفي ملائم ومشجع من دون أن يمتد هذا التشجيع الى كل الأفكار التي ركزنا عليها، وذلك يعود في ما يعود الى أن النجف، على جاري عادتها، منذ الثورة الدستورية (1906 م) بعد ثورة التنباك (1891م) الى ثورة العشرين ومقاومة الاحتلال الانكليزي، وجدت نفسها معنية أكثر بالشأن العربي والإسلامي ومنسجمة مع تاريخها في ذلك، فاهتمت بالنكسة والمقاومة اهتماماً ملحوظاً، وفي لحظة كان النظام العراقي الجديد (1968م) طري العود، فعندما استحكم منعنا ومنع النجف من الاستمرار في ترسيخ ونشر أفكار المقاومة وسلوكياتها .. ولكن النجف ونحن منها، كنا قد أنجزنا ما يحدد موقعنا وموقفنا .. استقبلت النجف المقاومين في 1/1/1968  استقبالاً رائعاً .. وأفتت مرجعيتها بدعم المقاومة بكل شيء، بعدما كانت قد سيّرت وفودها العلمية والفكرية الى أقطار اسلامية عديدة لاستنهاض الهمم في وجه الخطر الداهم فضلاً عن الجاثم، وكنا عبر مجلة النجف نساهم في الجو العام ومن خلال نشاطنا الخاص، ما أثار الكثيرين من دعاة الهدوء والبعد عن المغامرة، وكان أكثرهم اعتراضاً علينا هم الذين فسروا هدوءهم سلوكياً بالانحياز الى الاستبداد، فذهب بعضهم الى شاه ايران واجداً فيه المثال، أما نحن فكنا قد شبعنا غضباً من تصرف الشاه أثناء حرب حزيران (الإمداد بالنفط) واستذكرنا موقف المعارضة الإيرانية، والإمام الخميني رمزها أمام عيوننا منفياً في النجف ..واستحضرنا موقف الشجب لشاه ايران ونظامه الذي تجرأ على اقامة علاقات علنية مع الكيان الصهيوني، فكان ذلك مفصلاً في حركة الشعب الإيراني ضده، ما جعله يرتكب جريمته المعروفة في /خراد حزيران/ 1963م.
الى ذلك فإن عملنا لم يرضِ القوى الحركية في النجف، فتعرضنا لعملية تشهير ومضايقة شديدة .. وإنصافنا، وإنصاف أساتذتنا وروادنا في هذا المجال يقتضي التوكيد بأننا لم نتأثر أبداً ومضينا .. والذي وضع حداً لنا هو الذي وضع حداً للنجف كلها، أعني النظام، الذي منعنا العام 1969 من تنظيم احتفال بذكرى معركة الكرامة واستشهاد (الأخضر العربي) المناضل في جنوب لبنان، تحت طائلة العقوبة، سجناً وطرداً وتعذيباً .. فامتنعنا، وأصبحت المقاومة والقضية ملعباً للنظام ومزاجه المتقلب.
وتوقفت مجلة النجف عن الصدور نهائياً حتى الآن، بعد تسعة أعداد من سنتها التي توليناها فيها وحاولنا الانسجام والتميز فحققنا قليلاً من ذلك وانقطع طموحنا عن تحقيق الكثير.
وعدت الى لبنان من النجف حاملاً معي حزمة من الهموم، تمتد من تجديد الفكر الاسلامي الى نقد الحداثة، على رغبة فيها مشروطة بالتوازن، مع تسجيل نقد على التجربة العربية في أنها انشغلت بالتحديث من دون فكر أو سلوك حداثي، فراكمت ماديات محددة بلا روح، لم تلبث أن تحولت الى أعباء حضارية، واحتاطت لأمرها بأن رفعت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ليكون ذريعتها إلى تعطيل كل شيء، إلى تعطيل الحداثة ومسخها واستغلال الموروث لصالح تخلفها، في حين بقي دعاة الحداثة مجرد حاملي أفكار معرضين لتشنجات المعارضة مرة وإغراءات السلطة مرة اخرى .
تواصلتُ ببطء مع حركة المقاومة، وبسبب من ذاكرتي الفكرية أو الفكروية القريبة المحمولة من النجف، وبسبب تكويني الأدبي، احتملت أن يكون المجال الأدبي مدخلاً الى الوفاء لاستشعاراتي بضرورات العمل المجدي، فتعاونت مع عدد من الأدباء والشعراء الذين حققوا اعترافاً بأنهم وعود حقيقية، وأسست معهم «منتدى أدباء جبل عامل» وأذكر منهم وأعتذر ممن أنساه، محمد علي شمس الدين، الياس لحود، شوقي بزيع، حسن داود، حمزة عبود، حسن العبد الله، محمد العبد الله، عبد الكريم شمس الدين، موسى شعيب، عباس بيضون، محمد علي وأحمد فرحات .. وكان يطل علينا شربل داغر من تنورين وعصام العبد الله وجهاد الزين وغيرهم، وفي مسوّغات أو دواعي التأسيس ما كان مشتركاً بيننا من دون أن يكون مدخلاً لتواطئنا على العمل، ألا وهو سعي «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» الى اختزال الحركة الأدبية والفكرية في جنوب لبنان، الذي يضج بحيويات تاريخية وراهنة مهمة، ما يعني ان الحزب الشيوعي من خلال النشاط المميز واليومي المتفرغ للأستاذ حبيب صادق رئيس المجلس سوف يستحوذ ليوظف استحواذه في طريق سياسي بدا كأنه حصري واختزالي، أي غير حقيقي.. ونشطنا بأسلوب مختلف .. ندوة لمدة يومين في النبطية قسمناها الى قسمين، مداخل نظرية ونقدية، وقراءات شعرية مميزة، وبقينا أشهراً نعقد ندواتنا على طريقة المشائين أو مسرح الشمس الأسباني الجديد .. في القرى وفي الهواء الطلق، جلوساً على التراب أو الحصير حول أكواب الشاي الخاصة «الاستكانة» (مصطلح تسرّب من اللغة الروسية الى الفارسية ومن ايران الى النجف ومن النجف عبر العلماء وأسرهم الى جبل عامل) .. والمجلس مفتوح لأية مشاركة .. وكثيراً ما كان أناس عاديون يدخلون مجالسنا ويتفرجون علينا .. كأننا كنا نحقق بعض ما طمح في تحقيقه لاحقاً مسرح الحكواتي وروجيه عساف، بحيث أني وجدت نفسي في لحظة شريكاً في حدود جزئية (لاحقاً) في نشاط عساف والحكواتي، في هذه الأثناء كان السياب في ذاكرتنا جميعاً .. في حين توليت تعميم صلاح عبد الصبور الذي لم يكن مهملاً لدى الشركاء.
 أما بعض الروائيين وكتّاب القصة المتميزين الآن في مصر خصوصاً، مع بعض العراقيين، فقد توليت التعريف بهم والاستشراف المشترك لمستقبلهم مع الشباب من خلال قراءتي لبعض نتاجهم المنشور في مجلة الهلال التي كنت أدوام على قراءتها منذ أواسط الستينيات في النجف مع الآداب والفكر المعاصر والكاتب والطليعة والطريق والأديب والمعرفة .. وهكذا لم يفاجئنا لاحقاً جمال الغيطاني، وابراهيم اصلان وعبد الحكيم دياب وصنع الله ابراهيم ومحمد خضير والطاهر وطار وموسى كريدي وأبو المعاطي أبو النجا الى الشعراء أمل دنقل ويوسف الصايغ وحسب الشيخ جعفر ومظفر النواب خاصة في شعره الشعبي الأثير لدي.
لقد اجتمعنا أو تجمعنا بعدما كان الشباب قد خاضوا غمار الجدل حول الفكر والفن والإبداع في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، متحلقين حول شيخهم أدونيس، منفتحين على المطران جورج خضر .. منطلقين مع انطلاقة مجلة مواقف برئاسة سمير الصايغ .. وكنت حاملاً مثلهم للمؤتمرات الأدونيسية من النجف، حيث شكل لبعضنا كل من أدونيس والسياب وعبد الصبور وخليل حاوي وسعيد عقل واحات نتفيأ ظلالها في صحرائنا الشاسعة، ونقضي ليالي التقفية مع المتنبي وأبي تمام وشوقي والشريف الرضي، ونعود صباحاً الى معاركنا حول القديم والحديث بقيادة أستاذنا ورفيقنا وخصمنا الدائم الشاعر العالم مصطفى جمال الدين، حيث كانت ليالينا في منازلنا وصباحاتنا في كلية الفقه وآصالنا في الرابطة الأدبية مصدر حيوية لنا ولمن حولنا، حتى أن النجف الحوزة التي كانت تتوجس من حركتنا لم تبخل علينا بنظرة يشتبه فيها الشك بالإعجاب، من هناك جئت مستظهراً ديوان التحولات لأدونيس، ما أهلني للدخول في الأسرة، التي انفض بعضها عن قطبها بنسبة أو بأخرى من دون أن انفض معها، ولأكتسب الجنسية كان لا بد لي أن أكتب في «مواقف»، مجلة أدونيس أوائل السبعينيات، وكتبت قصة قصيرة (احذروا التعامل مع الغجر) وتحمس الشباب لمناقشتها، وعقدنا الجلسة في منزل موسى شعيب في النبطية .. ودار النقاش وكان أكثرنا حماسة في النقاش (أحمد فرحات) الطويل الدمث والشفاف والعصبي أحياناً .. وناقش بطريقة لم ترقني فأحببت أن أمضي معه الى النهاية وبعد جدل طويل اعترف أحمد بأنه لم يقرأ القصة ونقدها بناء على فهمه لي كرجل دين إشكالي لا أكثر.
فجأة سافرت الى النجف مشاركاً في تشييع أحد العلماء، قضيت اياماً اتفقت خلالها مع استاذي السيد محمد تقي الحكيم وصديقي السيد عدنان البكاء، وكان قد اصبح عميداً لكلية الفقه، وزميلي الصديق السيد عبد الهادي الحكيم، على تشكيل فريق يعيد قراءة التراث (الموسوعات) للفرز بين المنقضي من الماضي وما ليس بالضرورة أن يمضي وينقضي من هذا الماضي، ونعيد طباعة ونشر ما ننتهي اليه مقروءاً على معايير نقدية منهجية أصلية متجددة.
وبعد أيام من عودتي الى لبنان وضبت حقائبي للسفر، والتقينا في منزل الاستاذ محمد علي شمس الدين لنعالج استمرارية المنتدى .. واتفقنا على صيغة، ولكن الشباب ظلوا على تحفظهم من كون دوري في المسألة مهما، وقد لا يستطيعون الاستمرار.. تقديري أن السبب في هذا الفهم للمسألة ليس عائداً الى قدرات غير عادية لدي، بل لأن هناك كما يبدو فرقاً شاسعاً بين الثقافة والقدرة الإبداعية وبين مستلزمات الإدارة، وهذا ليس عيباً، ذلك ان الإبداع له شروطه في المبدع وأهم شروطه الفرادة والفردية .. والناس يقدرون ذلك ويتحملون ما يبدو كأنه مزاج لدى المبدع، في حين أنه راجع الى دخول الشك في تكوينه، وعندما يصبح المبدع يقينياً ينتهي الإبداع.
وسافرت الى النجف وبعد أسبوع عدت بعدما اكتشفنا ان إمكانيات تنفيذ تصورنا العلمي قليلة بسبب حساسية متوقعة لدى الحوزة، نستطيع أن نتفاداها بشيء من المرونة والتروي، ولكن عيون الأجهزة كانت قد أصبحت مفتوحة علينا، وهي، لأنها تطمح أن نكون في لفيفها، ليست على استعداد للتسامح معنا أو قبولها منا ما قد تقبله من خصومها الآخرين، أي من سائر العلماء والمفكرين والأدباء المتمسكين بجذوع الحرية والاستقلال والكرامة وفروعها،  وكان من المفترض أن أعود لممارسة دوري في تنمية منتدى أدباء جبل عامل .. ولكن هناك سببين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر، جعلاني أنصرف عن هذا الشأن، الأول أني كنت منذ أسابيع، قد لاحظت أني فقدت التواصل مع أهل القرية، وأنا إمامهم، لأن الجلسة الأسبوعية مع الأدباء تمتد آثارها على مدى أسبوع لتطبع لغتي مفردات واهتمامات ومضامين، وحتى أتحقق من ذلك سألت والدي عما يقوله هو ويقوله الآخرون ممن اجتمع اليهم في المسجد أو الحسينية أو المنزل .. فعبّر لي بطريقته عن وجود الأزمة التي توقعتها، اذن فما عليّ لأكمل مسيرتي الأدبية الإشكالية لأنها حداثية، إلا أن أبدل في شروطي، وأول ذلك أن لا أتجشم وأجشم الناس عناء إمامتي لهم، والثاني أن أبتعد عنهم في القرية وهذا أمر صعب جداً، فيبقى أن أنتقل من القرية الى المدينة.
وهنا لعبت ظروف العيش ومستلزماته لعبتها، فبقيت في القرية على مسافة من الحراك الأدبي ما كان لدى الشباب بداية لمكان ثقافي يكونون فيه، وكانوا قد تخرجوا وأصبحوا موظفين، أي ارتاحوا وأخذوا يبحثون عن المتاعب، فعادوا وقيّموا الحركة الوطنية واليسار عموماً، ومالوا إلى إنصاف الحزب الشيوعي، ودخلوا فيه، ومنه دخلوا الى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – ذاته - ودخلوا في جدليات الحرب الأهلية العام 1975 وإن كانوا لم يتأخروا كثيراً في اكتشاف التناقضات ليعودوا أكثر حرية وتحرراً من الأوهام، وأقرب الى الليبرالية، وأحياناً مع جنوح يميني (أعني أكثرهم هنا)، والثاني، أي السبب الثاني لعدم عودتي الى المنتدى لدى عودتي من النجف أواخر العام 1972، هو أني وجدت (الريجي) (شركة حصر التبغ والتنباك) تحت مظلة الطبقة السياسية الحاكمة في البلد قد شدت الحصار على تعب مزارعي التبغ ولقمة عيشهم، وأنا حاشد بندوب في الروح والجسد من التبغ المر، في حين أني كنت أشعر بالمقت والتناقض لكوني رجل دين لا يمارس عملاً بدنياً، بينما أمي وشقيقتي ما زالتا تحلمان بيوم عطلة لتسهرا قليلاً وتتأخرا في الصباح في نومهما قليلاً .. وينتهي الموسم ولا يبقى شيء .. ليبدأ المزارع الصغير من الصفر . وقرر المزارعون أن يحتجوا ويتظاهروا، فتظاهروا في الايام الاخيرة من العام 1972 واشتد غضبهم فتوجهوا نحو مركز الشركة في النبطية ودخلوه وحطموا بعض زجاج نوافذه، فحوصروا، وسارت تظاهرة ضخمة في المدينة لتفك الحصار، فأطلقت عليها النار، وسقط شهداء أمام عيني وأنا على نافذة مبنى شركة التبغ مع المحاصرين .. مع هذا اليوم بدأ تاريخ آخر في حياتي،  ودخلت السجن.
وخرجت منه الى فلسطين والمقاومة وفتح لا كبند أهم أو أكثر أهمية في سلم أولوياتي، بل كبند رئيسي منه واليه تتفرع وتصب كل البنود .. وإن كان هناك من كان ينبهني الى أنه ليس من الضروري أن تكون القضية بديلاً عامودياً للمسألة الوطنية والمطلبية اللبنانية، بل يمكن ويجب أن تتعرف الى حركة الجدل بينهما حتى لا تؤثر القطيعة مع المسألة اللبنانية الى الإفراط في الفلسطينية التي لا يناسبها التفريط بشيء من أجلها، وقد انتبهت الى هذا الأمر متأخراً قليلاً، ومطمئناً الى تغلغل فلسطين في ذاكرتي وأشواقي ودمي.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: