إسرائيل تُجرّ إلى المواجهة / "حماس" تبحث عن إنجاز

2014-07-10


بالرغم من أن «حماس» في نقطة ضعف، بل في أزمة استراتيجية، فإنها هي التي تحدد صورة الأمور الى الآن في المواجهة الحالية. وقد أخذت إسرائيل تُجر إلى صدام عسكري لم ترده من البداية. إن عدد الخسائر المرتفع في قطاع غزة وحقيقة أن نحو 3 ملايين إسرائيلي جربوا، أول من أمس، الجري الى الملاجئ والغرف الأمنية مع سماع الإنذارات، وأن اكثر من 100 قذيفة صاروخية أطلقت على إسرائيل – تملي تصعيدا أخذ يقوى. ولأنه لم تُصغ الى الآن خطة خروج منظمة للطرفين ولأنه لم يتضح في هذه المرحلة مبلغ استعداد الوسطاء المصريين لبذل الجهد المطلوب للتوصل اليها، فلا يبدو الآن في الأفق موعد لإنهاء متكهن به للصدام.
انتهزت المواجهة في القطاع عملية الخطف وقتل المخطوفين الإسرائيليين الثلاثة في غوش عصيون، لكنها تتسع دون صلة بها، ولم تكن قيادة «حماس» في القطاع كما نعلم جزءاً من سلسلة القيادة التي تولت الخطف الذي نفذته خلية من المنظمة من الخليل في 12 حزيران. لكن فشل العملية – عدم قدرة الخلية على عرض مطالب على إسرائيل وكشف الجيش الاسرائيلي عن الجثث – ترك «حماس» بلا إنجاز. وأضيف الى ذلك الشعور بحصار القطاع، الذي أخذ يقوى، وفشل محاولات قيادة «حماس» كسره.
بحثت «حماس» عن إنجاز بديل، ولهذا بادرت الذراع العسكرية كما يبدو (مقدار التنسيق مع القيادة السياسية للمنظمة ليس واضحا تماما)، إلى تسخين الجبهة بإطلاق قذائف صاروخية. وردت إسرائيل بضبط نسبي للنفس وبهجمات جوية محددة. وقد بادرت المنظمة في مطلع الأسبوع الحالي الى عمل طموح جدا هو محاولة محكمة لتنفيذ عملية بوساطة نفق هجومي إلى داخل ارض اسرائيل قرب كيبوتس كيرم شالوم على حدود القطاع الجنوبية. ويبدو أن العملية أحبطت حينما نزلت قوة «حماس» المتقدمة الى داخل النفق، وأصيبت على نحو ما بـ «حادثة عمل». ومن هنا فصاعداً بدأ حساب آخر في وقت نزلت فيه قيادتا «حماس» السياسية والعسكرية كما يبدو تحت الأرض، وأخذ نشطاء الميدان يتلقون توجيهات بزيادة قوة الإطلاق.
مشكلة إسرائيل هي أنها جُرت الى المواجهة مرغمة. وقد حدث شيء مشابه جدا في الأسبوع الذي سبق عملية «عمود السحاب» في تشرين الثاني 2012، فقد أخطأت «حماس» آنذاك أيضا في تقدير مقاصد حكومة نتنياهو (السابقة)، وقدرت أنها ستضطر الى ضبط نفسها في وجه تصعيد متعمد منها. بيد أن إسرائيل كان لها آنذاك ميزة المفاجأة. وفي بداية العملية صفي احمد الجعبري، رئيس الذراع العسكرية لـ «حماس»، وأصيب أكثر مخزون القذائف الصاروخية ذات المدى المتوسط. واصبح الوصول الى وقف إطلاق نار من هنا أسهل.
وفي هذه المرة أصبح قادة المنظمة في مكان عميق في الملاجئ تحت الأرض، ويقدر عدد القذائف الصاروخية التي يبلغ مداها الى غوش دان ببضع مئات، أخفي بعضها على الأقل إخفاءً جيدا. ويبدو أن «حماس» تعلمت أن تكون أكثر حذرا. فقد برز في جولات مواجهة سابقة عدد خلايا الإطلاق التي قتل رجالها بهجمات سلاح الجو في حين كانت تُعد القذائف الصاروخية للإطلاق. وفي هذه المرة، وحسب أفلام نشرت في السنتين الأخيرتين، اصبح بعض قواعد الإطلاق على الأقل موجودا في ملاجئ تحت الأرض، ويحافظ مشغلو القذائف الصاروخية على مسافة أمن من المكان وقت الإطلاق.
في هذه الظروف، وبإزاء خيبة أمل الجمهور التي أخذت تقوى في اإسرائيل، يجب على الحكومة أن ترد ردا قويا جدا. وقد تحدث وزراء كبار، أول من أمس، عن أن إسرائيل أزالت كل الحواجز، وقالوا إن كل هدف في «حماس» أصابته مشروعة الآن. ويبدو أن «كل هدف» يشمل إصابة القادة الكبار كما حدث أول من أمس. ولن تكون الهجمات الجوية التالية «هجمات عقارية» يتحققون فيها من أن المكاتب فارغة قبل إطلاق القذيفة.
تواصل «حماس» في الوقت نفسه البحث عن إنجازات لها. أحبطت عملية النفق في كرم ابو سالم، لكن وردت أنباء، أول من أمس، عن انفجار آخر في المنطقة نفسها دون وقوع مصابين من الجانب الإسرائيلي هذه المرة ايضا. فأرسلت مع ذلك خلية غواصين الى ساحل زيكيم بعد أن قتل سلاح الجو الإسرائيلي أربعة من رجال القوة البحرية التابعة لـ «حماس» بساعات قليلة. وقتل «المخربون» بعد نزولهم على الشاطئ في صدام مع قوة من جفعاتي. وقد لوحظ أن «حماس» أعدت سلسلة مفاجآت تكتيكية كهذه ترمي الى التشويش على العملية الإسرائيلية والى تسجيل إنجازات معنوية ما، لكنها لم تنجح في ذلك الى الآن.
دخلت غوش دان أيضا في معادلة الردع، أول من أمس، كما كان متوقعا في وقت خطط لأن يكون قريبا من نشرات اخبار المساء في التلفاز. واعترضت قذيفة صاروخية في منطقة ريشون لتسيون. وأعلنت منظمة «كتائب الأقصى»، وهي فصيل صغير في قطاع غزة يعمل مع صلة ما بـ «حماس»، المسؤولية عن ذلك، وأعلنت أن الحديث يدور عن صاروخ «براق 70»، وزعم التصريح أن الإطلاق كان موجها أصلا الى مطار بن غوريون. وتفسير ذلك واضح وهو أن المنظمات الغزية أطلقت من قبل الصواريخ على تل ابيب في عملية عمود السحاب. وسيصنف مطار بن غوريون على أنه إنجاز آخر يتضمن تهديد الطيران المدني الى إسرائيل ومنها – وإن كان الحديث يدور عن مبالغة غزية نموذجية. ووردت الأنباء في المساء عن سقوط صواريخ في منطقة القدس مع إطلاق صواريخ أوسع على غوش دان. وسجل قبيل منتصف الليل سقوط قذيفة في الخضيرة، وهذه شهادة على أن «حماس» نجحت برغم الحصار في أن تهرب صواريخ معدودة يبلغ مداها اكثر من 100 كم. وسجلت بطاريات القبة الحديدية اعتراضات ناجحة كثيرة، ويبدو انه حدث تحسن في قدرتها منذ «عمود السحاب». ويتوقع أن يستمر إطلاق الصواريخ، ومعنى ذلك أن يكون نصف مساحة إسرائيل تحت هجوم. ويوجب الأمر حالة طوارئ فورا في الجبهة الداخلية، وسيترجم بموازاة ذلك إلى إجراءات هجومية.
 بينوا، أول من أمس، في المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل أن فترة ضبط النفس قد انتهت، وإحدى الإمكانيات هي عملية برية، رغم أن الحكومة لم ترد ذلك من البداية. ويبدو على ما في ذلك من التناقض أن الجيش الإسرائيلي أقرب الى دخول القطاع مما كان وقت «عمود السحاب» حينما جند نحو 75 ألف جندي احتياط.
 بيد أن يد إسرائيل كانت هي العليا من البداية في الجولة السابقة بسبب العملية الأولى، وليس لنتنياهو في هذه المرة إنجاز في يده، وقد يتسع إطلاق الصواريخ على النقب والوسط، ويزيد الضغط على الحكومة والجيش في هذه الظروف لفعل شيء ما، وقد يكون هذا الشيء هو إطلاق الفريقين اللذين نظما من المظليين ومن جفعاتي في عمل هجومي محدود.
أجاز المجلس الوزاري المصغر تجنيد 40 ألف جندي من الاحتياط بطلب من الجيش، ولم يستدع الجيش الاسرائيلي الجميع في هذه المرحلة، ودُعي الى الخدمة جنود من عدة وحدات: ممن يعملون بصفتهم جزءا من الغلاف حول الوحدات النظامية، ورجال استخبارات وقيادة الجبهة الداخلية، ومنظومة الدفاع الجوي وكتائب مشاة احتياطية مهمتها أن تحل محل الكتائب النظامية التي تتجه الى الجنوب. ولم يكرروا خطوة تمت في «عمود السحاب» الى الآن حينما انتظر آلاف من رجال الاحتياط في مناطق التدريبات في الجنوب وتلقوا قذائف صاروخية واشتكوا من أن الحكومة غير قادرة على أن تقرر هل ترسلهم في عملية أو ترسلهم الى بيوتهم، وقد كان للتجنيد كما يبدو قيمة ردعية، لكن كان للغليان تأثيرات عامة اشكالية، ويبدو أنهم يريدون في الجيش هذه المرة الامتناع عن ذلك. إن تجنيدا اوسع يشمل ألوية احتياط من اجل عملية برية سيوزن مجددا بسبب اتساع إطلاق الصواريخ في الليل.
يمكن أن تستمر جولة القتال بين إسرائيل والقطاع بضعة أيام أُخرى على الأقل، بل قد تقوى بصورة ملحوظة، وهنا يوجد دور رئيس للوساطة المصرية، وتقول مصادر فلسطينية إن قادة كبارا من الاستخبارات المصرية كانوا في إسرائيل في مهمة وساطة في مطلع الأسبوع، وقد أصبحت «حماس» تعرض مطالبها علنا، وأساسها تخفيف الحصار (وهذا في الحقيقة طلب موجه الى مصر أساسا)، والعودة الى وقف اطلاق النار الذي كان بعد «عمود السحاب»، والإفراج عن السجناء الذين اعتقلوا مجددا بعد أن أفرج عنهم في صفقة شاليت.
إن للقاهرة، التي علاقاتها بغزة مشحونة جدا، تأثيراً كبيراً فيما يجري في غزة. لكن يُظن أن الجنرالات المصريين لا يعارضون أن تتلقى «حماس» ضربات من إسرائيل لبضعة ايام قبل أن يفرض عليها وقف إطلاق نار، ويجب أن نتذكر أيضا أن للمصريين مشكلاتهم: موجة ضخمة من رفع الأسعار– إلى درجة مضاعفة اسعار الوقود والسجائر – يتوقع بعدها مظاهرات ضخمة في مصر قبيل نهاية الأسبوع، ويبدو هذا هامشيا من وجهة نظر إسرائيلية، لكن يوجد الآن للوضع الاقتصادي المصري تأثير فيما يجري بين إسرائيل وغزة.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: