آراء

أبعد من مجرّد عدوان

عبد المجيد سويلم

2014-07-10


ليس مهماً إذا كانت إسرائيل قد وجدت من المبرّرات ما يكفي لتحول موقفها عن البحث عن إعادة تجديد التهدئة إلى حملة عسكرية شاملة وغارات إسرائيلية على مدار الساعة، لكن المهم هو معرفة الأهداف الحقيقية لهذا العدوان (الحرب) والاستهدافات الأبعد في هذا التحول.
كما بتنا نعرف الآن فقد "أعادت" إسرائيل ممثلةً في أحزاب اليمين واليمين المتطرف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى المربّع الأوّل، وتحوّل الموقف الإسرائيلي بصورة سافرة ومكشوفة إلى نفي حق الشعب الفلسطيني بالمطلق و"حصر" هذه الحقوق في احتياجات "وأعباء" سكانية.
يعتقد القائمون على هذه النظرية في إسرائيل أن الفرصة القائمة اليوم هي فرصة تاريخية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية. فمن ناحية الوضع الفلسطيني هشّ للغاية وذلك لأن حركة حماس فقدت ظهيرها الإقليمي الأبرز وهي مصر إضافةً إلى خساراتها في سورية ولبنان وإيران بل وحتى الافتقاد إلى "دعم" مطلق من قطر وتركيا.
ومن ناحية أخرى السلطة الوطنية تعيش جملة من المشكلات المالية والسياسية في ضوء "تعثُّر" مسيرة المصالحة وتحويل موضوعاتها إلى "رواتب" ومناصب، إضافة إلى انسداد افق الحل السياسي.
أما الوضع الإقليمي فتراه إسرائيل منهاراً تماماً، ودرجة الانشغال العربي في معالجة مظاهر تفكك الدولة العربية وتصدع وحدتها وانهيار الكثير من بناها الاجتماعية أكبر من أن تستطيع أي جهة عربية الخروج عن دائرة الإدانة والشجب والاستنكار.
أما الوضع الدولي فتراه إسرائيل أعجز من أن يستطيع مجابهتها بصورة عامة وانه ليس ناضجاً بعد للتصدي لها ولسياساتها العدوانية، كما أنه (أي المجتمع الدولي) ربما يكون "متضامناً" معها جزئياً في معركة "منع" إطلاق الصواريخ، كما تدرك إسرائيل مدى ضعف وهشاشة الإدارة الأميركية. ولأن إسرائيل في عجلة من أمرها، وترى أن أي تأخير في استثمار هذه الفرصة قد لا يمكّن إسرائيل من فرض حلولها وتكريس الأمر الواقع الذي كانت تبنيه وترسّخه على مدى سنوات كاملة من التهويد والاستيطان، فإنها (أي إسرائيل) حوّلت موضوع "خطف وقتل" الفتية الإسرائيليين الثلاثة إلى ما يشبه الكارثة المحدقة بإسرائيل، وإلى ما يشبه المأساة التي لم يسبق لها مثيل.
ردة الفعل الإسرائيلية على عملية الاختطاف والقتل أدت في الواقع إلى اجتياح الضفة وإلى حملة عسكرية شاملة على غزة.. فهل يُعقل أن يكون كل ذلك مجرد ردّة فعل على هذا الاختطاف؟
حتى في إسرائيل لا أحد يصدق نتنياهو، ولا حتى حلفاء نتنياهو يصدقون أن نتنياهو يقوم بهذه العملية كردّة فعل.
إذن هناك أسباب تتعلق بخطة اليمين "لحسم الصراع" في أسرع وقت ممكن، وهناك أسباب أخرى تتعلق بأزمة نتنياهو نفسه.
أزمة نتنياهو مركّبة للغاية. فهو من ناحية لا يرى ضرورة لإنهاء حكم حماس في غزة، ويخشى من التورط في معارك برية قد تطول وتنقلب على رأسه، وهذا ما يُغضب ليبرمان وبينيت على حدٍ سواء، وأما من ناحية أخرى فهو يعرف أن فك التحالف معهما سيجعله عارياً أمام أحزاب الوسط واليسار وأمام لبيد وأمام الجميع دون استثناء.
ونتنياهو، أيضاً، لا يملك قوة التأثير الفعلية داخل الليكود نفسه، ما يعني أنه سيتحول، أو كان سيتحول ـ لو أحجم عن هذه الحرب على الضفة والقطاع ـ إلى الرجل الأضعف بعدما كان الرجل الأقوى منذ عدة شهور فقط.
إذن معادلة التوازن في معسكر اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل فرضت هذه الحرب، وبرنامج حسم الصراع هو برنامج هذه الحرب وأهدافها واستهدافاتها الحقيقية بغض النظر عن أهدافها المباشرة والتكتيكية المؤكدة.
الأهداف المباشرة الأبرز على هذا الصعيد هي تجريد فصائل المقاومة في قطاع غزة من الأسلحة التي تمتلكها والتي تحولت في الواقع إلى تهديد فعلي بغض النظر عن حجم التهويل والمبالغة التي تعمد إسرائيل إليها وتنجرّ لها بعض الفصائل الفلسطينية نفسها.
إن الوصول الى "صواريخ صفر" ليس هدفاً دعائياً إسرائيلياً مجرداً، وإنما هو هدف حقيقي على الرغم من أن وسائل تحقيقه يمكن أن تكون عسكرية وسياسية في آن.
كما أن أحد أهم استهدافات هذه الحرب هو إرباك مسيرة التصالح الفلسطيني قبل أن تنضج وقبل أن تتمكن القوى والمنظمات الفلسطينية من إنجازها. وكما كان اجتياح الضفة يستهدف إضعاف السلطة والتأثير على دورها ومكانتها فإن أحد استهدافات إسرائيل من الحملة العسكرية على غزة إحداث شرخ كبير ما بين المواطن وما بين الفعل المقاوم من غزة.
تلعب إسرائيل على كل الحبال بهدف إعادة تجميع اليمين واليمين المتطرف والعمل بكل الوسائل على "لم شمل" هذا التحالف قبل أن ينهار ويتصدع إلى غير رجعة، حتى ولو كان الثمن هو قتل آلاف الفلسطينيين وتدمير بيوتهم على رؤوس أطفالهم، وحتى لو كان الثمن هو وضع المواطن الإسرائيلي أمام معادلة إما تأييد هذه الحرب وتأييد اليمين وإما "تعريض" كل إسرائيل للخطر وتحويل كامل "الجغرافية" الإسرائيلية إلى أرض مستباحة "للارهاب" الفلسطيني.
يخوض نتنياهو هذه الحرب على الشعب الفلسطيني تحت ذريعة اختطاف وقتل الفتية الثلاثة، ولذلك قلنا من اليوم الأول إن عملية الاختطاف والقتل قد نزلت عليه من السماء، ولولا العملية التي أقدم عليها المستوطنون بقتل وإحراق "محمد أبو خضير" لدخل نتنياهو إلى الضفة باجتياح أكبر وأخطر من اجتياح العام 2002 الذي أقدم عليه شارون بعد عشرات العمليات التفجيرية.
علينا أن نلاحظ هنا أن "التهوّر" الإسرائيلي أصبح أكبر والتغوّل الإسرائيلي تحول إلى ممارسة يومية معتادة لأن الصراع اليوم هو صراع على فرض برامج اليمين واليمين المتطرف بأي ثمن وبكل الوسائل وبأسرع وقت وتحت أية ذريعة.
اليمين يشعر بأنه في معركة حياة أو موت ولهذا فإن الشعب الفلسطيني يجب أن يتحلّى بالحكمة والثبات والصمود.
هزيمة اليمين في إسرائيل أصبحت ممكنة والفرق بين هزيمة اليمين وهزيمة إسرائيل لم يعد كبيراً أبداً.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: