ضبط النفس بات صعباً بعد «طوفان» الصواريخ

2014-07-09



بقلم: ناحوم برنياع

بعد بضعة أيام من عدم اليقين حدث وضوح ما في صورة المواجهة مع "حماس" في غزة، أول من أمس.
تفعل "حماس" الكثير جداً – إن 100 قذيفة صاروخية شيء كثير جداً – لتجر إسرائيل إلى الداخل، إلى غزة. ومن شبه المؤكد أنها تفعل ذلك يأساً لأن هذا بحسب تصورها هو الخيار الوحيد الباقي لها.
ويواجهها نتنياهو، وهو واحد من أكثر رؤساء الوزراء الذين عرفتهم الدولة ضبطا للنفس فيما يتعلق باستعمال القوة العسكرية. "اذا أردت إطلاق النار فأطلق ولا تتكلم"، قال ايلي فلاخ، القبيح في فيلم "الطيب والشرير والقبيح"، قبل أن يطلق النار على خصمه فيقتله بلحظة. "اذا لم ترد إطلاق النار فتكلم ولا تطلق النار"، يقول نتنياهو في واقع الأمر.
كان وزير الدفاع يعلون وقيادة الجيش الإسرائيلي العليا والأكثرية في المجلس الوزاري المصغر يقفون وراءه حتى أول من أمس. وقد جعل طوفان الصواريخ، الذي خرج، أول من، أمس من غزة، ضبط النفس هذا أصعب كثيراً، فلا تستطيع أية حكومة إسرائيلية أن تطيل أمد واقع تخضع فيه حياة مئات آلاف الإسرائيليين لقدرات منظمات "الإرهاب" في غزة على إطلاق النار، ولقدرات "القبة الحديدية" الدفاعية، مع كل الاحترام والإجلال لـ "القبة الحديدية".
ويمكن بالطبع أن نرى ما يحدث في الأيام الأخيرة في غزة على أنه جولة تقليدية: فـ"حماس" تطلق راجمات الصواريخ على المجلس الإقليمي أشكول، ونرد نحن بإطلاق سلاح الجو النار على أهداف خالية من البشر؛ ويوسعون هم الى "شاعر هنيغف" والى "سديروت" بعد ذلك، ونوسع نحن القصف فيتجهون حتى "عسقلان ونتيفوت واوفكيم"؛ ونجند ألوية مشاة؛ ويتجهون الى بئر السبع و"كريات غات ويفنه" فنوسع القصف ونهدد بالدخول؛ ويتجهون الى "ريشون لتسيون" وهنا يقف الأمر على نحو عام.
إن المشكلة في هذه اللعبة هي أنه يوجد دائما إمكانية في أن ينجح أحد الطرفين اكثر مما ينبغي، فيقتل مواطنون كثيرون، فلا يكون ثمة مناص من توسيع القتال، أما هو فنحو "غوش دان" وأما نحن فبقصف المدافع ودخول المشاة.
إن ضبط النفس الذي يظهره المجلس الوزاري المصغر الحالي غير عادي حقا: فهو غير عادي اذا قيس بحكومات يمينية، وغير عادي اذا قيس بحكومات يسارية. وقد قال نتنياهو إن "الهدوء سيرد عليه بالهدوء".
دخلت هذه الجملة القاموس السياسي بعد أن قالها ايهود باراك، وزير الدفاع في حكومة اولمرت. فقد كان باراك يريد هدنة مع "حماس" لا حربا. وقد ناضل اولمرت وتسيبي ليفني، وهما الضلعان الأخريان في المطبخ. وحينما جاء اللواء (احتياط) عاموس جلعاد برزمة تفاهمات تم الاتفاق عليها مع "حماس" بوساطة المصريين، وضع باراك معادلة "الهدوء مقابل الهدوء".
إن الهدوء مقابل الهدوء لم يكن هنا شرطا متفقا عليه، بل كان توقا قيل في أثناء إطلاق كثيف للقذائف الصاروخية من غزة وبرغمه. وانتقد بينيت وليبرمان، وهما عضوان كبيران في المجلس الوزاري المصغر، ضبط النفس في الخارج، لكنهما كانا أقل ميلا الى القتال في المباحثات الداخلية، وقد تركا نتنياهو ويعلون يواجهان في واقع الأمر إطلاق النار من غزة بحسب تصورهما. والذي يلقي الذنب أو مدح ضبط النفس على باب ليفني ولبيد يقلل جدا من تقدير نتنياهو ويعلون والعسكريين.
إن للمواجهة العسكرية الحالية ميزة اخرى، فقد كان السؤال المركزي في الماضي هو ماذا سيحدث لعلاقات إسرائيل بـ"حماس" بعد إحراز وقف لإطلاق النار. وكان أشخاص في إسرائيل أكدوا الردع، وسعى آخرون الى تسوية. وعلم هؤلاء وأولئك أن كل ما سيُحرز سيكون مؤقتا حتى الجولة العسكرية التالية.
إن السؤال الذي بدأ يثار الآن مختلف، وهو أنه اذا ضربت إسرائيل "حماس" ضربة قوية فمن الذي سيملأ فراغ الحكم الذي ستخلفه؟ إن غزة ستصير الى فوضى مثل الصومال أو الى ملاذ لمنظمات إرهاب متفرعة عن "القاعدة"، كما حدث في سيناء وشمال العراق وأجزاء من سورية. وبعبارة اخرى إن "حماس" شر، لكنها قد تكون أهون الشرور.
وهناك ميزة اخرى هي التدخل المصري أو عدم التدخل على الأصح. ففي فترتي حكم مبارك ومرسي كانت مصر وسيطا فاعلا بين إسرائيل و"حماس"، لكن حكومة الفريق السيسي غير متحمسة لهذا الدور؛ ومن المؤكد أنها غير متحمسة لأن تدفع ثمنا لـ"حماس" كي تمنحها دور الوسيط.
وهناك واقعة اخرى تميز هذه الأزمة؛ حيث تصاحبها أزمة داخل الكتلة الحزبية الحاكمة، وهي ازمة لها صلة بقضية "حماس" في غزة في الهامش فقط. حينما تسقط الصواريخ فلا يكون للرأي العام شهوة كبيرة للازمات السياسية، فهو يميل الى تأييد الحكومة ورئيسها في الأيام الأولى على الأقل. وإن الوقت الذي اختاره افيغدور ليبرمان ليقسم الكتلة الحزبية المشتركة بينه وبين "الليكود" لم يزده شعبية.

عن "يديعوت"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: