دفاتر الأيام

الله، الوطن، الملك، وأنا وأنت!

توفيق وصفي

2014-07-09



توفيق وصفي

تسود في بلادنا معادلة "الله، الوطن، الملك"، منذ قيام أنظمتها الحديثة في القرن الماضي، مع الحفاظ العلني على ترتيب مفرداتها، لتكون لمفردة "الله" جل جلاله أولوية الاستهلال على الدوام، كمسلّمة لا جدال فيها، بينما تتبادل مفردتا الوطن والملك احتلال الحيّز التالي من المعادلة تبعا للولاءات غير الربانية، بالرغم من زعم الموالين بأن أولوياتهم تتكئ على أن الملك ظل الله على الأرض، ما يعني أن حبه امتداد لحب الله، وأن الولاء له تجسيد لطاعة الرب والخضوع لمشيئته، أما الوطن فهو في الذيل كتحصيل حاصل، كونه هبة الله للملك، أدرى الناس بمصلحته، دون أن يرد في أذهانهم أي استفسار عن موقع العباد في المعادلة نفسها أو اشتقاقاتها، أنا وأنت والجيران، أي المواطنين!.
أين ما يخصنا، فالله في علاه رب الجميع، والملك بشر مثل الرعية وذو أهواء وحسابات، كما أنه يمرض ويموت! هل نحن مجرد قطيع مرعاه الوطن، يتلهف على ما يلقيه إليه الراعي من علف، بينما يتردد في أعماقنا صدى الدعاء له، واللهج بشكر الله على هذا الخير العميم!.
لا إرادة لنا خارج إرادة الله والملك، وحين نتململ قهرا أو حزنا أو يأسا نجد ألف نذير يحذرنا من الخروج على إرادة الملك الراعي، كي لا تفتح لنا مغاليقُ جهنم الدنيا والآخرة، حتى أننا عندما نغضب كرامة للوطن نتلقى عصا الراعي، بحجة سوقنا في اتجاه مصلحة المرعى وسلامة القطيع، فيما يُحرّم علينا الانتصار لكرامة شخصية كون ذلك شأنا هامشيا في موسم شديد الجفاف.        
عندما يقرر الملك الحرب نحارب، وحين يسالم نسالم، ونذهب وراءه إلى تمجيد بطولات مسبقة وانتصارات حتمية، بالرغم من أن "الطاسة ضايعة"، وأحوالنا لا تسعد حبيبا ولا عدوا.. إفلاس عام، معنويات في الحضيض، نذر فتنة داخلية شديدة، افتقاد الزعامة الشعبية التي تمنحنا نوعا من الأمان، وحدك وحدك، وما عليك إلا الصبر، الذي هو "خيال وكلام في الحب" على رأي أم كلثوم، يتمثل في اقتسام ما قسّمه لنا الرعاة من هموم وفقر وضغينة.
لا نصائح تنفع الموشك على الموت بسبب السرطان، لا حمية تنفعه ولا مقويات، يقابل من ينصحه بعدم التدخين بسخرية لاذعة وهو يشعل سيجارته بلهفة مدمن قائلا، "هو الموت، الآن أو عما قليل، متى وأين وكيف؟ الله أعلم"!
الله، الوطن، الملك، وأنا، أين أنا؟ لعلني الضحية، ولا شيء آخر، فأذهب إلى الانتحار، ليس اعتراضا على ما كتبه الله لي، بل احتجاجا على كوني الضحية في كل مصيبة أو انتصار.. لن أنتحر بالسم أو غيره، سأختار هدفا آخذه معي إلى المصير المحتوم، دون أن آبه بوصف الآخرين لي بالإرهابي أو المجنون، فأي إرهاب يساوي الاستعباد والحرمان والأسر والفقر والظلام، الذي حرّمه الله، ولا معنى للوطن في ظله، أما الملك فليبق في قصره وحيدا، يرتجف من دوي انفجاري!. 
tawfiqwasfi@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: