آراء

هل تندلع انتفاضة جديدة؟

مهند عبد الحميد

2014-07-08

 

هل ستندلع انتفاضة جديدة؟ سؤال مطروح بقوة في حديث الناس اليومي. وفي الواقع يوجد وفرة من الاسباب التي دفعت وتدفع نحو انفجار شعبي وانتفاضة، كالفشل السياسي الذريع وفقدان الامل بأي حل ينهي الاحتلال، والازمة الاقتصادية المتفاقمة، والحصار الخانق، واعتداءات المستوطنين اليومية، وانبثاق منظمات فاشية يهودية «فتيان التلال» الذين طرحوا برنامجهم تحت مسمى «دفع الثمن» والمنظمة الفاشية الدينية التي نفذت جريمة إحراق الفتى محمد ابو خضير. وثمة اسباب فلسطينية الطابع كالبيروقراطية وترهل المؤسسات وعجزها عن ايجاد بديل ينقذ الوضع او يخفف من وطأته، إضافة الى الانقسام، والفساد بكل انواعه. لاول مرة توجد اسباب خارجية كالاحتلال وأسباب داخلية وطيدة الصلة بالنظام الفلسطيني (منظمة وسلطة ومعارضة واصحاب رؤوس الاموال المتنفذين ). هذا الوضع لا سابق له مقارنة بأوضاع وشروط الانتفاضات السابقة، التي كان فيها العامل الذاتي الفلسطيني عنصرا داعما ومساندا. اما اليوم فالوضع يختلف.
من تابع وشاهد ما جرى في القدس على خلفية جريمة قتل واحراق الفتى المقدسي، لن يتردد في القول: لقد بدأت الانتفاضة الثالثة. شرارة ابو خضير أشعلت القدس، وأشعلت وادي عارة في مناطق 48، لكنها لم تشعل الضفة وقطاع غزة، ما قد يؤدي إلى إطفاء القدس. سابقا أدت جريمة قتل اربعة عمال في جباليا على يد قوات الاحتلال الى إشعال القطاع والضفة والقدس في الوقت ذاته، وأدى اقتحام شارون لحرمة المسجد الاقصى إلى إشعال كل المناطق بما في ذلك مناطق 48. ظاهرة انعزال كل منطقة او محافظة عن عموم الوطن كل منطقة تتعرض للعدوان تتصدى بطريقتها الخاصة دون تدخل من المناطق الاخرى، كما حدث في الخليل وجنين ورام الله وقطاع غزة، وظاهرة ترك فلسطينيي العراق وسورية وليبيا ولبنان يواجهون مصيرهم دون اسناد او تفاعل التجمعات الاخرى كل هذا يحتاج الى تدقيق، ويطرح أسئلة في غاية الاهمية، هل ضعفت الرابطة الوطنية (الاهداف والمصالح المشتركة) بين مكونات الشعب الفلسطيني الى هذا المستوى المخل؟ هل نجح نظام الفصل العنصري في جعل كل «بنتوستون» يواجه مصيره على انفراد؟ هل فقدت التنظيمات السياسية قدرتها على ممارسة دور المركز الذي يقود الاطراف؟ هل غابت النقابات ومنظمات الشبيبة والمنظمات النسوية والاتحادات الشعبية عن المشهد.
 في كل الاحوال من الصعب أن يجاب على هذه الاسئلة بالنفي، وإلا لكانت موجة شعبية منظمة قد تحركت ردا على الاستباحة الاسرائيلية الشاملة التي تهدد المصير الوطني للشعب في مختلف أماكن تواجده. نفتقد لرافعة سياسية وإرادة وطنية ناظمة سواء أكانت من قبل فصائل المنظمة او من قبل المعارضة من خارج وداخل المنظمة. خلافا لذلك فإن السلطة ترفض مبدأ الانتفاضة وتعترض عليها استنادا لتجربة الانتفاضة الثانية التي كانت نتائجها وخيمة وسلبية. ولكن من يقبل او يطالب بتكرار أخطاء الانتفاضة الثانية وبخاصة الفلتان والفوضى والارتجال والمقامرة بحياة شعب؟ بالمعنى الافتراضي مطلوب من «الوعي» ان يساعد على تجاوز الأخطاء ويكتشف عناصر القوة. صحيح ان الانتفاضة والانفجار الشعبي يأتيان بشكل عفوي، ولا يحتاجان الى موافقة. غير ان اليوم الثاني للانفجار هو الذي يقرر المسار، وفي غياب رؤية وجهاز وحلفاء ودعم للانتفاضة فإنها لا تستطيع التواصل والاستمرار. الانتفاضة الاولى امتلكت رؤية وجهازا ودعما ورافعة سياسية ومبادرة وحلفاء فتواصلت وحققت أهدافا مهمة. الانتفاضة الثانية كان لها اكثر من هدف واكثر من جهاز وحلفاء لكل منهم أهداف متضاربة مع الآخر، ففقدت زمام المبادرة وظلت في إطار سياسة رد الفعل وأعمال رد الفعل فكانت نتائجها مزرية.
يواجه الحراك الجماهيري اكثر من موقف سلبي، الموقف السلبي للسلطة الذي لا يمكن تبريره في ظل فشل المفاوضات والوساطة الاميركية والرباعية الدولية، وفي ظل عدم طرح بديل للمفاوضات وللمسار السياسي الذي ثبت عقمه. غير ان السلطة لا تستطيع مواجهة انتفاضة منظمة في مختلف المناطق ولها اهداف محددة، لا تستطيع ان تكون ضد انتفاضة في مواجهة الاحتلال وضد احتجاجات جماهيرية واسعة ومتعاظمة.
الارتجال في فتح معركة ضد الاحتلال من غير انضاج الحد الادنى من مقومات الاستمرار، ومن تفادي الخسارة من طرف واحد يعتبر من المواقف السلبية الخطيرة ايضا. ذلك ان فكرة الانتفاضة هي تحويل الاحتلال والاستيطان الى مشروع خاسر، بعد ان تحول الى مشروع رابح في ظل المفاوضات. من غير المنطقي الذهاب الى انتفاضة يكون الخاسر الوحيد او الأكبر فيها هو الشعب والمنتفضون ويكون الاحتلال وآلة قمعه هو الرابح. الانتفاضة كما يقول خبراء الحرب تخضع لمبادئ التفاضل والتكامل، الربح والخسارة عناصر القوة وعناصر الضعف. الشيء نفسه ينطبق على المقاومة مضافا اليها العمل بمبدأ الخصائص المتناقضة، الذي أدى عدم الاخذ به الى الانزلاق نحو مواجهة غير متكافئة عسكريا، والاخذ بنظام الهدنة الذي يبطل عمليا المقاومة ويحولها الى ممانعة لا تضر ولا تنفع.
 إن عدم التوقف عند الجديد في مشاريع وسياسات الاحتلال، وبخاصة لجهة مكانة المستوطنين في الدولة والمؤسسة العسكرية وتأثيرهم على القرار السياسي قد يقلب الأمور رأسا على عقب. قالوا سابقا ان المستوطنين هم «أسياد البلاد»، وأنهم نجحوا في قطع الطريق على حل الدولتين. الآن يتحدثون عن «دولة مستوطنين « داخل دولة الاحتلال. وتشير أعمال المستوطنين العدوانية خلال العامين الماضيين إلى الى لعب دور رأس حربة في الهجوم على الارض والممتلكات الفلسطينية فضلا عن الاعتداءات المتواصلة ضد المواطنين بدعم من جيش الاحتلال.
 البعض يتحدث ان شكل الصراع الراهن والقادم سيكون بين دولة المستوطنين المدعومة من المؤسسة الدينية والأحزاب القومية المتطرفة والمحمية من المؤسسة العسكرية من جهة والمواطنين الفلسطينيين من الجهة الأخرى – نموذج ما حدث في شعفاط وأحياء مدينة القدس-. وستحاول حكومة الاحتلال الظهور للرأي العام بمظهر المعتدل قياسا بمواقف المستوطنين. حديث نتنياهو مع والد الفتى الشهيد محمد ابو خضير قدم نموذجا لذلك، عندما استنكر بأشد عبارات الاستنكار جريمة القتل ووعد بمحاكمة القتلة، متناسيا ان سياسة حكومته شجعت على القتل بل هي مسؤولة عنه.

Mohanned_t@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: