آراء

الاستيطان دفيئة الإرهاب اليهودي

رجب أبو سرية

2014-07-08


لم يشهد التاريخ العالمي منذ المحرقة، أي منذ الحرب العالمية الثانية، قبل نحو سبعين سنة، حادثة قتل أشد هولا او أكثر بشاعة _، رغم ان العالم شهد على مدار العقود الماضية حرباً باردة، وحروب تحرر شملت معظم قارات الكرة الأرضية _ من واقعة مقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير، قبل أسبوع، الذي قضى وهو الطفل الذي لم يتجاوز عمره السادسة عشرة، «حرقا « وهو حي، على يد مجموعة إرهابية يهودية، مكونة من ستة أشخاص، بمن فيهم «حاخام»، اي رجل دين يهودي.
ورغم ان الإعلام الإسرائيلي، وكذلك مسؤولي الحكومة الإسرائيلية، قد حاولا التخفيف من وطأة فعل القتل، العمد والجماعي وبالغ العنف والوحشية، وذلك من خلال محاولة تبرير الأمر، على أنه جاء في سياق رد الفعل على حادثة اختطاف ومن ثم مصرع المستوطنين اليهود الثلاثة الغامضة، إلا ان عدم كشف الحكومة الإسرائيلية، حتى اللحظة عن تفاصيل تلك الحادثة، يثير الكثير من الشك حول تفاصيلها، بما في ذلك، كون فلسطينيين، وبدافع وطني أو قومي، وراءها، فضلا عن رد الفعل الحكومي الإسرائيلي، نفسه غير المبرر، عبر الاعتقالات في الضفة والقصف على قطاع غزة، والذي لا يكشف إلا عن نزعات العدوانية المتفشية في الأوساط اليهودية / الإسرائيلية، بما في ذلك أوساط الحكومة نفسها.
يتحدث الإعلام الإسرائيلي بصفاقة، عن «موت» الفتى أبو خضير، ولا يقول صراحة انه تم حرقه حياً، ولا يشير الى كونه طفلا، لم يبلغ سن الرشد بعد، ولا لكونه بريئا، ليس له علاقة، ولا حتى « بالمقاومة « كذلك، لا يشير الى وجود جماعات إرهابية يهودية، منتشرة بين أوساط المستوطنين، لم يعد يقتصر دورها على منع التوصل الى حل سياسي او الى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل الى شن الحرب المفتوحة على الفلسطينيين بهدف ترويعهم، وطردهم من وطنهم، بما يذكر بما كانت تفعله، عصابات الهاجاناه، شتيرن، ارجون، وغيرها، قبل العام 48، حين كان الصراع، على فلسطين على اشده بين تلك الجماعات العسكرية / السياسية، وبين مجموعات المقاومة الفلسطينية وعموم الشعب الفلسطيني.
في الحقيقة، وطوال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية، منذ عام 1967، في الضفة الغربية، القدس، وقطاع غزة، ومنذ ان شرعت دولة الاحتلال في زرع المستوطنات في تلك الأراضي المحتلة، لم يتوقف المستوطنون عن إنشاء جماعات التطرف السياسي، بهدف شن الحرب على الفلسطينيين، ومنع التوصل معهم الى حل سياسي من قبل حكومتهم، وقد مرت في هذا السياق جماعات « جوش أمونيم»، « كاهانا حي «، أمناء «، « حركة أرض إسرائيل الكاملة «، « كاخ «، « عصابة الخناجر «، وليس انتهاء بجماعة « دفع الثمن «.
ونظرا لتزايد الاستيطان من جهة، ومن جهة ثانية، لطبيعة جمهور المستوطنين المتطرفة، فقد تتابعت محاولات كسب ود المستوطنين من قبل السياسيين الإسرائيليين الطامحين بمقعد القيادة، وكلنا يتذكر، كيف ان رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، أريئيل شارون، والذي كان في عام 1995، على هامش مراكز التأثير في إسرائيل، عقب حكم قضائي أدانه في مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها بحق الفلسطينيين في بيروت عام 1982، ركب ظهور الاستيطان، حين قاد حملة « احتلال التلال « لمنع تنفيذ المراحل التالية لاتفاق غزة / أريحا أولا، وفق أعلان اوسلو، ثم كيف كان يتسابق مرشحو الحكومة الإسرائيلية للفوز بالسباق لرئاسة الحكومة من خلال إعلان برامج انتخابية متطرفة، تعلن عدم « التنازل « عن الاستيطان !
جماعات التطرف الاستيطانية، جماعات إرهابية بكل معنى الكلمة، فهي متشددة سياسيا أولا، ثم ان الاستيطان نفسه، مظهر احتلالي، أي ان المستوطنين، يشبهون أولاد السفاح، او ثمرة الاغتصاب، لا يمكن ان يخرج منهم إلا كل ما هو شر، وحيث ان الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، حرصت على تدليلهم، لاعتبارات انتخابية، فقد تفشى أولا اليمين في أوساط المجتمع اليهودي / الإسرائيلي، ثم التطرف، حيث يمكن القول بان تأثير المستوطنين على مراكز القرار في الحكومات الإسرائيلية، كان واضحا دائما، وصولا، الى بدء ظهور الثقل المباشر للاستيطان داخل الحكومة الإسرائيلية، من خلال الوصول بأحزاب بعينها الى الحكم، عبر حصولها على مقاعد كنيست بعدد مؤثر، حتى صارت شريكا لليكود في الحكومة !
ظهر هذا الأمر، قبل بضع سنوات، حين دعم المستوطنون حزب شاس، ممثل اليهود الشرقيين المتشددين، في الانتخابات، ثم بات الأمر صريحا مع آخر انتخابات كنيست جرت قبل اكثر من عام، حيث ظهر حزب البيت اليهودي، بزعامة نفتالين بينيت كحزب ممثل للمستوطنين بشكل صريح ومباشر، والذي منذ وصل الكنيست، وصار الشريك الثالث في الحكم، بعد الليكود، و»يوجد مستقبل»، وهو يمنع الحكومة من التقدم على طريق المفاوضات، ويمنع بشكل علني وصريح التوصل لحل سياسي، واكثر من ذلك طرح خطة بينيت، التي تدعو صراحة وبوضوح الى ضم المستوطنات لدولة إسرائيل.
لا يقل إذن الإرهاب اليهودي، المنظم، والذي يستند لفكر متشدد أولا، والى منظومة الاستيطان ثانيا، عن أي إرهاب ديني في العالم، وبتقديرنا، فانه على المجتمع اليهودي / الإسرائيلي ان يبدي قلقه من ظاهرة الإرهاب اليهودي، ولا يكفي هنا ان يعبر بنيامين نتنياهو وكذلك يائير لبيد عن القلق أو القول بأن الدم دم وان القتل هو القتل، فالمعيار هو الأفعال وليس الأقوال، والفعل الإسرائيلي سيختبر بما سيحكم به « القضاء الإسرائيلي « على قتلة محمد ابو خضير الستة، وإن كان سيحكم عليهم بالمؤبد أم لا، كما يفعل بحق الفلسطينيين، الذين يتسببون في مقتل إسرائيليين.
ولأن هذه الظاهرة قد فتحت ببشاعة فعلها، أبواب جهنم، فانه يمكن القول، بأن السحر قد انقلب على الساحر، وان الفلسطينيين الذين تعودوا على اجتراح المعجزات، قد فاجؤوا الإسرائيليين والدنيا كلها، حين انتفضوا، ليس في غزة والضفة والقدس وحسب، ولكن حيث يتواجدون كمواطنين في إسرائيل، في المثلث والنقب والناصرة، وهذا مستجد سياسي نوعي، دليل على وحدة الشعب الفلسطيني، وعلى ان بديل حل الدولتين، هو حل الدولة الواحدة ثنائية القومية، أو حتى العودة لمربع الصراع الأول، قبل عام 48، حيث قد يقود هذا الى حل دولتين ولكن على أساس قرار التقسيم، او دولة فلسطينية تشمل كل الأراضي في إسرائيل ذات الأغلبية العربية، مقابل دولة إسرائيلية تضم المستوطنين.
 وحيث ان الإرهاب ينقلب على أصحابه في النهاية، فقد اضطرت المجتمعات العربية الى مواجهة « متطرفيها « بنفسها، وهذا ما سيحدث للإسرائيليين، الذين إن لم يسارعوا، بالتوصل لحل ينهي الاحتلال، ويفكك الاستيطان، فان إرهاب المستوطنين لن يقتصر فقط على الفلسطينيين، وان لم يواجهوا جماعات الإرهاب اليهودي بين صفوف المستوطنين باعتبارها خارج القانون، وان لم يواجهوا عمليات قتل اليهود للعرب بكل الحزم القضائي، فان « غول « الاستيطان، يفتح على حرب تأكل أخضر ويابس الفلسطينيين والإسرائيليين معا، ولن يكون من شأن ذلك قطع الطريق أو منع إقامة الدولة الفلسطينية، بل سيكون من شأنه تفكيك وإسقاط دولة إسرائيل نفسها، ذلك أن جماعات الإرهاب اليهودي تريد إقامة، دولة يهودا، كإمارة دينية مثل إمارة طالبان أو إمارة داعش أو إمارة الزرقاوي.
وقد باتت إسرائيل فعلا الآن، مع تنامي قوة الاستيطان، غير قادرة على، أن تواصل ادعاءها بأنها دولة قانون، او انها دولة علمانية او ديموقراطية / ليبرالية، بل ها هي تطالب باعتبارها دولة يهودية، اي دولة دينية، لا تختلف في شيء، عن دول الخلافة التي يدعو لها المتطرفون من العرب / المسلمين.

Rajab22@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: